إنذار بإعدام غزة!
بقلم: د. موسى الحمداني/ لندن

جاء في الأخبار ”أن الحكومة الإسرائيلية وجَّهت إنذاراً لأهالي مدينة غزة لإخلاء مدينتهم، و أعطتهم مهلةً ٢٤ ساعة لتنفيذ تلك التعليمات تقوم بعدها بتسوية المدينة بالأرض!“
قرأت الخبر أكثر من مرة كي أتأكد من صحة فهمي لما قرأت، لكن الخبر صحيح رغم أننا نعيش في القرن الواحد و العشرين. فبعد الفظائع التي أُقترفت في الحرب العالمية الثانية و الدروس التي يفترض أننا تعلمناها منها، لا يمكن أن يخطر على بال أحد أن يشهد العالم جريمة إبادة كبرى بهذه الدرجة من الفظاعة. الفلسطينيون لا يستبعدون أي شيء من إسرائيل، و معهم كل الحق في ذلك، لكن الغرب الآن لا يسمح بتلك الدرجة من الوحشية، و لا حتى التهديد بها. قلت في نفسي لا بد أن هناك خطأ ما فعكفت أتصفح الانترنت لقراءة التنديدات الامريكية أو البريطانية فلم أجد شيئاً. كل ما وجدته تأكيدات أن إسرائيل معها ”حق الدفاع عن النفس”.
فالجريمة الوحشية إذاً تحمل توقيع و مباركة الدول الغربية التي أعطت الضوء الأخضر للعصابة الصهيونية لاقتراف فعلتها تحت ”عذر الدفاع عن النفس“، و ما أقبحه من عذر. و ربما أضافوا إليه أيضاً ”عذر حماية الديمقراطية“ أو ربما من ”أجل استتباب السلام“! فالاعذار عند الغرب دائماً خلابة و جذابة .. و يزداد بريقها كلما ازدادت فظاعة الجريمة، فتلك شيمتهم: يبتسمون و يقتلون!
كيف يكون تدمير مدينة كاملة وتشريد أهلها ”دفاعاً عن النفس“؟
هل يعقل في زماننا هذا أن يُطلب من شعب بأسره أن يُخلي أرضه و يخرج؟
و كيف جاءت مهلة ال ٢٤ ساعة؟ من معرفتي بالغرب فليس منهم من يستطيع أن يحزم أمتعته في يومين حتى لو كان ترحاله لبضعة أيام.
تزعم اسرائيل أنها تريد أن تستأصل المقاومة الفلسطينية عن بكرة أبيها، هل يعني ذلك قتل الأطفال أيضاً من باب الاحتياط؟ أو خوفاً من ان يصبحوا رجالاً في المستقبل؟
أو ليست مقاومة الإحتلال في حد ذاتها أنبل و أسمى درجات الدفاع عن النفس؟ و لماذا إذاً لا تُدرج عملية طوفان الأقصى تحت بند الدفاع عن النفس؟ الراقصون و الراقصات الذين ابتلعهم الطوفان في صحراء النقب كانوا جنوداً (أو جنود احتياط) في جيش الاعتداء الإسرائيلي، كحال كل رجل و أمرآة في إسرائيل.
كان الله في عون أهالي غزة فحالهم الآن أصبح كحال من ينتظر تنفيذ حكم الإعدام!
هذه الجريمة الشنيعة التي تخطط لها إسرائيل تفوق في بشاعتها كل الجرائم السابقة لأنها تتم في وضح النهار و على مشهد من دول العالم و بموافقة الدول الغربية. يزيد من فظاعة الجريمة أن الحكم صدر من غير محكمة و لا محاكمة بل صدر من عصابة إجرامية هي نفسها التي أوكل إليها تنفيذ الحكم.
مجرد توجيه ذلك الإنذار من الحكومة الإسرائيلية يحمل إدانة كبرى للدول الغربية و سيبقى علامة دامغة. و إذا قامت إسرائيل بتنفيذ جريمتها فلن يصحى الغرب من هول الفعلة، و ستبقى نظرات غزة تلاحقهم أينما راحوا و ستبقى تنخز في قلوبهم و ضمائرهم كيفما استداروا إلى آخر الدهر. و كذلك لن تصحى إسرائيل من فعلتها التي لا تغتفر و ستتدحرج رؤوس الكفر رأساً بعد رأس. الحكومات الغربية لا مشاعر لها و لا انسانية فيها لكننا هنا نخاطب شعوبهم التي لا يزال فيها خير كثير.
إن العالم الآن يعبر مرحلة خطيرة جداً، فطوفان الاقصى أفقد قادة إسرائيل صوابهم و أعمى أبصارهم و بصائرهم و جرحتهم مذلتهم جرحاً لن يندمل .. فيمكن ان نتوقع منهم أي شيء. إسرائيل تتصرف كالطفل المدلل الذي خسر اللعبة فاستشاط غضباً يحطم كل ما حوله.
ما يحدث اليوم في فلسطين قد يؤدي لمواجهة كبرى، فهل نحن لها؟
كيف تسمع الحكومات العربية عن انذار إسرائيل لأهالي غزة ثم لا تحرك ساكناً؟ هل من ضعفٍ أو قلة حيلة؟ أضعف الإيمان يقتضي قطع العلاقات و الإتصالات مع إسرائيل، و ربما مع الغرب الذي لا يعيرنا أي إهتمام أو إحترام.
إذا تمت مجزرة غزة فلن تزهق الارواح و تنزف الدماء فحسب بل ستكون مذبحة لعزة العرب و كرامتهم و تدنيساً لمقدساتهم.
أمتنا العربية لديها الكثير الكثير من الأوراق الرابحة لكن حكوماتنا، إلى الآن، لديها القيل من العزائم.
نحن مدينين للمقاومة الفلسطينية بانتصاراتها في السابع من أكتوبر. كان طوفان الأقصى بحق انتصاراً باهراً في تخطيطه و إنجازه و أصاب الغطرسة الاسرائيلية في مقتل. و هنا بيت القصيد لأن غيظ إسرائيل و اضطرابها ليس بسبب أسر أو مقتل مدنيين و لكن لأنها لم تستطع تحمل مهانة الهزيمة و مذلتها.
أمتنا العربية قوية بحقها و تاريخها و شعوبها و جيوشها، و تستطيع أن ترد على الانذار بالانذار إذا تطلبت الأمور ، و هو أضعف الإيمان.
و حفظ الله غزة و أهالي غزة ..



