إضاءة تاريخية.. غزة وجذور القضية الفلسطينية

بقلم: خليل البخاري/ المغرب

 

إن ما يقع الآن من مذابح و مآسي ومجازر يومية بقطاع غزة و الضفة الغربية وبكل أماكن من فلسطين المحتلة على أيدي الجيش الإسرائيلي المتغطرس، وبتواطؤ مع الولايات المتحدة الأمريكية وبعض بلدان أوربا ، وأمام صمت غريب من البلدان العربية والإسلامية، .هذا التواطؤ الأمريكي والاوربي وخاصة بريطانيا ليس بجديد . فالتاريخ يوثق للوعود المزيفة التي قدمتها انجلترا وفرنسا للعرب قبل بداية الحرب العالمية الأولى.
لقد خرج العرب من الحرب العالمية الأولى والسنين الثلات التي تلتها وقد خدعهم الحلفاء وجزأتهم معاهدة سايكس بيكو (سايكس ممثل انجلترا وبيكو ممثل فرنسا) 1916 وقسمت ديارهم إلى مناطق استعمار وآنتداب mandat ونفوذ بين الحلفاء المناصرين..كما ساهم وعد بلفور المشؤوم 1917 في فلسطين في إقامة وطن قومي لليهود بفلسطين..وأطاح الفرنسيون بحكم الملك فيصل في دمشق 1920التي كان الشريف حسين وعبد الله يسعيان لسوريا الكبرى على أقل تقدير ولكنه نطام عالمي استعماري في حينه مكن اليهود من السيطرة على مراكز القرار. هذا ما جعل العرب وعلى الأخص بلدان الهلال الخصيب croissant fertile(العراق، سوريا لبنان..) في وضع ذهول ومرارة ونكران وعدم تصديق لما حدث، وبصورة تشبه الذهول والمرارة التي أصابت العرب بعد نكبة فلسطين أي منذ الإعلان عن قيام دولة إسرائيل1948 والتي ساهم في تأسيسها الانتداب البريطاني من 1920 إلى حدود1947هذا الانتداب الغاشم غير الوضع الاقتصادي والعقاري والديمغرافي بفلسطين.
لقد عاتي العرب الفلسطينيين منذ سنين طويلة من ظلم الحكم التركي الغاشم ومن سياسة التتريك التي أقصت مساهمة العرب في دواليب الإدارة وأعطت الاولوية للعنصر التركي في تقلد المناصب الإدارية.
لقد لعبت السياسة الإستعمارية على حلم الوحدة والتحرر من بقايا الحكم العثماني. وهو لم يكن خلافة بأي صورة وان هناك صورة للمليحة في إسطنبول لكن لم يكن يرافق هذه الصورة إلا القليل.
لقد آتضح لاحقا أن هذا القليل لم يكن قليلا إلى تلك الدرجة . فالرجل العجوز اي الحكم العثماني في إسطنبول مريض والإدارة على الأطراف غارقة في الفساد والظلم والتعسف الضريبي. وقد ساهم كل من لورنس وبيكو وغري وراستور..في خلق الفتن بالمنطقة العربية .
إن الإنجليز والفرنسيون في الحقيقة كانوا يعدون العدة لتقسيم المنطقة وزرع اليهود ومنحهم أرض عربية إسلامية مقابل دعم الحركة الصهيونية وجعلها مؤثر على صاحب القرار الأمريكي خاصة وأن اليهود كلن لهم تأثير كبير في هذه المرحلة التاريخية والكل يتطلع للمشاركة في تركة الرجل المريض واحتلال وتقسيم هذه الأرض التي تنعم بموقع جغرافي مميز.
لقد كانت السياسة الانجليزية غاية في المكر والدهاء والخبث بالمنطقة العربية واكبر دليل هو اتفاقية حسين مكماهون (حسين ممثل العرب ومكماهون ممثل انجلترا) هذه الاتفاقية وعد فيها الانجليز بمساعدة العرب للحصول على الاستقلال من الحكم العثماني شريطة دعم الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، تلنها اتفاقية سايكس بيكو التي اتفقت فيها انجلترا وفرنسا على تقسيم المنطقة العربية بينهما وفرض نظام الانتداب.
وبالمناسبة فكتاب محمد العدواني في كتابه “خط في الرمال ولعبة الامم” يروي قصة إعطاء بريطانيا ثلاثة وعود متناقضة لثلاث جهات مختلفة وبنفس الوقت وبالسر:
.وعد مكماهون للشريف حسين بحكم دولة تشمل شبه الجزيرة العربية، سوريا، لبنان، الاردن وفلسطين والعراق بينما وعد بلفوراليهود بفلسطين، ووعد سايكس بيكو الفرنسيين بسوريا ولبنان.
لقد تضاربت المصالح إزاء التنافس والصراع بين الفرنسيين والبريطانيين من أجل السيادة في الشرق الأوسط مرورا بتكاثف نشاط العصابات الإرهابية التي كانت تلقى دعما سريا من قبل الوكالة اليهودية ضد الحكم البريطاني في فلسطين.
وصفوة القول ، ما يقع حاليا من مآسي إنسانية وتقتيل ومجازر وحشية انتقلت حتى إلى المستشفيات تتحمل فيها المسؤولية بالدرجة الأولى الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إنجلترا وينساق وراءها بقية الدول الأوربية والدول أصحاب المصالح التي ترتجف رعب من الولايات المتحدة الأمريكية. فالمتتبع لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية متذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا ، يدرك جيدا الإستقواء الأمريكي في سياسته الخارجية خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وتسيدها للعالم.
فالولايات المتحدة الأمريكية أصبحت طرفا رئيسيا في القضية الفلسطينية وشريك أساسي في كل الاتفاقات منها معاهدة السلام 1979 بين مصر واسرائيل ومعاهدة أوسلو 1993 بواشنطن.
وفي غياب حقيقي للسلطة الفلسطينية برام الله فرضت الفصائل الفلسطينية نفسها على الساعة.

والملفت للنظر هو خلال الحرب الروسية الأوكرانية، تعاطفت أمريكا وأوربا مع شعب اوكرانيا ورئيسها ومع إسرائيل. وفي المقابل يقوم الجيش الإسرائيلي بدعم أمريكي بإبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن شرعية وجوده الازلي في أرضه ضد مستعمر صهيوني غاصب ينهج سياسة الدم والحديد ،أسس دولة كينونتها من العصابات والمتطرفين والإرهابيين.
وعلى أية حال، بات من الضروري على إسرائيل وأمريكا وأوروبا وكل حلفائها، ان يعودوا إلى رشدهم بإقرار الحق الفلسطيني بإقامة دولته وعاصمتها القدس الشرقية.

 أستاذ مادة التاريخ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى