الحوثيون اليمنيون يفتحون جبهة جديدة في الحرب ضد إسرائيل
بقلم: توفيق المديني

لا تزال جبهة الحرب الأولى والأكثر شراسة هي غزة حيث تتصدى المقاومة الفلسطينية بقيادة حماس للعدو الصهيوني ، الذي يشن جيشه عدوانًا وحشيًا وبربريًا ضد الشعب الفلسطيني في القطاع منذ أكثر من شهر نصف، من دون أن يحقق أي اختراق استراتيجي على صعيد هذه الجبهة، لا سيما أنَّ المقاومة صامدة في مواجهة الهجوم البري ، وتكبد العدو خسائر كبيرة في المعدات العسكرية، وقتل الجنود والضباط الصهاينة.
فقد ارتفع عدد قتلى الجيش الصهيوني المعلن رسميا إلى 70 منذ بداية الهجوم البري الإسرائيلي في قطاع غزة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وإلى أكثر من 400 قتيلا منذ بدء عملية طوفان الأقصى في السابع من الشهر عينه.
واستشهد منذ بدء العدوان على قطاع غزة 14128 مواطنًا فلسطينيًا بينهم 5840 طفلا و3920 سيدة، فيما وصل عدد المصابين إلى أكثر من 33000، فضلاً عن عدد كبير من المفقودين وصل إلى 6800 مفقود منهم 4500 طفل لا يزالون تحت الأنقاض أو في شوارع غزة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية
أما الجبهة الثانية للحرب ،فهي جبهة الشمال،حيث يواصل مقاتلو حزب الله اللبناني إطلاق عدد من الصواريخ المضادة للدبابات وقذائف الهاون على شمال فلسطين المحتلة، وحافظ حزب الله على مستوى معين من حرب الاستنزاف التي يشنهاعلى الحدود اللبنانية، ولكن من دون أن تتحول إلى حرب إقليمية. فقد استشهد أكثر من 70 من مقاتلي حزب الله و10 مدنيين لبنانيين، كما أنه قُتل 10 أشخاص، من بينهم سبعة جنود إسرائيليين، على طول الحدود في الشهر الماضي، وهو أعنف تصاعد في القتال منذالحرب الأخيرة بين حزب الله و”إسرائيل “عام 2006 التي أدَّتْ لمقتل 1200 لبناني و165 جنديًا إسرائيليًا ،وتركت مناطق واسعة من الجنوب مدمرة.
غير أنَّ جبهة الحرب الثالثة ضد العدو الصهيوني، فقد جاءت من العمق، وكان من أبرز مظاهرها إطلاق صواريخ مضادة للطائرات من اليمن إلى “إسرائيل”، وصواريخ كروز وإرسال طائرات مسيرة.وبعد اعتراض القوات الأمريكية والسعودية عمليات إطلاق مماثلة، فقد قام الحوثيون بتغيير مسارات طيران الطائرات المسيرة، واضطرت إسرائيل إلى التعامل معها.
الحوثيون وفتح جبهة أخرى في البحر الأحمر
في سياق تصاعد الهجمات التي تنفذها فصائل محور المقاومة المناهضة للإمبريالية الأمريكية و الكيان الصهيوني في المنطقة العربية ، قامت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) يوم الأحد الماضي ، باحتجاز السفينة التجارية الإسرائيلية “غالاكسي ليدر”، التي تعود لرجل الأعمال الإسرائيلي أبراهام رامي أونغار، بالقرب من جزيرة كمران، وذلك بعد ساعات على بيان لها بأنها سوف تستهدف جميع السفن التي تملكها أو تشغلها شركات إسرائيلية.
وفي بيان تلاه المتحدّث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع، جدّدت القوات الحوثية تحذيرها لجميع السفن “التابعة للعدو الإسرائيلي، أو التي تتعامل معه، بأنها ستصبح “هدفاً مشروعاً” لقواتها المسلحة، وأهابت “بكل الدول التي يعمل رعاياها في البحر الأحمر بالابتعاد عن أي عمل أو نشاط مع السفن الإسرائيلية أو السفن المملوكة لإسرائيليين”.
ولفت البيان إلى “الاستمرار في تنفيذ العمليات العسكرية ضد العدو الإسرائيلي حتى يتوقف العدوان على قطاع غزة والجرائم بحق إخواننا الفلسطينيين”، وأضاف أن “من يهدد أمن واستقرار المنطقة والممرات الدولية هو الكيان الصهيوني”.
وتابع: “على المجتمع الدولي إذا كان حريصاً على أمن واستقرار المنطقة وعدم توسيع الصراع، أن يوقف العدوان الإسرائيلي على غزة”، مشيراً إلى أن “عمليات القوات المسلحة اليمنية لا تهدد إلا سفن كيان العدو الإسرائيلي والمملوكة لإسرائيليين”.
وأكد عضو “المجلس السياسي الأعلى” الذي تديره الجماعة، محمد علي الحوثي، أنه لا حديث عن السفينة الإسرائيلية المحتجزة لدى جماعة الحوثي قبل وقف الحرب في غزة.
وقال الحوثي في منشور على منصة “إكس” فجر أمس الثلاثاء: “إذا أوقفت وكفّت أميركا وإسرائيل عن قتل الفلسطينيين في غزة وأدخلت الماء والدواء والغذاء، فعندها يمكن لها الحديث عن السفينة الإسرائيلية”. وأضاف الحوثي أن “ما قامت به البحرية (اليمنية) يتفق مع مبدأ التعامل بالمثل”.
وقال الحوثي في منشور آخر: “إنَّ قواتنا البحرية اليمنية قوة دفاعية ضد بوارج العدوان، ولا تهدد إلا سفن الكيان الإسرائيلي والمملوكة لإسرائيليين… بفضل الله تعالى خمسة أيام كانت كافيةً لقواتنا البحرية اليمنية للظفر بأول سفينة إسرائيلية”.
وكانت رئاسة الوزراء الإسرائيلية قد وصفت العملية بأنَّها “عملٌ إرهابيٌ إيرانيٌ”، مدينةً بشدَّةٍ “الهجوم الإيراني على سفينة دولية”. وأشارت إلى أنَّ اختطاف السفينة سيخلق تداعيات دولية تتعلق بأمن ممرات الملاحة العالمية.
وفي مقال نشرته صحيفة “معاريف” الصهيونية، قال البروفيسور حوريف شاؤول، نائب قائد البحرية الإسرائيلية سابقا: “بما أنَّ إسرائيل تحاول احتواء ما يجري على الجبهة الشمالية حتى لا تضر بالمجهود الرئيسي في قطاع غزة، فإنَّ من المرجح أن تكون هذه هي الاستراتيجية أيضا في التعامل مع هذا التهديد، ولكنَّ من المرجح أن يكون هذا التهديد موجودًا، وما زال من المتوقع أن يرافق إسرائيل حتى بعد انتهاء القتال”.
واستدرك بأنَّ “من المناسب لإسرائيل أن تضع سياسة واستراتيجية للتعامل مع هذا التهديد، ويجب أن نأخذ في الاعتبار من بين أمور أخرى، الخصائص الجيواستراتيجية الفريدة للبحر الأحمر، مثل أن الدخول إليه والخروج منه يتم من خلال المضيقين (باب المندب وقناة السويس )، ما يسمح بالتحكم في الملاحة”.
وأشار شاؤول إلى أنَّه “من الناحية الاقتصادية، سنشهد تحول مركز الثقل الاقتصادي العالمي إلى دول شرق آسيا، ما أدى إلى زيادة التجارة الإسرائيلية مع هذه الدول، لتصل إلى نحو 25% من وارداتها، والصادرات من وإلى إسرائيل”.
واستطرد بأنه “في الأعوام 2019- 2021، أدخل الجيش الإسرائيلي المجال البحري في حملة نزع السلاح النووي الإيراني، وهو ما تجلى في الأضرار التي لحقت بالناقلات الإيرانية التي كانت تنقل الوقود إلى سوريا، لكن ثبت أن هذه الخطوة كانت خاطئة، ولم تسفر عن الإنجاز الاستراتيجي المنشود، وهذا بدوره دفع إيران وحرسها الثوري إلى تطوير وسائل الرد في المجال البحري، بين عامي 2019 و2022 “.
وأوضح أنَّ “الحرس الثوري الإيراني هاجم ست سفن لها علاقات مع إسرائيل، في خليج عمان وبحر العرب، في البداية عن طريق زرع ألغام سطحية ثم باستخدام الغواصات المسلحة، ووقعت الحادثة الأخطر في يوليو 2021”. وهذا هو الأسلوب الذي اعتمده الحوثيون فيما بعد لمهاجمة السفن البحرية السعودية آنذاك، واليوم ضدَّ “إسرائيل”.
إسرائيل مصدر تهديد لأمن البحر الأحمر
دأبت أجهزة الإعلام العربية المدافعة عن سياسة التطبيع عن الحديث إنَّ الهجمات الحوثية ضد الكيان الصهيوني ستكون لها انعكاسات خطيرة على أمن البحر الأحمر، فالقرصنة الصومالية أوقفت التنمية في جنوب البحر الأحمر لثلاثين عاماً.غير أنَّ الحوثيين أكَّدُوا إنَّهم يستهدفون السفن الإسرائيلية فقط، وأنَّ عملياتهم لن تستهدف دولاً أخرى، وبهذا طمأن الحوثيون المجتمع الدولي بشأن المخاوف الدولية في واحد من أهم الممرات العالمية الذي ينقل نفط الخليج والرابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
يشكل تهديد الأمن القومي العربي عامة و الأمن المصري خاصة ، محورًا إستراتيجيًا في السياسة الخارجية الصهيونية، لذا دأب الكيان الصهيوني على تعزيز علاقاته الثنائية والأمنية مع دول شرق إفريقيا,، لاسيما أثيوبيا،وكينيا،وأوغندا،و إريتريا،وجيبوتي،من أجل تحقيق هذا الهدف. و كان الكيان الصهيوني يستهدف من خلال هذا التحرك و لا يزال تحقيق السيطرة الإستراتيجية على مضيق باب المندب الذي يعتبره منفذًا حيويًا لتحركاته الملاحية من و إلى آسيا و إفريقيا حتى يضمن مصالحه الإقتصادية و التجارية.
إضافة إلى ذالك،تستهدف الإستراتيجية الأمنية الصهيونية تهديد أمن الدول العربية المعتمدة على مياه نهر النيل و هما مصر و السودان بالدرجة الأولى ،والحال هذه تمثل دول حوض النيل إحدى المصالح الأمنية الكبرى للكيان الصهيوني. فإستراتيجية الكيان الصهيوني تتمحور حول الإلتفاف حول هذه الدول (إثيوبيا،وأوغندا،وكينيا،ورواندا،والكونغوالديمقراطية،وإريتريا).
ويعَدُّ البحر الأحمر للكيان الصهيوني المنفذ البحري الجنوبي له والرابط الأساسي بين التجارة الراغبة في الوصول إلى ما بين البحر المتوسط والمحيط الهندي وبحر العرب، ولهذا فإنَّ فتح الحوثيين جبهة جديد في الحرب ضد الكيان الصهيوني في منطقة البحر الأحمر يشكل تهديداً حقيقياً عليه، ويرجّح أن الكيان الصهيوني سيلجأ في المستقبل لاستخدام سفن شحن أجنبية للحد من هجمات الحوثيين، وستزداد تكلفة التأمين البحري.
ويصل المضيق البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وهو الشريان الأساسي لتوريدات نفط الخليج إلى أوروبا. وبسبب حرب اليمن وتهديدات جماعة الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر، واجه قطاع الشحن البحري مزيداً من التهديدات، ورفعت شركات التأمين العالمية الرسوم على البضائع والسفن المتجهة إلى اليمن.
ويقع باب المندب بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وإريتريا في أفريقيا. ومنذ افتتاح قناة السويس عام 1869 وربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، تحوّل باب المندب إلى واحد من أهم ممرات النقل والمعابر البحرية بين أوروبا وحوض البحر المتوسط، وعالم المحيط الهندي وشرق أفريقيا.
وتقول شبكة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تقرير سابق لها، إن 21 ألف قطعة بحرية تمر عبر هذا المضيق سنوياً أي حوالي 57 قطعة بحرية يومياً. ويتمتع المضيق بأهمية عسكرية وأمنية كبيرة وسبق أن أغلقته مصر أمام إسرائيل خلال حرب 1973 وإثر هجمات سبتمبر/أيلول عام 2001 في الولايات المتحدة، قامت قوة أميركية بالعمل على تأمين الملاحة في المضيق في مواجهة تنظيم القاعدة والقراصنة في المنطقة.
ووفقاً للقانون الدولي، فإنَّ المياه الإقليمية لأي دولة عادة تمتد من ساحلها 12 ميلا بحريا (حوالي 22 كيلومتراً) إلى داخل المياه. وبهذا يكون مضيق باب المندب واقعا ضمن المياه الإقليمية لثلاث دول، هي اليمن وجيبوتي وإريتريا، حيث يبلغ عرضه حوالي 30 كيلومترا بين رأس باب المندب شرقا ورأس سيان غربا، وفق إذاعة صوت ألمانيا (دويتشه فيليه).
خاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:
يعتقد الخبراء و المحللون في المنطقة، أنَّه إذا تطورت حرب الحوثيين ضد الكيان الصهيوني، فإنَّ الردَّ الغربي سوف يكون عبر تشكيل تحالف أمريكي-بريطاني-إسرائيلي في البحر الأحمر للحدِّ من الهجمات الحوثية، الأمر الذي قد يعسكر البحر الأحمر الذي يشهد نشاطاً عسكرياً مكثفاً.غير أنَّ “إسرائيل” والقوى الغربية وفي طليعتها أمريكا،تحاول في الوقت الحاضر تجنب المواجهة والتصعيد مع جماعة الحوثيين، وتحمّل إيران المسؤولية عن العواقب الأمنية المتصاعدة في البحر الأحمر، رغم يقينهم أنَّ إيران لا تريد الدخول في الحرب مباشرة ،بل إِنَّها تطالب بالوقف الفوري لهذه الحرب الأمريكية-الصهيونية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني.
ومع ذلك تمارس إيران حرب الاستنزاف ضد أمريكا و”إسرائيل “من خلال فصائل المقاومة المرتبطة بها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وفي مقدمتها جهود الاستنزاف التي يبذلها حزب الله على الحدود اللبنانية، ولكن من دون أن تتحول إلى حرب إقليمية.
كما تشهد القوات الأمريكية في العراق وسوريا، منذ منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، هجمات شبه يومية بصواريخ أحادية الاتجاه وطائرات مسيرة، وتشير بيانات البنتاغون إلى تنفيذ أكثر من 60 هجومًا.وأوضحت صحيفة “واشنطن بوست” أنَّه حتى الآن، سمح بايدن بثلاث سلاسل من الضربات الجوية المحدودة في شرق سوريا، استهدفت مستودعات الأسلحة ومنشآت التدريب التابعة للحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية الموالية لإيران.
ويشعر كبار المسؤولين في البنتاغون بالقلق من السياسة الأمريكية الحالية غير الفاعلة، ويخشون أنَّه في غياب ردٍّ أكثر حسمًا، فيمكن أن تتصاعد الأحداث إلى خسائر بشرية،وهناك قلق عام في واشنطن هو أنَّ الوضع قد يتدهور إلى مواجهةٍ عسكريةٍ مباشرةٍ بين الولايات المتحدة وإيران.


