على هامش وعد بلفور
بقلم: د، موسى الحمداني/ لندن

في مثل هذه الأيام من عام ١٩١٧، والحرب العالمية الاولى لا تزال تدور رحاها، صدر ”الوعد“ المشئوم الذي أصدره وزير الخارجية البريطانية اللورد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. كانت الحكومة البريطانية قد عقدت العزم و استقر قرارها على الاستجابة للمطالب الصهيونية قبل ذلك بأشهر، منذ شهر حزيران بالتحديد.
ظهرت الحركة الصهيونية كحركة قوية في أوروبا في القرن التاسع عشر و كان الصحفي هرتزل قطباً أساسياً فيها و كان مُنَظِما لمؤتمرها الأول في بازل في سويسرا سنة ١٨٩٧. كانت كراهية اليهود شائعة بين الشعوب الأوروبية عموماً لكنها كانت أكثر انتشاراً بين شعوب شرق القارة، خاصةً في روسيا. و كنوع من رد الفعل، ظهرت في بريطانيا و في دول أوروبية أخرى، قطاعات من الشعب من ذوي الميول الليبرالية تدافع عن اليهود و تتودد إليهم و تبالغ في وصف محاسنهم و الإطراء عليهم. تمكن اليهود من أستثمار تلك المعاداة للسامية و ما رافقها من إفراط في التودد من قِبَل الليبراليين، لتحقيق مكاسب اجتماعية و ميزات وظيفية مكنتهم من إحكام قبضتهم على المؤسسات الصحفية و المالية. تنامى نشاط الحركة الصهيونية بعد مؤتمرها الأول و ازدادت مطالبتها في إقامة دولة خاصة باليهود في فلسطين كخيار أول. من الخيارات الأخرى التي كانت مطروحة: مناطق في شرق افريقيا، مثل أوغندا و كينيا و قبرص و المنطقة المجاورة للعريش في سيناء و شبه جزيرة القرم و الارجنتين. من بين هذه الخيارات الثانوية كان الخيار الافريقي الأكثر قبولاً و يحظى بقبول هرتزل شخصياً. في المؤتمر الصهيوني السابع الذي عقد سنة ١٩٠٥ (بعد وفاة هرتزل) أُسقطت كل تلك الخيارات و بقيت فلسطين كخيار نهائي. وجود خيارات متعددة أمام الحركة الصهيونية يضع علامات استفهام على اهمية العامل الديني في إقامة إسرائيل فيبدوا آنه كان عاملاً ثانوياً جداً خاصة أن نسبة عالية من اليهود الصهاينة كانوا (و لا زالوا) ملحدين و لا يؤمنون بأديان و لا كتب سماوية.
قام هرتزل بعدة زيارات لإستانبول و قابل عدداً من المسئولين كما قابل السلطان عبد الحميد شخصياً و تفاوض معه بشأن فلسطين و عرض علية أن تدفع المؤسسات البنكية اليهودية مبلغ ٢٠٦ مليون استرليني لمساعدة الامبراطورية في تسديد ديونها. قوبل ذلك العرض برفض السلطان الذي اقترح على هرتزل أن يعطيهم مقابل ذلك المبلغ مناطق في بلاد ما بين النهرين، و هو ما رفضه هرتزل. و هكذا فشلت المفاوضات و عاد هرتزل خالي الوفاض باستثناء ”المدالية المجيدية” التي أسبغها عليه السلطان. قيل الكثير و كتب الكثير عن تفاصيل لقاء هرتزل مع السلطان و لكن لا توجد أدلة على صحة ما ذُكِر و نُسِب اليهما من أقوال و التي غالباً لا تزيد عن كونها من نسج الخيال. كما أنه شاع في الانترنت مقطع فيديو عن تلك الزيارة، وهو مقطع زائف و مأخوذ من فلم ”اليهودي المتجول“ عن حياة هرتزل و الذي تم انتاجه عام ١٩٢١، أي سنين عديدة بعد وفاة الرجلين، و كل الشخصيات التي ظهرت في الفلم قام بأدوارها ممثلون
بريطانيا ابدت تفهماً لمطالب الحركة الصهيونية منذ بدأت الحركة إتصالاتها مع المسئولين الانجليز في القرن التاسع عشر. بعد إشتعال الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ شرعت الحكومة البريطانية في بحث مستقبل المناطق الواقعة تحت السيطرة العثمانية، بما فيها فلسطين. كانت محادثات سايكس بيكو تجري بغطاء من السرية بين بريطانيا و فرنسا منذ سنة ١٩١٥ و كانت روسيا شريكة في تلك المباحثات لكنها انسحبت منها كما انسحبت من الحرب بعد قيام الثورة البلشفية سنة ١٩١٧. كان الثوار الروس هم الذين كشفوا أمر محادثات سايكس بيكو للعالم.
سنة ١٩١٧ شهدت اضطرابات سياسية شديدة في روسيا نتج عنها الانسحاب نهائياً من الحرب مما جعل كفة المانيا راجحة على دول الوفاق. أدركت بريطانيا أنه لا أمل لها في الانتصار من غير مشاركة أمريكا في الحرب. و هكذا أوعزت لليهود، الذين كان لهم نفوذ قوي في أمريكا، لإقناع الحكومة لإعلان الحرب، و هو ما حصل فعلاً و استسلمت المانيا بعد دخول أمريكا بشهور و قبل انخراط القوات الامريكية في أي قتال فعلي، و انتهت الحرب في نوفمبر ١٩١٨. كان توقيت وعد بلفور نوع من المقايضة السياسية بين الحكومة البريطانية و الحركة الصهيونية بإقامة إسرائيل مقابل ضغطهم على أمريكا لدخول الحرب. كانت النوايا البريطانية تتم بالتنسيق مع أمريكا و مباركتها و كان التحفظ الوحيد للرئيس ويلسون آنذاك يقتصر على توقيت الإعلان، فقد كان يفضل أن يكون بعد نهاية الحرب. كانت أمريكا أول من أعترف “عملياً” بإسرائيل فور إعلانها.
