قراءة في خطاب جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس
بقلم: د. موسى الحمداني/ لندن

الخطاب الذي ألقاه جمال عبد الناصر في ٢٦ يوليو ١٩٥٦، و الذي أصبح يعرف بخطاب التأميم، يعتبر أهم خطاباته و أكثرها تأثيراً في العالم و سبباً مباشراً لوصوله لدرجة ”العالمية“ في الزعامة و درجة ”الأستاذية“ في الحنكة و المهارة السياسية و حصوله على وسام ”البطولة“ في الشجاعة و الإقدام الذي أُسبغ عليه من الشعوب العربية و شعوب العالم الثالث و شرفاء العالم. طبعاً لم أستمع للخطاب في زمانه فقد كنت لا أزال في سن ما قبل المدرسة، و أظن أنه لم يبق بيننا الآن آلا القليل من الذين استمعوا إليه في زمانه خاصة أن أكثر البيوت كانت تخلو من أجهزة الراديو. بدأت أذني تتعرف على الخطاب في حقبة الستينيات عندما تعودت على سماع الجزء القصير المتعلق بالتأميم و الذي كان ينبعث أحياناً من إذاعات القاهرة، لكن تَحتمَّ علي أن انتظر حتى تقدمت الانترنت، و تقدم العمر، حتى أستمع للخطاب كاملاً.
الخطاب مهم من أوله إلى آخره رغم ما مضى عليه من زمن، و فيه من العبر و الدروس التي تتعلق بحاضر أمتنا أكثر بكثير من مواضيع الانشاء الفارغ التي نسمعها من حكام هذا الحاضر البائس. بل أعتقد أن الخطاب جدير بأن يُدَرَّسُ في المدارس في كل الأقطار العربية كما يُدَرَّسُ التاريخ و كما تُدرَّس المُعلَّقات، و لا أتردد في أن أحث العربي الغيور على أن يستمع إليه بجملته. يزيد من قيمة الخطاب أنه كان جزءاً من خطة سرية محكمة للاستيلاء على قناة السويس و التي نفذها بكفاءة مجموعة من أبناء مصر الشرفاء كان على رأسهم المهندس محمود يونس. الخطاب كان طويلاً، زاد على الساعتين و نصف، و مع ذلك فقد استحوذ تماماً على انتباه الجمهور الذي تمسمر في ساحة المنشية في الإسكندرية و استمع إليه بشغف حتى نهايته.
كان جمال عبد الناصر في الثامنة و الثلاثين من عمره و كان قد مضى على انطلاقة الثورة أربعة أعوام حافلة بالانجازات و التحديات. و قبل الخطاب بشهر واحد، كانت القوات البريطانية قد أكملت جلائها عن أرض الكنانة و أصبح هو أول ابن من أبنائها في التاريخ يُنتخب حاكماً لمصر. كان الخطاب مرتجلاً و ألقى الرئيس معظمه باللهجة العامية التي كانت ترتاح لها الجماهير. تكلم الزعيم بحماسة متقدة و مشاعر جياشة وجدت طريقها فوراً إلى وجدان الجماهير التي انصتت لذلك الرئيس الشاب و هو يتكلم و يشدد على معاني و كلمات لم تألفها من حكام الماضي و لم تسمعها من حكام المستقبل مثل الحرية ..و العزة .. و الكرامة .. و الشرف .. و القومية العربية، و هي معاني شدَّد عليها كثيراً و أعادها مراراً و تكراراً طيلة الخطاب. لكن الرئيس أضاف مفهوماً جديداً قليلاً ما كان يظهر حتى في الكتابات السياسية و هو مفهوم ”الاستقلال الاقتصادي“.
