إسرائيل.. وخيار شمشون

بقلم: د. موسى الحمداني/ لندن

 

لا يختلف اثنان على أن إسرائيل تعيش في هذه الأيام أحرج أوقاتها منذ تأسيسها. الحرب على غزة قد تتوسع و تخرج عن السيطرة إلى درجة أن تجد إسرائيل نفسها مضطرة لاتخاذ خطوات في غاية الخطورة ، أو ما يعرف عند اليهود ”بخيار شمشون“. لمن لا يعرف فإن ”شمشون“ كان شخصية اسطورية فائقة القوة الجسدية و كان يعيش في غزة و عندما ضاقت به الدنيا اضطر لأن يستعمل قوته الجسدية لهدم المعبد على أعدائه، و هو داخل المعبد، مما أدى إلى إبادة الجميع.

خيار شمشون هو الخيار الأخير – الانتحار عن طريق الإبادة الجماعية. و مثل هذا النوع من الانتحار مارسه اليهود قبل نحو الفي عام عندما حاصرهم الرومان في مسادا (مسعدة) حوالي سنة ٧٠ قبل الميلاد و منه جائت مقولتهم ”لن تسقط مسادا مرةً أخرى“ و هو القسم الذي يقسمه الجندي الاسرائيلي بعد اكمال تدريباته الاساسية و بداية التحاقه بالجيش. إذا وضعنا ذلك بكلمات أخرى فإن عقيدة إسرائيل تجعل منها دولة انتحارية – إذا وجدت نفسها في الزاوية فإنها لن تتردد في إبادة الجميع.

ليس جديداً على إسرائيل محاربة غزة فقد فعلتها مرارا في السابق، و بوحشية فائقة، و طبعاً لا تزال قادرة على ممارسة وحشيتها مرة أخرى. لكن الفارق الكبير هذه المرة هو إحتمال دخول حزب اللة الحرب ( بموافقة إيران). حزب الله له قدرات قتالية أكثر من حماس و الجهاد الاسلامي كما أنه يتمتع بدعم مباشر من إيران التي ستتدخل لحمايته إذا لزم الأمر، مما قد يؤدي إلى حرب مباشرة بين الدولتين، و هو ما يثير قلق الدول الكبرى.

الدول الغربية تعتقد أن إسرائيل متفوقة عسكرياً على كل دول المنطقة بما فيها إيران و ذلك بسبب مستوى التدريب و نوعية التسليح. إلا أن إسرائيل نفسها يساورها الشك في مقدرتها على الاحتفاظ بذلك التفوق على إيران إذا دامت الحرب بعض الوقت. إسرائيل ترى في ايران خصماً مناوئاً و غريماً معادياً على الساحة الدولية و ترى فيها أيضاً عدواً لدوداً تفزع من إحتمالات مواجهته في ساحة القتال. فالجمهورية الإسلامية دولة عصامية بنت نفسها بجهودها و مستقلة تماماً و لا تتبع أحداً و لا تنتظر تعليمات من أحد. كما أنها تعتبر دولة كبرى في المنطقة و متقدمة علمياً و متطورة صناعياً و أثبتت قدراتها القتالية مراراً كما أنها قادرة و مُهيئة لدخول حرب طويلة الأمد. الأحداث في غزة صنعت أوضاعاً خطيرة و جعلت من مواجهة عسكرية بين إيران و إسرائيل أمراً محتملاً.

إسرائيل لا تزال تتبع سياسة الغموض و التمويه بالنسبة لامتلاكها أسلحة نووية لكن العالم يعرف ( من عشرات السنين ) أنها تمتلك ترسانة نووية كبيرة و متطورة و لا تقل في نوعيتها عن ما لدى الدول الكبرى. من السذاجة الاعتقاد بغير ذلك خاصة أن معظم علماء الذرة في الغرب كانوا من اليهود. لا أحد يعرف حجم ترسانة إسرائيل النووية، فمن الناحية الرسمية فهي لا تمتلك شيئاً لكن الظنون (و الله أعلم) أنها تمتلك الكثير و ربما أكثر مما تمتلكه بريطانيا و فرنسا و الصين. يضاف إلى ذلك أن إسرائيل تمتلك غواصات نووية قادرة على تدمير أي مكان في العالم، بما في ذلك حلفائها من الدول الكبرى. خيار شمشون من وجهة النظر الإسرائيلية يعني ابادة إسرائيل و العالم بكل ما فيه من حلفاء و أعداء.

كان هدف بايدن من زيارة إسرائيل هو التأكيد على مساندة الولايات المتحدة في حالة اشتعال حرب مع إيران، و أيضاً كان ذلك الهدف من زيارة رئيس الوزراء البريطاني و سيكون الهدف من زيارة الرئيس الفرنسي و التي قد تكون قريباً. الجميع يريد إسرائيل أن تطمئن و أن لا تخشى من مواجهة إيران في حرب تقليدية، إذا اقتضى الأمر.

تعامل العالم مع اسرائيل كما يتعامل الأب مع ولده المدلَّع، فهو يرى في كل مشاغباته و تجاوزاته ما يستحق أن يحمد و يشكر عليه من الجميع. عندما تصاعدت الاحداث سنة ١٩٦٧ كان الخوف أن تبدأ مصر القتال و كان هَمُّ قادة العالم الحيلولة دون وقوع ذلك و فعلاً و عدت مصر أنها لن تكون البادئة في القتال و احترمت وعدها. لكن إسرائيل لم تتردد في عدوانها و كان لها ما كان من انتصار. أما ردة الفعل العالمية خاصة في الدول الغربية فكانت مخيبة للآمال، فالجميع أبدى إعجابه ببراعة اسرائيل و تناسوا أن ما فعلته كان خرقاً للقوانين الدولية و عدواناً صارخاً و احتلالاً لأرض الغير. تكررت المواقف بعد كل تجاوز أو عدوان إسرائيلي: في سرقة قطع الاسطول الراسية في ميناء شيربورج على الساحل الفرنسي سنة ١٩٦٧، و عملية عنتيبي سنة ١٩٧٦، و قصف المفاعل الذري العراقي سنة ١٩٨١ و قصف مكاتب منظمة التحرير في تونس سنة ١٩٨٥، … و غيرها الكثير. أصبح حال إسرائيل بالنسبة للغرب كحال العميل الانجليزي الشهير جيمس بوند الذي يسهر الليالي الحمراء و يعاقر الخمر ويلعب القمار و يقتل و يكسر كل القوانين و الجمهور يستقبل كل ذلك بالتصفيق و التصفير.

من أكثر المواقف غرابة هو موقف العالم من امتلاك إسرائيل الاسلحة النووية و غيرها من أسلحة الدمار الشامل. لم ينبس أحد بكلمة بينما أقاموا الدنيا و أقعدوها تجاه البرنامج النووي الايراني و الذي ثبت أنه برنامج سلمي. لم تخضع إسرائيل للتفتيش و لا المسائلة و لم يتكلم أحد ( اللهم باستثناء الرئيس كندي، و الذي دفع حياته ثمناً – ان صدقت الظنون). الأكثر غرابة هو موقف الدول العربية التي تقبلت الوضع و كأنه لا يعنيها. حسب علمي فقد كان القذافي الوحيد بين القادة العرب الذي أثار المسألة.

لم تصنع الدول الغربية دولة أسمها إسرائيل لكنها صنعت وحشاً ضارياً إسمه إسرائيل لا تستطيع الآن التعامل معه، و قد يقلب الدنيا عليهم و على الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى