جمال عبد الناصر.. غائب بالجسد وخالد الى الأبد

بقلم: عبد الهادي الراجح

في مثل هذا الاوان من عام 1970 رحل جمال عبد الناصر، صاحب الحضور الأكبر والأوسع في التاريخ العربي المعاصر، وهرعت ملايين المصريين والعرب الى وداعه بجرقة طاغية تليق بزعيم عظيم، حيث كان حس الجماهير لا يكذب فقد كانوا وبعفوية ينظرون للمستقبل بعيني زرقاء اليمامة عندما انطلقت صرخاتهم  يوم رحيله في مصر وفي كل الوطن العربي ” يا جمال يا عود الفل من بعد بعدك حنشوف الذل ” .
واليوم بعد الرحيل وحركة التاريخ الطويل، وما جرى في نهر الحياة المتدفق الذي لا يعرف التوقف، من صفقات الظلام وارتماء الجميع في الخندق الصهيوأمريكي ، منذ جريمة كامب ديفيد وإعلان الخائن أنور السادات عن امتلاك أمريكا لـ 99% من حل القضية، غامت الرؤية التاريخية للأحداث، وتم سحق كل من له توجه قومي تحرري في الوطن العربي، حيث احتلت العراق ودمرت سوريا بحرب عالمية شُنت عليها، و احتلت ليبيا بعد تدمير جيشها الوطني واغتيال قيادتها القومية حتى خلت الساحة العربية للأنظمة الوظيفية وأصبحت لا تختلف مصر التاريخ والحضارة المقيدة بكامب ديفيد للأسف الشديد عن دويلة هزيلة مثل البحرين.
بعد كل هذا التساقط وكلما شعرت الجماهير العربية خاصة في مصر بخطورة المرحلة تخرج ولا تجد إلا شعارات المرحلة الناصرية لكي ترددها، لأنها الطريق للحياة وللكرامة معاً ، ففي كل تحركات الجماهير وبعفوية يتم استحضار كل ما نادى به جمال عبد الناصر وما عبرت عنه القوى الناعمة في ذلك الوقت الفن بمختلف أشكاله .
لقد ثبت بالملموس ان الثقافة الناصرية في بعدها الواسع هي السبيل الوحيد للحياة وللوحدة والكرامة، وسيبقى اسم الزعيم الخالد جمال عبد الناصر هو الدينمو المحرك للجماهير العربية نحو مصالحها الوطنية والقومية ، ولذلك وفي ذكرى رحيله المبكر الذي لا يمكن أن يكون طبيعيا، وإنما الواقع والأحداث تؤكد ذلك، سلام عليك يا أبا خالد، يوم ولدت ويوم اختارك الله لجواره شهيداً ويوم تبعث حياً ولا نامت أعين الجبناء .
أشعر إننا نتعامل، نحن العروبيين والناصريين بشكل خاص، بالفعل ورد الفعل على الهجوم المنظم الذي يتعرض له الزعيم جمال عبد الناصر منذ رحيله بهدف إلغاء مشروعه القومي التحرري والهجوم الذي لا يهدأ إلا لكي يبدأ من جديد أكثر عداوة وضراوة ، حتى أن البعض أصبح ينظر لملايين العرب من المحيط للخليج المؤيدة للمشروع القومي الناصري وكأنهم مغيبي الذاكرة والوعي على حد تعبير الأديب المعروف توفيق الحكيم، كما أن الأدب والفن والثقافة كلها مغيبة في رأي هؤلاء ، فهل هذا معقول ويقبله عقل بشري أو منطق؟ بالتأكيد لا.