بدأ الزعيم خطابه باستذكار تلك الأعوام الأربعة الحافلة بالتحديات من عمر الثورة و مستشرفاً المستقبل و معارك التنمية و البناء. ذَكَّر الشعب أن هدف الثورة هو بناء مصر حرة عزيزة و قوية و أن هدف القوى الاستعمارية هو عرقلة ذلك البناء و من أجل ذلك زرعوا إسرائيل في المنطقة لتكون عائقاً لتقدم القومية العربية. و أشار إلى أن قيمة مصر العالمية كبرت منذ أصبحت تمارس سياستها المستقلة و أن الغرب أصبح يحسب لها حساب ”بعد أن كنا نتلطع على مكاتبهم“. كما أشار إلى زيارته ليوغوسلافيا حيث اجتمع مع الرؤساء تيتو و نهرو في مؤتمر بريوني و الذي أصدر قرارات مُؤَكِّدة على قرارات مؤتمر باندونج و التي كانت بدورها مؤيدة لوجهة النظر العربية خاصة فيما يتعلق بفلسطين و الجزائر.
و قال أنه منذ قيام الثورة و هم يعملون من أجل تحقيق الاستقلال السياسي و الاستقلال الاقتصادي لأنه لا معنى للأول من غير الثاني، و أن حكومة الثورة عملت جاهدة في المجالين. تكررت عبارة ”الاستقلال الاقتصادي“ كثيراً لأنه اكتشف اهميتها في تعامله مع الغرب في السنوات الماضية. لا بد أن نذكر أن مصر بعد عبد الناصر تعيش على مخصصات مالية سنوية أمريكية، أي أنها عملياً فقدت استقلالها الاقتصادي و السياسي و بالتالي فقدت استقلالها كله و هو شيء واضح للأعمى و البصير. و ربما يكون في هذه الحقيقة تفسير لما نلاحظه من تصرفات غير المنطقية كإزالة أي إشارة تذكر بعبد الناصر.
أوضح الزعيم أنه من أول جلسة في مفاوضات الجلاء، و التي كان الهدف منها حصول مصر على استقلالها كاملاً، عرضت بريطانيا توقيع اتفاقية لمدة ٢٥ سنة. أي أن بريطانيا تعطيهم الجلاء من ناحية و تربط أيديهم بأغلال الاتفاقيات من ناحية أخرى! لكنه رفض تلك الاتفاقية كما رفض الدخول في أي حلف إلا الحلف الذي يضم الدول العربية فقط على أساس ”كيف تتحالف دولة كبرى مع دولة صغرى؟ .. و إذا جلسنا على طاولة مباحثات هل سيكون لمصر رأي بجانب بريطانيا؟.. هذا لا يكون حلفاً و إنما تبعية“. و أكد أن مصر تمد يدها للجميع على أساس التعاون و الصداقة ”لكننا نرفض أن نكون تابعين أو أذيال“.
ثم تعرض لمسألة تسليح الجيش المصري و ذكر أنه بعد الثورة مباشرة أرسل بعثات مصرية لطلب أسلحة من الغرب لكنها عادت خاوية الوفاض بسب بعض الشروط مثل الإصرار على توقيع ”ميثاق الأمن المتبادل“ و الذي كان يعني تواجد بعثات عسكرية أمريكية في مصر لتشرف على الأسلحة و الجيش المصري. أوضح أنه لا يقبل أن يتدخل ضباط أجانب في عمل الجيش المصري و لذلك رفضت مصر التوقيع على تلك الاتفاقية و بالتالي رفضت القوى الاستعمارية بيعها أي أسلحة ”إلا بعد أن نوقع … نوقع على صك عبوديتنا و هدر كرامتنا“. للمفارقة نذكر أنه بعد رحيل الزعيم حصلت مصر على أسلحة بعد أن وقعت عدة اتفاقيات عسكرية أكثر فجوراً من اتفاقية الأمن المتبادل مع أميريكا التي أصبحت تمسك بزمام الجيش المصري تماماً و توجهه كما تشاء!
و تعرض الزعيم لمفاوضات الجلاء و أوضح أن نجاحها يعود أساساً للعمليات الفدائية السرية التي كان يقوم بها أبطال مصريون دفعوا أرواحهم فداء لمصر، مثل مصطفى حافظ و صلاح مصطفى الذين كانا من ضباط المخابرات المصرية و استشهدا في تلك الفترة. و قال ان الفدائيين جعلوا استمرار وجود القوات البريطانية مستحيلاً و أن ”تلك القوات التي كان يفترض بها حماية الشرق الأوسط أصبحت غير قادرة على حماية نفسها“. و أوضح أن الاستعمار لم ينتهي بجلاء قواته لأنه يتلون و يتطور و لا يزال يتواجد في المنطقة العربية من غير جنود عن طريق عملائه و صنائعه الذين يحققوا له ما يريد من غير حاجة لتواجد عسكري ”لكننا سنقاوم الاستعمار بكل أشكاله السافر منها و المقَنَّع“.
و أشاد بالانتصارات الجزائرية و ندد بما يسمى العالم الحر (امريكا و بريطانيا) الذين أعلنوا ميثاق الاطلنطي و حقوق الانسان ثم تناسوا كل ذلك بمساعدتهم فرنسا للقضاء على الثورة الجزائرية. كان الغرب قد أرسل قوات الناتو الذي كان تشكل حديثاً لتدعم الجيش الفرنسي في الجزائر، فعلق الرئيس على ذلك ” قوات الناتو التي يفترض بها أن تقف أمام روسيا لا تستطيع الوقوف أمام أبطال الجزائر“. و أوضح أن القومية العربية تخوض معارك في كل مكان من المحيط للخليج و أنها كلها معارك تهم مصر ” ما نقدرش نقول انه معركة الجزائر و المغرب و الأردن مش معاركنا لأننا مرتبطين ببعض و مصائرنا مرتبطة ببعض“، و الحقيقة أن هذا كان شعور العرب جميعاً في تلك الفترة قبل سيطرة ثقافة كامب ديفيد و الانعزالية.
أوضح عبد الناصر أن هدف الاستعمار هو أن نكون تابعين و نلبي الأوامر خاصة فيما يتعلق بالمحافظة على إسرائيل. و أشار إلى أن هناك دول في المنطقة تتبع هذه السياسة و المطلوب من مصر أن تكون مثلها، ”لكن مش ممكن.. قامت الثورة ليه؟ .. الشعب قاتل ليه؟.. الناس اللي ماتت مننا سنة ١٩ و قبل ذلك عبر السنين هل كانوا بيقاتلوا و بيموتوا عشان برضه نرجع و نأخذ الأوامر؟“ و طبعاً أهم أوامر الاستعمار هي تلك المتعلقة بالمحافظة على إسرائيل .. ”بيقولك إسرائيل حقيقة واقعة و طلباتها يجب أن تُلبى، طيب و ماذا عن فلسطين؟ الشعب الفلسطيني عرب زينا.. يقولك نديهم شوية فلوس .. لكن مش كل الناس بتبيع بلدها بفلوس..انتم بلدكم عمرها ٢٠٠ سنه انما احنا فلسطين بلدنا من آلاف السنين و مش ممكن نبيعها بالفلوس“.
ثم عاد و تناول معركة كسر احتكار السلاح بشيء من التفصيل و أشار إلى شرطين وضعتهما بريطانيا للموافقة على ببع السلاح لمصر: ”انه عبد الناصر لما يسافر لباندوج يسكت خالص و ما يتكلمش .. و الشرط الثاني ان لا تهاجم مصر سياسة الأحلاف“. أوضح الزعيم أن المسألة لم تكن إذاً مسألة بيع سلاح و إنما مسألة استخدام السلاح للمساومة و الضغط على مصر ”طب احنا عايزين سلاح نقرر سياسته ام سلاح هو يقرر سياستنا؟“. و هكذا فشلت كل محاولات مصر لشراء أسلحة من الغرب، و فيما بعد تمكنت مصر من شراء ما تريده من سلاح من روسيا ” أنا بقول من روسيا مش تشيكوسلوفاكيا ..من روسيا“. كان توجه دولة عربية لشراء أسلحة من الاتحاد السوفياتي يعتبر أمراً مستحيلاً و خارج التصور و التفكير لدى الغرب لدرجة أن روسيا، لتخفيف الصدمة على الغرب، اقترحت ان يُعلَن ان الصفقة كانت بين مصر و تشيكوسلوفاكيا، و عُرفت في العالم ب ”صفقة الاسلحة التشيكية“. في هذا الخطاب تحدى عبد الناصر ”مشاعر“ الغرب و أفشى السر و أعلنها بصراحة أن الصفقة كانت مع روسيا. ثم طمأن الشعب أن اتفاقية الأسلحة مع روسيا لم تكن مرتبطة بأي شروط إطلاقاً ”ندفع ثمنها بس“.
و علق على الضجة التي قامت في الغرب إثر إعلان صفقة الأسلحة. أولاً استنكروا الصفقة على أساس انها تتعلق بسلاح شيوعي ”هو في سلاح شيوعي و سلاح غير شيوعي؟ أنا اللي أعرفه إنه السلاح اللي بيجي هنا في مصر يبقى سلاح مصري“. ثم استنكروها على أساس أنها تخل بميزان التسلح في المنطقة، و الذي كان معناه بالنسبة لهم أن يعطوا العرب بندقية و يعطوا اسرائيل بندقيتين ”أي توازن؟ .. هو مين عملكم أوصياء علينا؟“. لكن الرئيس كشف أن السبب الحقيقي للهلع الذي أصاب القوى الاستعمارية هو ادراكهم أن خططهم في التحكم بمصر عن طريق التحكم بالسلاح فشلت تماماً و أن مصر كسَّرت أغلالها.
ثم ذكّر الجماهير بأن بريطانيا هي التي اعطت وعد بلفور و أقامت إسرائيل و أنها انهت الانتداب و هي تعرف أن العرب كانوا عٌزَّلاً من السلاح قياساً للعصابات الصهيونية التي كانت مدججة بأحدث الأسلحة و أن أمريكا اعترفت باسرائيل بعد دقيقة واحدة من اعلانها. ثم طلب عبد الناصر من كل فرد من الجمهور أن يعرف الهدف من كل ذلك الخداع و الظلم و أن يعلمه لأولاده و هو القضاء على قوميتنا ”بيعتبروا انه كلنا من المحيط للخليج عرب و لنا قومية واحدة بنتكلم لغة واحدة .. هذه القوة يجب أن يُعمل لها حساب لأنه إذا استيقظت ستكون قوة دولية عظمى .. كيف السبيل لتلافى هذا؟ ييجوا على فلسطين .. لأول مرة في التاريخ يحصل ما حصل في فلسطين .. يقضوا على اهل فلسطين و يجيبوا الصهاينة .. كان بيحصل غزو لكن لم يحصل إبادة للجنس و القومية و بعد الحرب كل واحد يرجع بلده .. في حالة فلسطين كانت عملية إبادة كاملة لم تهدف فقط لإبادة فلسطين بل إبادة القومية العربية“. و أكد على أن الحصول على السلاح كان أمراً أساسياً لمصر حتى لا يصبح المصريون أيضاً لاجئين. كان إدراك عبد الناصر لأهمية الوحدة العربية مبهراً منذ قامت الثورة و كذلك كان فهمه لأبعاد الصراع العربي الاسرائيلي. و كم نتمنى لو أن الحكام العرب الذين عاصروه أو خلفوه كان لديهم نفس الادراك و القناعات.
طبعاً جن جنون أميريكا بسبب صفقة الأسلحة و أرسلت مندوباً لمقابلة عبد الناصر، و في هذا السياق ذكر عبد الناصر حادثة ذات مغزى و تدل على معدنه و وطنيته و غيرته على بلده و موقف يستحيل أن نراه من حكامنا الحاليين. فقد خرجت تقارير تقول أن المندوب الأمريكي، و كان إسمه جورج ألَن، يحمل رسالة شديدة فيها توبيخ و إهدار لكرامة مصر. و قبل وصول مستر ألَن طلب مسئول أمريكي آخر مقابلة عبد الناصر لتخفيف وقع الرسالة عليه و طمأنته أنه لن يكون لها تبعات رغم شدتها، فرد عليه عبد الناصر ”قلت له أسمع! أنا مش رئيس وزارة محترف .. أنا جاى عن طريق ثورة .. و ما أخدناش دروس في الدبلوماسية و لا في السياسة .. مندوبكم إذا فتح فمه بكلمة حاطرده بره المكتب .. و حاطلع أقول للشعب المصري انكم أهنتم عزته و كرامته“. و كعادته لم ينسب هذا الموقف القوي و الشجاع لنفسه بل نسبه للشعب ”كنت باتكلم و أنا مطمئن لأني عارف إني مسنود منكم .. ماكنتش بتكلم بقوة جمال عبد الناصر بل بقوة ٢٣ مليون مصري“.
