في ذكراها الـسنوية.. هكذا نفذوا مجازر صبرا وشاتيلا بحق المدنيين العزل من الفلسطينيين
بقلم: د. غازي حسين

لايزال السابع عشر من أيلول عام 1982 حياً وماثلاً في ذاكرة شعبنا وأمتنا، ولا تزال النكبة والهولوكوست الإسرائيلي الذي بدأ عام 1948 مستمراً حتى اليوم وغداً وبعد غد.. وما مجازر صبرا وشاتيلا والهولوكوست الإسرائيلي في مخيم جنين وقطاع غزة في الحروب العدوانية.. وفي أعوام 1956 و1967 و2008 و2010 و2012 وفي صيف هذا العام إلا أدلة واضحة على استمرار العدو الصهيوني في ممارسة الهولوكوست على شعبنا الفلسطيني.
كانت مذابح صبرا وشاتيلا من أبشع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وشكلت انتهاكاً فظاً للقانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وحتى الاتفاقات التي وقعها فيليب حبيب، مبعوث الرئيس الأمريكي رونالد ريغان مع ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك.
تحلّ في السابع عشر من أيلول كل عام الذكرى الذكرى السنوية لمجازر صبرا وشاتيلا، والتي استمرت حوالي (60) ساعة. وراح ضحيتها أكثر من ستة آلاف عربي معظمهم من اللاجئين الفلسطينيين وبعضهم من اللبنانيين والمصريين، لتظهر بجلاء أن النكبة والهولوكوست الإسرائيلي على شعبنا الفلسطيني لا يزال مستمراً منذ مجزرة دير ياسين وعشرات المجازر الجماعية عام 1948 وحتى اليوم، مادامت الغدة السرطانية الخبيثة (إسرائيل) موجودة في جسد الأمة وفي فلسطين قلب الوطن العربي والقضية المركزية للأمة العربية.
لم تكن مجازر صبرا وشاتيلا الأولى والأخيرة التي مرت بدون تقديم قادة إسرائيل إلى محكمة الجزاء الدولية لمحاكمتهم على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها. وكانت لجنة التحقيق الإسرائيلية لجنة كاهان قد أدانت وزير الحرب السفاح شارون الذي خطط وأشرف وأحضر الأداة التي نفذت مجازر صبرا وشاتيلا وأخفى معالمها.
واحد وأربعون عاماً مرت على مجازر صبرا وشاتيلا ولم يجرؤ المجتمع الدولي حتى اليوم ملاحقة قادة إسرائيل ومحاكمتهم كمجرمي حرب أسوة بمجرمي الحرب النازيين والروانديين وغيرهم من مجرمي الحرب في العالم.
إن ما يدعو إلى الغضب والألم أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لا تزال تحول دون تقديم قادة (إسرائيل) إلى محكمة الجزاء الدولية ووضعوها فوق القانون الدولي والامم المتحدة وميثاقها وقراراتها.
خططت إسرائيل لارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا كحلقة من سلسلة الهولوكوست الإسرائيلي المستمر على شعبنا الفلسطيني لإبادته وترحيله ومسحه من الوجود. وقد نفذها الكتائبيون مجازر صبرا وشاتيلا بحجة الانتقام لمقتل بشير الجميل الذي قضى عليه أحد الوطنيين اللبنانيين لعمالته للعدو الإسرائيلي. وكان هدف المجازر بث الرعب في قلوب الفلسطينيين وترحيلهم خارج لبنان وتدمير مخيماتهم للتخلص من حقهم وواجبهم في العودة الى ديارهم.
وحالت ازدواجية المعايير التي تمارسها الدول الغربية دون تقديم قادة إسرائيل لمحاكمتهم كمجرمي حرب. ولاتزال تحول دون محاكمتهم حتى اليوم.
إننا نحيي هذه الذكرى الأليمة للمجازر، ولا تزال صور الأطفال والنساء والشيوخ والرجال الذين استشهدوا حاضرة في وجداننا وضمائرنا، وتضغط علينا للإسراع في تقديم قادة العدو إلى محكمة الجزاء الدولية فكيف حدثت مجازر صبرا وشاتيلا؟.
في الرابع من حزيران عام 1982 غزت إسرائيل لبنان، وأمطرت العاصمة اللبنانية والعديد من القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية بمئات الآلاف من القذائف جواً وبراً وبحراً، وشددت قوات الجيش الإسرائيلي الحصار على بيروت الغربية، وقطعت عنها الماء والكهرباء، ومنعت الغذاء والدواء والغاز والوقود من الدخول إليها.
وكانت الضحايا العرب من الأطفال والنساء والرجال تتساقط بالآلاف، والمعاناة والآلام تتزايد والظلم والقهر والعدوان يشتد، ولبنان يستغيث، والمخيمات الفلسطينية تستغيث، ولا من مجيب لا من الدول العربية ولا من الأمم المتحدة. فزاد السفاح شارون من الإبادة الجماعية والتدمير وسياسة الأرض المحروقة كي يحقق الأهداف التي من أجلها أشعلت إسرائيل الحرب العدوانية على لبنان، ومنها إخراج المقاومة ومنظمة التحرير من بيروت وكسر إرادة النظام العربي الرسمي ومنظمة التحرير الفلسطينية ومسح المخيمات الفلسطينية من الوجود.
انسحبت القوات المتعددة الجنسيات من بيروت في 13 أيلول بعد أن أزالت الحواجز والألغام من المعابر في العاصمة اللبنانية. واغتيل بشير الجميل بعد ظهر 14 أيلول.
واجتاحت القوات الإسرائيلية في الخامس عشر من أيلول بيروت الغربية بعد مضي 14 يوماً على رحيل جميع الفدائيين الفلسطينيين منها تنفيذاً للاتفاقات التي وقّعها رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عرفات مع فيليب حبيب.
وعلى الفور أحكم الجيش الإسرائيلي الطوق على مخيمي صبرا وشاتيلا، ومنع الدخول إليهما والخروج منهما. وأقام الجنود الإسرائيليون الحواجز حولهما والتي سمحت لهم بمراقبة مداخل ومخارج المخيمين.
وقطع الجيش الإسرائيلي الكهرباء عن بيروت تمهيداً لارتكاب المجازر، ووصل السفاح شارون إلى مفرق السفارة الكويتية في الساعة التاسعة من صباح 16 أيلول ليشرف بنفسه على أكبر مذبحة بحق المدنيين وقعت في القرن العشرين؛ وكان الفدائيون قد تركوا نساءهم وأطفالهم بدون حماية ورحلوا من بيروت تنفيذاً للاتفاقات التي وقّعتها الحكومة الأمريكية مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية.
اتخذ وزير الحرب الإسرائيلي شارون قرار غزو لبنان واجتياح العاصمة بيروت، وخطط للمجازر واختار الزمان والمكان والأداة العمياء لتنفيذها وأشرف عليها من مفرق السفارة الكويتية لإنجاحها وإخفاء معالمها.
بدأت أنباء المجازر تتسرب منذ الساعات الأولى لارتكابها، حيث كان الشيوخ والوجهاء والنساء يتوجهون إلى الحواجز الإسرائيلية ويخبرونهم بما حدث في المخيمين. وازداد تسرب الأنباء عن فظائعها في اليوم التالي الموافق في 17 أيلول، حيث أجمعت الأنباء حتى ذلك اليوم أن عدد الضحايا يزيد عن 1400. وكانت تصفيتهم تتم بالخناجر والبلطات والسواطير وإطلاق الرصاص والقنابل اليدوية وتدمير المنازل بالجرافات التي قدمها الجيش الإسرائيلي على من فيها من اللاجئين الفلسطينيين.. بدأت المجزرة يوم الخميس في 16 أيلول، واستمرت حتى ظهر السبت، وبلغ عدد ضحاياها ما بين ستة آلاف إلى سبعة آلاف شهيداً.
أكدت منظمة التحرير في رسالة إلى الرئيس الفرنسي أن الجيش الإسرائيلي يرتكب جرائم بشعة بحق المدنيين الفلسطينيين داخل وخارج مخيمات اللاجئين في بيروت بالرغم من كل الوعود والضمانات وانتهاكاً لجميع الاتفاقات المبرمة مع مبعوث الرئيس ريغان فيليب حبيب. وطالبت بطرد إسرائيل من الأمم المتحدة وبسحب قواتها فوراً. واتهمت إدارة ريغان بتقديم غطاء المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في المخيمات الفلسطينية. واتهم رئيس المنظمة الولايات المتحدة بعدم الالتزام بالضمانات التي أعطتها لحماية المدنيين في بيروت.
اتهمت إسرائيل في بادئ الأمر قوات العميل سعد حداد بارتكاب المجازر. فقام سعد حداد ونفى نفياً قاطعاً الاتهام، فاتهمت إسرائيل حزب الكتائب وزعمت أنها حاولت بالقوة وقف العناصر المتطرفة من الكتائب.
وأصدرت الحكومة الإسرائيلية بياناً رفضت فيه الاتهامات الموجهة إليها وتحمّلها مسؤولية ارتكاب المجازر لأنها اجتاحت بيروت الغربية.
ونفى الإرهابي روفائيل إيتان رئيس الأركان الإسرائيلي مسؤولية قواته عن المذبحة وقال: (عندما أخذ الجيش الإسرائيلي علماً بهذه المأساة تدخّل على الفور. ونحن لا نأمر الكتائب ولسنا مسؤولين عنهم، فالكتائب لبنانيون، ولبنان هو لهم، وهم يتصرفون كما يرون).
وطالب حزب العمل الإسرائيلي بيغن وشارون بتقديم استقالتهما لأنهما يتحملان مسؤولية وزارية عن أمرين: الأول: هو دخول بيروت. والثاني: لأنهما سمحا للكتائب بدخول المخيمات للبحث عن الإرهابيين.. وشهدت إسرائيل أضخم تظاهرة في تاريخها ضمت حوالي 400 ألف شخص احتجاجاً على مجازر صبرا وشاتيلا.
ووافقت الحكومة الإسرائيلية في 27 أيلول على تشكيل لجنة قضائية كاملة الصلاحية للتحقيق في مجازر صبرا وشاتيلا. وشكّل رئيس المحكمة العليا إسحق كاهان لجنة التحقيق.
وأشار التقرير فيما بعد أن وزير الحرب شارون كان بإمكانه أن يحول دون وقوع المجازر، وأكد مسؤوليته ومسؤولية الجنرال ساغي رئيس الاستخبارات العسكرية والجنرال بارون قائد القوات الإسرائيلية في بيروت عن مجازر صبرا وشاتيلا.
الموقف اللبناني
صرّح رئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزان في 19 أيلول قائلاً: “إنني أحمّل المسؤولية للأمريكيين لأنهم أعطوا ضمانات خطية بعدم دخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية”. وأضاف: لو لم تدخل القوات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية فإنه كان من غير الممكن للمجزرة أن تحصل. وأشار إلى أن المسلحين الذين نفذوا المجزرة هم من المتعاملين مع إسرائيل، وقد سمحت لهم الحواجز الإسرائيلية بالعبور إلى المخيمات.
أكد الرئيس سليمان فرنجية أن إسرائيل هي المسؤول الأول والأخير عن مجازر صبرا وشاتيلا، وتمنى فرنجية ألا ينسى العالم جريمة المخيمين كما تناسى مجزرة دير ياسين.
وحمّلت الأوساط السياسية الوطنية اللبنانية “إسرائيل” وأمريكا المسؤولية عن المذبحة، فيما وجه اتحاد قوى الشعب العامل في لبنان بياناً إلى الرأي العام الغربي جاء فيه: “إن إسرائيل خطرٌ على المسيحية وعلى الديمقراطية في العالم، وهي تجسد شريعة الغاب في مواجهة حقوق الإنسان”.
وبدأت النيابة العامة العسكرية في بيروت بتاريخ 28 أيلول التحقيق في المجازر وشكلت لجنة تحقيق، وحمّل الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية جون هيوز إسرائيل بعض المسؤولية عن المجازر لأنها كانت تسيطر عسكرياً على بيروت. ووقعت الحوادث خلال سيطرتها العسكرية على المدينة.
الموقف الإسرائيلي
أعلن مناحيم بيغن رئيس وزراء العدو أنه لم يعلم بخبر المجزرة إلاّ بعد ظهر السبت في 18 أيلول عندما كان يستمع إلى نشرة أخبار الساعة الخامسة من لندن، أي بعد مرور أكثر من 60 ساعة على بدء المجازر، كما أكد دان ميريدور الأمين العام للحكومة الإسرائيلية أنه سمع عنها لأول مرة عند الساعة الثالثة من بعد ظهر السبت، وأعلن الناطق العسكري باسم الجيش الإسرائيلي أمام الصحفيين في تل أبيب ظهر السبت قائلاً: “لا نعرف شيئاً عن هذه المجازر المزعومة.. لا أثر لأي وجود إسرائيلي داخل المخيمات. لا نعرف شيئاً عما يجري داخل المخيمات ونحاول تحري الوقائع” وكلهم أساتذة كبار في فن الكذب.
وأصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بياناً مساء السبت تضمن إدانة إسرائيل للمجزرة وأنه جرى تبادل إطلاق نار بين القوات الإسرائيلية وعدد من المتطرفين الكتائبيين الذين اشتركوا في ارتكاب الأعمال الإجرامية.
أكد الصحفيون في جميع أنحاء العالم مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن المجازر وقالوا: “حدثت المجازر تحت مرأى ومسمع جنود الجيش الإسرائيلي ولم يحركوا ساكناً ولم يفعلوا شيئاً”.
اتهم ريغان إسرائيل بأنها انتهكت الاتفاق حول جلاء منظمة التحرير عن بيروت بمنعها الجيش اللبناني من بسط سيطرته على القطاع الغربي من العاصمة بيروت.
لقد خطت البشرية خطوات هامة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لحماية المدنيين خلال الحروب والنزاعات المسلحة وفي مجال حقوق الإنسان وتحريم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها.
وكانت أولى هذه الخطوات الهامة تأسيس محكمة نورنبيرغ لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين والإقرار بنظامها كجزء من القانون الدولي وعدم سريان تقادم الزمن على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وجاء تأسيس محكمة الجزاء الدولية في روما لتعزيز هذا الاتجاه. وحددت المادة الخامسة من نظام المحكمة الاختصاصات التي تتعلق بعملها وهي: أولاً جرائم الإبادة الجماعية. ثانياً: الجرائم ضد الإنسانية. ثالثاً: جرائم الحرب. رابعاً: جريمة العدوان.
وتتجسد جميع هذه الجرائم في ممارسات قادة إسرائيل تجاه شعبنا الفلسطيني منذ النكبة وحرب 48التي اشعلتها وحتى اليوم . لذلك يجب تقديمهم إلى محكمة الجزاء الدولية لمحاكمتهم كمجرمي حرب أسوة بمجرمي الحرب النازيين، وتطبيقاً لتقرير غولدستون حول الهولوكوست على غزة عام 2008 والذي وافق عليه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
إن إسرائيل تتحمل المسؤولية المباشرة على ارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا، لأن مجرم الحرب شارون هو الذي خطط للمجازر وغزا لبنان واجتاح بيروت الغربية. واختار الأداة والزمان والمكان لتنفيذها وأشرف عليها لإنجاحها ولإخفاء معالمها. وفرض الحصار والتعتيم الإعلامي عن أخبارها.
ولا تزال إسرائيل ترتكب الجرائم ضد الإنسانية والعنصرية والتمييز العنصري. والعقوبات الجماعية في الضفة والقطاع.ويقرر الكونغرس الامريكي بوجشية منقطعة النظير في تموز2023 ان اسرائيل غير عنصرية .يا للخزي والعار لزعيمة الغرب واشنطن والحضارة الغربية المتصهينة.
لاتزال إسرائيل تشعل الحروب العدوانية والإبادة الجماعية والفتن الطائفية والعرقية وترتكب الاعتداءات وتمارس العنصرية والتمييز العنصري والاستعمار الاستيطاني والإرهاب كسياسة رسمية في فلسطين وسورية ولبنان، لتصفية قضية فلسطين، لأن سورية والمقاومة اللبنانية تدعمان حركات المقاومة الفلسطينية وتعتبران قضية فلسطين القضية المركزية للأمة العربية.
إن من حق ضحايا صبرا وشاتيلا على شعبنا وأمتنا والأحرار في العالم أن نغرس ذكراهم الطاهرة في ضمائرنا ووجداننا وعقولنا، ونرفض النطيع والصلح والاعتراف والتعايش مع العدو الصهيوني، واعتبار عملاء العدو الصهيوني والمطبعين من العرب كالعدو الصهيوني تماماً.
إن ذكرى شهداء مجازر صبرا وشاتيلا ستبقى محفورة في ذاكرتنا ولن ننساها وسوف نحملها للأجيال القادمة جيلاً بعد جيل حتى زوال الكيان الصهيوني.
وندعو إلى تحرك شعبي فلسطيني وعربي من أجل الإسراع بملاحقة قادة الكيان الصهيوني أمام محكمة الجنائية الدولية لمحاكمتهم كمجرمي حرب على الجرائم التي ارتكبوها بحق شعبنا منذ النكبة المستمرة عام 1948 وحتى الحرب الإسرائيلية السادسة وإقتحام الجيش الاسرائيلي لجنين ونابلس والخليل واريحا.
والنصر دائماً وأبداً للمقاومة وللشعوب المناضلة.