وأرى به نوعاً من جلد الذات مبالغا فيه وذلك بنظرة موضوعية لملايين العرب المؤمنين بالخط العروبي الناصري في الوطن العربي ومصر بشكل خاص ، ألم يتم طرد الاستعمار البريطاني من مصر بعد احتلال دام أكثر من 72 عاماً؟  ألم تؤمم قناة السويس وتصبح من حق الشعب المصري الذي حفرها بعرق وجهد ودماء أبنائه التي سالت بالقناة قبل أن يسير بها الماء؟ و بعد ذلك ينهب ريع هذه القناة وإنتاجها إلى الاستعمار البريطاني الذي طرده عبد الناصر بعيد الجلاء الشهير ؟ ثم ألم تعد مصر للمصريين بعد أن كانت مملوكة للأجانب بنسبة 95% ؟ ألم يدخل جمال عبد الناصر مصر التصنيع لجانب الزراعة حتى أصبحت بوصف نجيب محفوظ نفسه وكأنها دولة عظمى؟  ثم ألم تساهم وتدعم مصر عبد الناصر كل الأقطار العربية وغيرها تقريباً في آسيا وإفريقيا ؟، ألم ترَ فرنسا وبريطانيا أن وجودهما في الوطن العربي مرتبط بالقضاء على جمال عبد الناصر ، لذلك كان العدوان الثلاثي الغادر الغاشم على مصر الناصرية ومعهما كلب الغرب الكيان الصهيوني رأس الحربة للغرب الامبريالي أو كلب الحراسة كما يسمونه؟  ألم ترَ القارة اللاتينية في الزعيم جمال عبد الناصر أحد أبرز رموز التحرير والداعم لها للخلاص من حكم الجنرالات أو من حكم العسكر الذين كانت تفرضهم عليها الولايات المتحدة الأمريكية بالانقلابات المعروفة؟
ولو نظرنا لخلفية المهاجمين للزعيم جمال عبد الناصر لكان ذلك بحد ذاته يغنينا عن الكلام، فمثلاً شخصية متقلبة أكلت على كل الموائد وفي كل العصور مثل جلال الدين الحمامصي مؤلف مهزلة ” إحنا بتوع الأتوبيس ” وهو نفسه صاحب المقالة الشهيرة ” ابقى معنا ” التي كتبها بعد نكسة حزيران يونيو يتوسل الزعيم جمال عبد الناصر أن يسحب تنحيه ويواصل دوره في قيادة الأمة ، لماذا تغير أو بالأصح غيّر ، وشخص آخر يدعى محمد جلال كشك صاحب كتابي ” كلمتي للتاريخ ” و “ثورة يوليو الأمريكية ” فهو المتقلب المعروف من الإلحاد وإنكار الذات الإلهية ثم الاصطفاف إلى اليسار المعتدل وبعد ذلك نقل البندقية لأقصى اليمين لأن رزقه أصبح أوسع ، وغير بعيد عن ذلك أيضاً توفيق الحكيم صاحب رسالة العار المؤيدة لزيارة المقبور أنور السادات ودعوته للتطبيع والعلاقات الأكثر من طبيعية مع عدو الأمة التاريخي ، ومع الاحترام لنجيب محفوظ ألم يستقبل الصهاينة في بيته ويؤلف في عهد الناصرية ما ينتقد به جمال عبد الناصر مثل “ثرثرة فوق النيل ” و “ميرامار ” و ” أولاد حارتنا ” وغيرها وهي التي أهلته لجائزة نوبل التي أصبحت سياسية أكثر من اللازم ونجيب محفوظ يعتبر نفسه من أبناء لثورة يوليو ويقول أن نقده من الداخل ، والأكثر سوءا من هؤلاء تجار الدين الذي كان عدائهم للزعيم الخالد موجه من أمريكا في ظل الحرب الباردة، بينما كانت وستبقى امريكا هي الوجه الآخر للكيان الصهيوني الذي يدعون عداوته. .
أما أمثال نجيب سويرس و عمر الشريف وبعض من اتخذوا البيت الأبيض بواشنطن قبلة سياسية لهم، فهؤلاء لا وزن ولا قيمة لهم ، يكفي أن نقول أن الممثل العالمي إياه عمر الشريف قد صرح بنفسه أن أنور الساداتي استعان به ليرتب مع بيغن زيارته المشؤومة لفلسطين المحتلة في 19 نوفمبر1977م ، هؤلاء هم من يهاجمون الزعيم جمال عبد الناصر بأمر مشغليهم .. أليس ذلك بحد ذاته شهادة إنصاف صالح للزعيم لا عليه؟  ثم ها هو جمال عبد الناصر في رحاب الله منذ 53 عاماً، فماذا فعل هؤلاء الجهابذة من منتقديه غير الكلام التافه المستهلك الذي لا يقدم ولا يؤخر ؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى