اقتحام مستشفى الشفاء، نموذج للفشل الاسرائيلي

بقلم: حسام عبد الكريم*

ضجة كبيرة اثارتها “اسرائيل” بخصوص مستشفى الشفاء في غزة. تضخيم وتهويل وضخ اعلامي ودعائي لم يتوقف منذ اسابيع ساهمت فيه جميع المنافذ الاعلامية لحكومة وجيش وصحافة الاحتلال على مدى اسبوعين. وانضمت الادارة الامريكية والصحافة الامريكية النافذة الى الحملة الاسرائيلية. خلاصة ما قالوه ان القيادة العليا لحركة حماس في غزة, تتخذ من مجمع ومستشفى الشفاء الطبي مقرها الرئيسي لادارة العمليات والسيطرة والتخطيط والاجتماعات, وان كتائب القسام تقوم بتخزين الاسلحة والصواريخ ومنصات الاطلاق في أماكن داخل حرم المستشفى, وأن جيشاً من المقاتلين يتمترسون في قواعد تحت الارض وغرف محصنة وانفاق. وقالوا انه من المرجح ان يكون عدد كبير من الأسرى الاسرائيليين موجودين في أماكن احتجاز خاصة في المستشفى. تهويل شديد انخرطت فيه المؤسسة السياسية والعسكرية الاسرائيلية بكل طاقتها وأشركت فيه الدبلوماسية الاسرائيلية التي راحت تعمل بلا توقف لايصال رسالة الى داعمي “اسرائيل” في الغرب بأن حماس “الشريرة” تستخدم المدنيين والمنشآت الطبية في غزة, وأهمها مستشفى الشفاء, كدروع ومتاريس بشرية. قدّمت “اسرائيل” ما قالت انه أدلة استخباراتية على مزاعمها. صور ومخططات ورسومات لمقرات كتائب القسام تحت الارض في مجمع الشفاء وتفاصيل عن التحصينات وغرف الاجتماعات والمداخل والمخارج, وكأنّ كل شيء معروف وواضح لها رؤي العين. وبلغ الغرور الاسرائيلي والغطرسة لدرجة ان الجيش الاسرائيلي اعلن أن جنوده المهاجمين “يعرفون تماماً ما الذي سيجدونه داخل واسفل مستشفى الشفاء”! الحملة الكبيرة التي سبقت الهجوم على مستشفى الشفاء أثارت جواً من التوقعات العالية داخل مجتمع الكيان الاسرائيلي حتى صارت الصحافة تتوقع الوصول الى قيادات الصف الاول في حماس ووضع اليد على مخزون حماس الاستراتيجي من الاسلحة وكنز من المعلومات الاستخبارية عن بنية كتائب القسام التنظيمية. ووصل الامر بالبعض في “اسرائيل” الى حد اعتبار ان السيطرة على مستشفى الشفاء ستكون ضربة قاصمة لحماس ومفصلاً في الحرب. كان الامر اذن يستحق “الإزعاج” الدبلوماسي والسياسي العالمي الذي ستتعرض له “اسرائيل” من جراء هجوم جيشها على اكبر منشأة طبية في قطاع غزة, فالـ “غنيمة” المنتظرة تستاهل !
وعلى قدر ما كانت الآمال كبيرة كانت الخيبة أكبر!
نتائج هجوم الجيش على المستشفى والاقتحام والتفتيش الذي أجراه كانت هزيلة الى أقصى حد, وباعترافهم هم. بل يمكن اعتبار هذه العملية واحدة من أكبر العمليات الفاشلة التي قام بها الجيش الاسرائيلي في العقد الاخير. لم يجدوا شيئا, لا اسلحة ولا مخازن صواريخ ولا مقرات قيادة, ولا شيء. قالوا انهم قتلوا خمسة مقاتلين من حماس ليس داخل المستشفى بل حواليه. واعتقلوا شخصين فقط. ولكي يغطوا على فشلهم قاموا بعرض ما قالوا انه اسلحة عثروا عليها في المستشفى على الاعلام : عشرة رشاشات وثلاث سترات واقية ومسدس وبسطار. وظهر الناطق الاعلامي باسم الجيش وهو يداري حرجة الشديد من جراء تلك الحصيلة الهزيلة.

الأمر كله بدا كالمهزلة: لا قيادات لحماس ولا مخازن عبوات ناسفة ولا قذائف ولا مسيرات ولا اجهزة تحكم ولا حواسيب. والأهم من ذلك : لا مقاتلين من حماس . لم تحصل اشتباكات داخل المستشفى ولا كمائن ولا تفجير ألغام. وعجز الجيش عن العثور على أنفاق وغرف اجتماعات ومقرات عسكرية. وطبعاً لا أسرى اسرائيليين ولا حتى آثار تدل عليهم. ما ظهر للعالم كله هو هجوم جيش مدجج بالاسلحة على مستشفى به مرضى وطواقم طبية لا غير. صحيفة جيروزاليم بوست لم تستطع اخفاء خيبة أملها ونشرت تقريراً مطولاً تسائلت فيه : أين اختفت حماس , هل تبخّرت؟!
أما من جانب المقاومة فالأمر كان نجاحاً عظيما في ميدان المواجهة وإدارة العمليات. قرار عدم التصدي لقوات الاحتلال في المستشفى كان صائباً تماما وحكيماً وأدى لظهور جيش الاحتلال بذلك المنظر البائس, عدا عن تجنيب شعب المقاومة واهل غزة والمستشفى والطاقم الطبي الشجاع ويلات القتال بين أسرّة المرضى وغرف العمليات. قرار قيادة حماس ينم عن وعي وحس وطني وكفاءة منقطعة النظير في ادارة المعارك والاستعداد لها.
يضاف اقتحام مستشفى الشفاء الى سلسلة الانتصارات الوهمية لجيش الاحتلال في غزة. اقتحام المركز التشريعي والتقاط الصور التذكارية داخله, واقتحام مقر حكومة غزة ورفع العلم الاسرائيلي فيه, تفجير بيوت قادة حماس. انتصارات اعلامية لرفع معنويات مستوطنيهم.
وختاما نشير الى ما يردده الاعلام الاسرائيلي والغربي كثيرا عن ان حماس تعمل من بين المدنيين ووسط السكان وفي المدن والمخيمات, فنقول: حتى لو فرضنا ان ذلك ما تقوم به المقاومة فعلاً فليس عيباً ولا تلام عليه. فحماس جزء من الشعب, ومقاتلوها ابناء غزة واهلها. والمقاومة ليست جيشاً نظامياً بمعسكراته ومقرّاته. وقطاع غزة كله منطقة مكشوفة تماماً للعدو وليس به تضاريس طبيعية تساعد المقاومة. فهل يُنتظر منها ان تُجمّع مقاتليها في ميادين وساحات ومعسكرات مكشوفة خارج المدن ؟! هل هذا معقول من حركة مقاومة وطنية تواجه عدوا مدججا بأحدث الاسلحة؟! المقاومة من الشعب وإليه , والسكان هم حاضنتها واهلها وحُماتها, وسيبقى الحال كذلك. ولا تلام المقاومة على إجرام العدو وهمجيته. وفي النهاية: الشعب الفلسطيني لم يختر أن يكون تحت الاحتلال وليس له من خيار سوى المقاومة او الفناء. الشهداء ضريبة يدفعها الشعب في سبيل الخلاص والتحرر من الاحتلال, ذلك حصل في الجزائر وفييتنام, وسيحصل في فلسطين ايضا مهما طال الزمان.

*كاتب من الاردن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى