“المجد” .. معاودة الحضور ولكن دون تجديد الصدور

لأسباب ضاغطة حد القهر، ومحمولة على موجة عاتية من الإجبار والإضطرار، احتجبت جريدة “المجد” الالكترونية عن الصدور، وتوارت خلف ستائر الغياب عن الحضور، منذ اوائل شهر كانون الأول من عام ٢٠٢٤ الحالك السواد، والمتخم بالمآسي والمواجع والفواجع العربية، بدءاً باستشهاد ثلة من قادة المقاومة وابطالها العظام : حسن نصر الله ويحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى وإسماعيل هنية وهاشم صفي الدين وفؤاد شكر وإبراهيم عقيل وصالح العاروري، وانتهاءً بضياع سوريا العروبة جراء سقوطها في قبضة جلاوزة القتل والارهاب، بقيادة العميل المتعدد الولاءات والتسميات، ابو محمد الجولاني، وتواطؤ قادة كل من تركيا وأمريكا وإسرائيل.
ذلك العام الذي اعتبرته “عام الحزن” لانه شكّل – في ظني – حداً فاصلاً بين ما كنا نأمله ونتوق اليه من انتصارات في غزة ولبنان، وبين ما أصبحنا نكابده من انكسارات ونتجرع عذاباتها ونجزع من توابعها وامتداداتها وتداعياتها.. ذلك لأن العامين التاليين له (٢٠٢٥ – ٢٠٢٦) قد شهدا، وما زالا يشهدان، حالة صاعقة وغير مسبوقة من الفوضى والنذالة والصراعات البينية والخيانات العربية، لم تكن قط في الحسبان، او تخطر على بال انسان.
طوال احتجاب “المجد” الذي يكاد يُكمل عامه الثاني، وردتنا من قرّائنا الاوفياء مئات المكالمات الهاتفية والرسائل الالكترونية يناشدوننا فيها اعادة مشعل “المجد” الى إشراقاته المعهودة التي أضاءت – ورقياً ثم الكترونياً على مدى ثلث قرن – عدة زوايا وجوانب في حياتنا العربية، وأسهمت بكل حماس واخلاص في تعميم وتعميق الوعي القومي الوحدوي والنهضوي، وفقاً للمشروع الناصري القومي التقدمي الذي أثبتت الأيام والأعوام انه السبيل القويم للنهوض والتجدد واللحاق بموكب العصر، والرافعة الجامعة المؤهلة لانتشال أمة العرب من مستنقع الانحطاط والمذلة والهوان الذي ترسف فيه هذا الأوان.
أسباب احتجاب “المجد” ما زالت قائمة يتداخل فيها الخاص بالعام، والمادي بالمعنوي، والحميّة والإقدام بالتثبيط والاحباط، وهو الأمر الذي يطول طرحه وشرحه.. غير ان عدداً من القراء الأعزاء، وبينهم زملاء كرام سبق ان اسهموا بالكتابة والتحرير في هذه الجريدة، قد اقترحوا علينا انهاء غربة ” المجد” وغيابها، عبر إعادة تفعيل موقعها على شاشات الانترنت حتى آخر أعدادها الصادر يوم ٢٠٢٤/١٢/٧ ، ولو دون تحمل مشاق استئناف إصداراتها مجدداً.
وفي معرض تسويغهم لهذا الاقتراح، تعلل هؤلاء الزملاء والأصدقاء بالقول، ان من حق “المجد” المبدئية والملتزمة بالفكر القومي والتجربة الناصرية، ان تتبوأ مكانة متميزة في تاريخ الصحافة العربية الشريفة، وان تفتح أرشيفها الثري أمام كل قارئ يرغب في الرجوع اليه كلما لزمه ذلك، سيما وان هذا الارشيف – الممتد لأعوام عديدة – يحتوي على ما يقارب الكنوز من الوقائع والمواقف والأحداث والطروحات والمعلومات والمقالات التي دبّجها كبار المفكرين والمناضلين العرب.
وعليه،، ها نحن نلبي مطلبهم الأخوي الحميم بقطع غربة هذه الجريدة، وإعادة إضاءة موقعها على صفحات الانترنت.. ربما كخطوة اولى لمعاودة اصداراتها في قادمات الأيام، ان امتد بنا العمر، وشاء العزيز الحكيم.
ان العودة إلى الأرشيف ليست رحلة في الماضي، بل هي إنعاش للذاكرة التي تؤكد لنا أن الحقيقة لا تموت، وأن المقال الذي كُتب بشرف قبل عشرين عاماً ما زال قادراً على أن يضيء حتى اليوم.. ذلك لان كل عنوان وكل توقيع ورد في زاوية من هذه الصحيفة هو شاهد على زمنٍ لم يُمحَ، بل ينتظر من يعيد إليه الحياة.
ولأن ” المجد” لم تكن صحيفة عابرة، بل منبراّ ناصرياً ثابتاً وملتزماً بالفكر القومي الوحدوي النهضوي، فإن أرشيفها يُشكّل شهادة على تجربة متميزة وسيرة نضالية صعبة، وعلى صحافة عربية شريفة قاومت الانحطاط والاستسلام والتبعية، وأثبتت أن الكلمة الحرة لا تموت، وأن الصحافة التي كُتبت بضمير وطني عصية على النسيان.