كانت الحكومة البريطانية قد اتخذت القرار بالموافقة على مطالب اليهود منذ شهر حزيران ١٩١٧و طلبت من المنظمة الصهيونية تقديم مسودة لما عرف فيما بعد بإعلان بلفور. عكف المختصون القانونيون في المنظمة الصهيونية على العمل فوراً و جاءت المسودة مكتوبة بإسهاب على صفحتين بوضوح و دقة قانونية لا غبار عليها. عندما وصلت المسودة للمختصين في وزارة الخارجية البريطانية رُفِضَتْ فوراً، لا لعيب فيها و لكن لأنه لا عيب فيها! كانت المسودة واضحة تماماً و لا تتماشى مع أسلوب المراوغة الذي تدير به بريطانيا امبراطوريتها. قامت الدائرة المختصة في الحكومة البريطانية بإعادة صياغة الاعلان باختصار شديد و غموض أشد و جعلته يتماشى مع التقاليد البريطانية بأن تكون نوايا الحكومة مبهمة و مفتوحة لكل التفسيرات. و إمعاناً في التمويه جاء الإعلان على شكل رسالة موجهة من وزير الخارجية اللورد بلفور للمليونير المعروف اللورد روثتشيلد. كانت بريطانيا في نفس الوقت قد و عدت العرب في مساعدتهم في تحقيق حلمهم بإقامة دولة عربية مستقلة عن الدولة العثمانية. كانت بريطانيا تعطي و عوداً بسخاء ثم تنتظر لترى بأي إتجاه ستهب الريح.
في تلك الرسالة المشؤومة تعمدت بريطانيا عدم الإشارة إلى إقامة ”دولة“ لليهود و استعملت مقابلها تعبيراً جديداً و هو ”وطن قومي“ كما أنها تعمدت أن لا يكون فيها أي ”وعد“ مُلزم للحكومة البريطانية و ذلك باستعمالها تعبير ”نظرة تعاطف“ ثم أضافت العبارة المعروفة المتعلقة ”بالمحافظة على الحقوق المدنية و الدينية للسكان المحليين“ لامتصاص غضب العرب. لكن الصحف اليهودية في بريطانيا و العالم شرعت فوراً في التحدث عن ”دولة“ لليهود و اعتبرت الرسالة ”وعداً“ مُلزماً، بل شبهته بعض الصحف بوعد الرب لليهود بالعودة لفلسطين. و علامة أخرى من علامات التمويه المتعمدة في رسالة بلفور ظهرت في أستعمال كلمة ”في“ فلسطين للتلميح بأن الوطن القومي قد لا يشمل بالضرورة فلسطين كلها. بعد احتلالها لفلسطين حاولت بريطانيا طمأنة العرب بإعلان أنها ستسمح لليهود بإقامة مستعمرات في مناطق محددة فقط و أنها مثلاً لن تسمح بإقامة مستعمرات شرق النهر (كان التعريف الجغرافي لفلسطين هو المنطقة الواقعة من البحر و حتى حدود العراق و التي كان نهر الاردن يقسمها إلى ضفتين: غربية و شرقية، أي أن ما يعرف الآن بالأردن كان الضفة الشرقية من فلسطين).
كانت رسالة بلفور الى روتشيلد أكثر رسائل التاريخ بغياً و طغياناً و تحمل بين سطورها أعنف درجات التعسف و الإجحاف بحق شعب مسالم. إعلان بلفور يتنافى مع الاخلاق البشرية و الاعراف الدولية حتى لو صدر في عصور الظلام فما بالك في عصر التنوير و من دول مهووسة بالديمقراطية و حقوق الانسان؟ لا يوجد شعب في العالم يرضى بأن يُسلب منه وطنه و يُعطى لقوم آخرين، فكيف يتوقع العالم من الفلسطينيين قبول ما ترفضه سائر الشعوب؟ وصفه عبدالناصر بدقة عندما قال ”أعطى من لا يملك وعداً لمن لا يستحق“ و استنكر ما فيه من ظلم لأهل فلسطين عندما أشار إلى أنه على مر التاريخ كانت الشعوب تتعرض للعدوان و القهر لكنها كانت دائماً تبقى في أوطانها ثم يزول العدوان و ينتهي القهر – الا في فلسطين!
عندما صدر إعلان بلفور لم يكن للعرب دول مستقلة لكنهم كشعوب و منظمات سياسية استنكروا الاعلان و انتفض الفلسطينيون بقوة لمقاومة الاستيطان الاسرائيلي. لكننا اليوم نعيش عصراً آخر، فقد أصبح للعرب و المسلمين عشرات الدول المستقلة و شاخ الاسد البريطاني و انهالت أسنانه و أخذت الدولة العجوز تعتذر للقاصي و الداني عن ماضيها الاستعماري العنصري – إلا وعد بلفور مع أنه كان أفظع جرائمها و أقذرها. و إمعاناً في الأذى و الإهانة لا تزال الحكومة البريطانية تصر على الافتخار بدورها في إنشاء إسرائيل! و ها هي اليوم تقف مع إسرائيل و تتكلم عن القضية و كأن شيئاً لا يعنيها!