و بعد أكثر من ساعة و ثلث الساعة من الخطاب وصل الرئيس إلى الموضوع المحوري و هو مشروع السد العالي و تمويله. أوضح أولاً أهمية المشروع لمصر و حيويته لتنمية الآقتصاد و مواجهة تبعات الزيادة السكانية في المستقبل باعتباره الطريقة الوحيد لزيادة الرقعة الزراعية في مصر و كذلك مضاعفة توليد الكهرباء. ثم أعطى وصفاً لمعاناته و معاناة الحكومة في السعي لتأمين مصادر تمويل المشروع من أمريكا و بريطانيا و البنك الدولي. و سرد الرئيس بمرارة واضحة كل ما قاسته الحكومة و ما جرى من مباحثات متعبة و مفاوضات شاقة و مراسلات معقدة على مدى أربع سنين بين الحكومة المصرية و تلك الجهات التي سبق لها أن وافقت مبدئياً على تمويل المشروع . كل شيء تعثر و كانت النتيجة أنهم جميعاً وضعوا شروطاً تعجيزية لا يمكن لمصر الموافقة عليها لأنها تعني أن تتخلى مصر عن سيادتها و استقلالها الاقتصادي. كان واضحاً أن الغرب لم يكن راغباً في مساعدة مصر على تنمية و تطوير نفسها و سألهم ”هل طلبتم مثل تلك الشروط من إسرائيل قبل أن توافقوا على قروضها؟“.
ثم تحدث عبد الناصر بشيء من التفصيل عن التنمية السنوية منذ قيام الثورة و سرد أرقاماً مشجعة مقتبسة من تقارير للأمم المتحدة عن مختلف القطاعات الاقتصادية في مصر. إذا وجد بعض الحضور، بعد ساعتين من الخطاب المتواصل، جزءاً مملاً فربما كان ذلك الجزء الذي لم يدم إلا دقائق معدودة. تعمد عبد الناصر إطالة الخطاب لأنه كان ينتظر تقريراً من المخابرات عن وضع القوات البريطانية في المنطقة. فمع أنه كان قد عقد العزم على تأميم القناة إلا أنه كان بانتظار ذلك التقرير ليتأكد أن القوات البريطانية غير قادرة على التدخل الفوري. و كان يعرف أن التقرير أٌرسل إليه من القاهرة إلى الاسكندرية و كان المتوقع أن يستلمه قبل بدء الخطاب لكن حالت الظروف دون ذلك. عندما صعد الرئيس على المنصة لإلقاء الخطاب كان لا يزال لا يعرف إن كان سيعلن قرار التأميم في ذلك الخطاب أم لا، فذلك يعتمد على ما في التقرير. أخيراً و صل التقرير المنتظر قبل نهاية الخطاب بنصف ساعة و سلمه أحد المساعدين لعبد الناصر الذي ألقى عليه نظرة و عرف أن الظروف مناسبة لإعلان التأميم. استكمل الرئيس خطابه لكنه انتقل من موضوع التنمية و أرقامه إلى قصة حفر قناة السويس و الاتفاقيات المجحفة التي عقدها رجل الأعمال الفرنسي فرديناند ديليسبس مع محمد سعيد باشا والي مصر حينذاك.
و تعرض لقصة حفرها و الاتفاقيات المتعلقة بها. كان هدف عبد الناصر أن أن يذكر الشعب بالإجحاف الذي تعرض له أجدادهم قبل قرن من الزمان و يذكرهم بالارواح المصرية التي زهقت في حفر القناة و كذلك ليجعل السياق مناسباً لذكر كلمة السر و هي ”ديليسبس“ و التي كانت بمثابة الضوء الأخضر للمجموعة التي تنتظر الإشارة للاستيلاء على منشئات القناة. ذكر عبد الناصر كلمة السر قبل نحو نصف ساعة من نهاية الخطاب و لكي يضمن أن يسمعها رجاله فقد أعادها خمسة عشر مرة من غير أن يلاحظ أحدٌ أن وراء تلك الكلمة ايذان ببدء عمل عظيم سيكتب له المجد و الخلود.
استرسل عبد الناصر في تقديم البراهين على أن مصر ظُلِمت من يوم موافقتها على حفر القناة إلى الآن. ”الانجليز و الفرنسيين و المساهمين و العالم كله بيستفيدوا من القناة إلا مصر .. مع أن شركة القناة شركة مصرية“. و هكذا تهيأت الجماهير لإعلان تأميم القناة و الذي جاء قبل ربع ساعة من نهاية الخطاب. قرأ عليهم الرئيس نص قرار التأميم الذي كان وقعه في نفس اليوم ” قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية…بإسم الأمة ..رئيس الجمهورية.. مادة واحد: تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية …“
تلك الفقرة من الخطاب أصبحت فيما بعد على لسان كل عربي و فاقت شهرتها أي خطاب آخر حتى خطابات عبد الناصر نفسه. كان قرار التأميم كزلزال كوني ارتجت له الأرض شرقاً و غرباً فقد استحضر الحمية العربية وأنَفَتِها و استرجع للعرب عزتهم بأمجادهم و ثَأَر لكرامتهم التي أٌهدرت على مر السنين و ارتقى بها إلى عنان السماء. أما في الغرب، فقد باغتهم القرار الذي نزل عليهم كالصاعقة و أربكهم و وضع الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس على طريق الهاوية و أذلها كما لم تُذِلَّها حرب من قبل و لا من بعد.
و في نهاية الخطاب أخبر الزعيم الجماهير بأن قرار التأميم أصبح نافذاً و أن القناة أصبحت مصرية فعلاً و أنهى خطابه بهذه الكلمات الخالدة المبشرة: ”الآن و أنا أتكلم اليكم، يتجه إخوة لكم من أبناء مصر ليديروا شركة القنال ..الآن .. دلوقت بيستلموا شركة القنال .. شركة القنال المصرية مش شركة القنال الأجنبية“ ثم استودعهم الله عند منتصف الليل.
لقد أنطق الله جمال عبد الناصر بكلمات شاء لها الخلود و جسد فيه عزة العرب و إِبَائهم و شدة بأسهم و رباطة جأشهم و زَهْو قدرهم و شجَاعَتهم. في تلك الليلة عبر عبد الناصر عن ما كان يخلج في صدره و صدر كل عربي و كل مظلوم و أشفت كلماته العفوية، بكل ما كان فيها من قوة و عزيمة، صدور قوم مؤمنين بربهم و حقوقهم.
أخذت الجماهير تقفز فرحاً في ميدان المنشية و عمت الفرحة و البهجة أنحاء مصر، و مع بزوغ فجر اليوم التالي كانت قد عمَّت أرجاء العالم العربي. أما في العالم الأوسع فأصبح إسم جمال عبد الناصر يتردد على ألسنة الشعوب المظلومة و المضطهدة و التي كانت تتطلع للحصول على حقوقها المغتصبة. و هكذا نشأ جيل جديد عند العرب و المسلمين و شعوب العالم الثالث شاع فيه إسم جمال أو ناصر أو خالد، فقد أصبح إسم الزعيم أيقونة للشجاعة و الإقدام و مثلاً في البطولة و البسالة و نفحة حياة في القول القديم ما ”ضاع حقٌ وراءه مُطالب“.



