تونس أمام أزمة الهجرة غير النظامية

بقلم: توفيق المديني

جَعَلَ قُرْبَ تونس من السواحل الأوروبية منطقة جذب لعبور المهاجرين غير الشرعيين ،إِذْ يُمْكِنُ على سبيل المثال لمركبٍ صغيرٍ تابعٍ لإحدى عصابات تهريب المهاجرين أن يقطع المسافة بين ميناء المهدية التونسي وجزيرة لمبادوزا الإيطالية أو أقرب نقطة ساحلية أوروبية لتونس والبالغة 60 ميلاً بحريًا.
لقد اهتمت السلطات التونسية بإيجاد آليات تهدف إلى الحدِّ من هذه الظاهرة التي أحرزت نجاحًا نسبيًا يتمثل في انخفاضِ أعدادِ المهاجرينَ غير الشرعيين. ومن بين هذه التشريعات قانون (8 آذار/مارس 1986) حول ظروف الأجانب من حيث تنظيم هذه المسألة، فَوِفْقًا للمادة (5) من هذا القانون عند دخول تونس، يجب على أي أجنبي تقديم جواز سفر وطني ساري المفعول أو تذكرة عودة وتأشيرة دخول، وكذلك تجريم العقوبات وتشديدها على عصابات التهريب التي تعمل في هذا المجال، وتوسّع المشروع التونسي في تجريم كل عناصر منظومة الهجرة غير الشرعية، مثل الأشخاص المهربين أو من يساعدهم أو مالكي الأماكن التي تؤويهم، وتتولى وزارة الداخلية مسؤولية مراقبة الحدود البحرية والبرّية ومراقبة حركة الأفراد، وتحديد طبيعة التعاون مع البلدان المجاورة شأن مراقبة الحدود لذلك وجود مراكز لاحتجاز الأجانب على غرار ماهو موجود في فرنسا.
مقتل وفقدان مئات المهاجرين قبالة سواحل صفاقس
خلال النصف الأول من عام 2023، أبحر حوالي 54.000 لاجئ غير شرعي باتجاه إيطاليا ، نصفهم جاءوا من تونس،مقارنة بنحو 9 آلاف طوال عام 2022. وتُعَدُّ جزيرة لامبيدوزا المحطة الأوروبية الأولى لوصول المهاجرين كونها المنطقة الإيطالية الأقرب إلى تونس، وفقا لوكالة “أنسا” (ANSA) الإيطالية، حيث تبعد الجزيرة عن السواحل التونسية أقل من 150 كيلومترا.
فعندما يكون الجو هادئا، يزداد عدد القوارب القادمة عبر البحرالمتوسط بشكل يرهق المجتمعات الإيطالية والأوروبية. فقد أصبحت السواحل التونسية ساخنة، نظرًا لتدفق أعدادٍ كبيرة من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين القادمين من دول الساحل وجنوب الصحراء إضافة للاجئين وطالبي اللجوء المتواجدين في عدد من المدن التونسية، ولا سيما عاصمة الجنوب صفاقس.
ويتوافد هؤلاء المهاجرون غير الشرعيين عبر شبكات التهريب التي تنشط براً وبحراً لمساعدتهم على الوصول إلى السواحل التونسية ومنها نحو الفضاء الأوروبي عبر قوارب الهجرة غير النظامية، ولئن يمكن حصر عدد اللاجئين وطالبي اللجوء ومتابعة تحركاتهم بالنظر إلى تواجدهم في مناطق معلومة بفضل ما تتوفر حولهم من معطيات لدى الجهات التونسية المعنية، إلا أن عدد المهاجرين يبقى غير محدد وغير دقيق لا سيما أنَّ هناك شبكات تشتغل على إدخال المهاجرين بطريقة غير قانونية من الحدود الجزائرية من جهة القصرين وسيدي بوزيد مقابل مبالغ مالية ومنها نحو ولاية صفاقس التي ارتفع فيها عدد المهاجرين بطريقة لافتة جداً وهي أعداد مهولة جداً.
ومن الأسباب الرئيسة في زيادة الموجات الأخيرة من الهجرة غير الشرعية القادمة من بلدان جنوب الصحراء ، تفاقم الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية وتنامي ظاهرة البطالة و انعدام فرص العمل ،والفقر السائد في كل من تونس ودول الساحل وجنوب الصحراء،والسودان، وسوريا.
و وشهدت فترة شهري مارس وأبريل 2023، ارتفاعًا غير مسبوق في حوادث غرق قوارب المهاجرين عبر البحر المتوسط نحو السواحل الإيطالية، ومعظم الضحايا قادمون من إفريقيا جنوب الصحراء إضافة إلى السودان وسوريا.و ارتفعت حصيلة حوادث الغرق للقوارب التي كانت تحمل مهاجرين أفارقة أمام سواحل مدينة صفاقس التونسية، أثناء محاولة عبور البحر الأبيض المتوسط إلى إيطاليا ،إلى سبعة حوادث، أسفرت عن مصرع أو فقدان أكثر من 300شخص،وفق تعداد لوكالة الأنباء الفرنسية.
وذكر الحرس الوطني التونسي أنه أنقذ أو اعترض “14 ألفا و406 أشخاص بينهم 13 ألفا و138 يتحدرون من إريقيا جنوب الصحراء، والباقون تونسيون خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي. ويناهز هذا العدد 5 أضعاف ما أحصي الفترة نفسها من العام 2022.وقد جرت الغالبية الكبرى من عمليات الاعتراض والإنقاذ، هذا العام، في محيط صفاقس ثاني كبرى مدن تونس.
ظاهرة هجرة الأفارقة في مدينة صفاقس التونسية
تقع صفاقس في الجنوب الشرقي من البلاد التونسية ، وهي ثاني مدينة بعد تونس العاصمة من حيث عدد السكان،وتحتل المرتبة الأولى من حيث النشاط الاقتصادي،وبات واضحا للمراقبين أنَّ صفاقس تحولت إلى مركز استقطاب وجذب ونقطة انطلاق للمهاجرين التونسيين غير الشرعيين ،وللمهاجرين غير الشرعيين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء ،الواضعين نصب أعينهم ركوب البحر المتوسط نحو السواحل الإيطالية ومنها تجاه الفضاء الأوروبي .
لا توجد أرقام تونسية رسمية دقيقة حول عدد المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في مدينة صفاقس،فالأرقام المتداولة في أجهزة الإعلام التونسية،ولدى المنظمات العاملة في مجال اللاجئين وطالبي اللجوء تقول أنَّ عدد المهاجرين المتواجدين في صفاقس يتراوح بين 20 ألفاً و30ألفًا،وأعداد المتواجدين في باقي المناطق التونسية ضعف هذا الرقم وهي أعداد كبيرة حقيقة تتحين الفرصة لركوب قوارب الهجرة غير النظامية نحو إيطاليا.
حسب ما ذكرته صحيفة الصباح التونسية الصادرة بتاريخ 18حزيران/يونيو 2023، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء مع نهاية شهر شباط/فبراير 2023 نحو 9474 شخصاً من بينهم 6044 طالب لجوء، ويمثلون 64%، أما البقية فهم لاجئون يمثلون 36%.
وتتوزع جنسيات اللاجئين وطالبي اللجوء على النحو التالي: فالعدد الأكبر وهو 3253 من ساحل العاج، و2599 من الجنسية السورية، و566 من السودان، و564 من لكاميرون، و482 من غينيا، و253 من ليبيا، و184 من أرتيريا، و169 من الكونغو الديمقراطية و155 مالي، و134 من سيراليون والبقية من جنسيات مختلفة.
أما في باقي المدن التونسية، فهناك ما يقارب 2724 لاجئاً متواجدين في تونس الكبرى، وفي سوسة 340 شخصاً وفي نابل 188 وفي صفاقس 1536 وفي مدنين 654 وفي ولاية قابس 1201، وقفصة 295، فضلاً عن أن هناك عدداً كبيراً من المهاجرين ليست لهم أية علاقة بالمنظمات مع تواصل تدفق عدد كبير عبر البر وتحديداً من الحدود الجزائرية والليبية وهناك عدد كبير عبر البحر وهم مهاجرون غير شرعيين من ليبيا خرجوا في إطار عمليات هجرة غير نظامية يتم إنقاذهم في الفترة الأخيرة بسواحل مدينة مدنين أكثر من صفاقس.
وتتعامل الدولة التونسية مع المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى البلاد عبر البر أو يتم إنقاذهم في البحر في إطار عمليات هجرة في اتجاه إيطاليا غير نظامية ،كطالبي لجوء، وهناك من يطلب اللجوء ويتم التكفل بهم من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ،في حين أن من البقية يعتبرون مهاجرين غير شرعيين ، وهم من مشمولات المنظمة الدولية للهجرة.
وبالنسبة للمساعدات الموجهة للاجئين، يقول الخبراء في شؤون الهجرة، أنها لا تتم بطريقة آلية بل على حساب الهشاشة الاجتماعية للفرد أو العائلة واحتياجاتها لأن من حق أي شخص يطلب اللجوء أن يدرس مطلبه إلا أنه يتطلب وقت على أن يتم البت في ملفه أما بالقبول أو بالرفض.
ففي فترة طلب اللجوء يكون اللاجئ تحت حماية الدولة التونسية كونه موجود على التراب التونسي واتفاقية 51 وبروتوكول 67 يلزمان الدولة أن تقدم الحماية لطالب اللجوء أو اللاجئ في تونس وبالنسبة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين فهي توجه المساعدات لمن وضعيتهم الاجتماعية هشة بالإضافة إلى توفير السكن بعدد من المبيتات على غرار مبيت ابن خلدون في مدنين والبحر الأزرق في تونس، ومبيت رواد. غير أنَّ طاقة استيعاب المبيتات لا تتجاوز 5000 شخص لأن المبيتات مخصصة للحالات المستضعفة فقط.
ويحتج سكان مدينة صفاقس بانتظام على وجود المهاجرين غير الشرعيين في مدينتهم مطالبين برحيلهم.وتقع غالبا اشتباكات سواء كلامية أو جسدية في الأحياء الشعبية من المدينة، حيث يقيم المهاجرون الأفارقة.وتصاعد الاحتقان في محافظة صفاقس جنوب شرق البلاد التي يتركز فيها أكبر عدد من المهاجرين غير الشرعيين ، بعد جريمة قتل تونسي يبلغ من العمر 42عامًا، طعنا بآلة حادّة مساء يوم الاثنين3تموز/يوليو الجاري، بمنطقة ساقية الدائر،يرجح أن يكون مرتكبوها مهاجرين من دول جنوب الصحراء .فقد سبقت جريمة القتل هذه،أحداث عنف وإضرام النار في ممتلكات خاصة في منطقة “الربط” بمحيط المدينة العتيقة بصفاقس. وفي نهاية مايو/أيار الماضي، قُتل مهاجر من بنين طعنا في هجوم نفذته مجموعة من الشبان التونسيين في أحد أحياء صفاقس الشعبية.
لا يجوز السقوط في هذه اللحظة التاريخية بمواقف عنصرية
من الناحية التاريخية، كانت تونس بمنزلة الأرض الموعودة لكل النزاعات الإمبريالية في حوض البحر الأبيض المتوسط،فقد عرفت سيطرة الفينيقيين و الرومان والوندال والبربر والعرب وسكان المغرب الأقصى والأسبان،والأتراك، وأخيرًا الفرنسيين .وفي كل عملية غزو، باستثناء الاحتلال الفرنسي المتأخر في الزمن، حصل تمازجٌ بين الغزاة وقسم من سكان البلاد الأصليين ،سواء بتبني هؤلاء لحضارة الغزاة والاقتباس منها (البونيقيين و الرومان و العرب مثلا) أو في عصور متأخرة باستيعاب الفاتحين ، و إدماجهم في حضارة البلاد(كماهو الشأن بالنسبة إلى بني زيري من المغرب الأوسط، في القرن العاشر، و الحفصيين من المغرب الأقصى في القرن الثالث عشر ، والأتراك في القرنين السادس عشر و السابع عشر).
الشعب التونسي ينتمي إلى الأمة العربية،وهويته الجامعة بالمعنى الحضاري و التاريخي هي الهوية العربية الإسلامية المنفتحة على الحداثة،ولكنَّه في دوائر الانتماء إلى الهويات الفرعية،هو جزء من شعوب القارة الإفريقية،وهو شعب غير عنصري ،و يتبنى مقولة منظومة كونية حقوق الإنسان، و الدفاع عن حرية الشعوب في كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية من أجل تحقيق تنمية مستقلة ومستدامة ،وبناء نظام اقتصادي عالمي جديد أكثر عدلاً،فلا يجوز و الحال هذه أن تقع بعض الفئات التونسية من البرجوازية الريعية،والعصابات المافياوية،وبعض النخب الحاملين لعقليات إيديولوجية ضيقة الأفق، أن يسقطوا في موقف اللحظة التاريخية من ممارسة بعض أوجه العنصرية ضد الأفارقة المهاجرين غير الشرعيين القادمين من بلدان إفريقية ،أصبح الفقر ينهش شعوبها، من جراء فشل برامج التنمية في العديد من البلدن الإفريقية ، وبسبب ضغوط الاقتصاد الليبرالي العالمي الأمريكي على إفريقيا.
فباتت البلدان الإفريقية جنوب الصحراء تعاني من التخلف،ولم يبق أمام الفئات الفقيرة منها،والعاطلة عن العمل ،سوى العودة إلى “مُجتمع العبيد”، من خلال التوجه نحو الهجرة المتزايدة للشمال خاصة (إيطاليا -وبعض الدول الأوروبية الأخرى )، وما يصحب ذلك من مشاكل تؤدي إلى عدم الاستقرار على الضفة الجنوبية المتوسطية ، حيث تحولت تونس إلى منطقة عبور لهؤلاء المهاجرين غير الشرعيين،وما يَسْتَدْعِيَ ذلك من أفكارٍ ردعيةٍ وبوليسيةٍ لاحتواءِ هذا التهديد السكاني.
فقد حذّر ناشطون ومواطنون تونسيون على موقع التواصل الاجتماعي من خطورة ما يحدث في صفاقس من إمكانية امتداده لمدن أخرى، مطالبين السلطات التونسية بالتدخل وإيجاد حلّ للمهاجرين غير النظاميين الذين يزداد عددهم في المدينة الساحلية.فمشكلة المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين لا تُحلّ محليا بالهجمات والاشتباكات بين التونسيين والأفارقة ، بل على الدولة أن تتدخل بقوانينها وإمكاناتها لكي لا يؤول الأمر إلى حرب شوارع وصراعات عنصرية بين أهل المدينة والمهاجرين.
لقد أصبحت الهجرة غير الشرعية تشكّل تهديداً حقيقياً لأوروبا التي تستضيف معظم المهاجرين من الشمال الأفريقي، ومن بلدان جنوب الصحراء ،وبلدان التوتر في منطقة الشرق الأوسط. ولهذا، فإنَّ الآثارً الأمنيةَ لا تقتصر على الدول الأوروبية،وخاصة إيطاليا،بل حتى الدول المُصَدِّرة ودول العبور مثل تونس ، فهي تُلاَقِي كَثِيرًا من المشاكل، منها: أن تَكُونَ مَسْرَحًا للعصاباتِ الإجراميةِ في مجالِ تهريب المهاجرين غير الشرعيين(توانسة و أفارقة) وجَمْعِ الأمْوَالِ بأيِّ طريقةٍ، وتَزْوِير العُمْلاَتِ، والْمُتَاجَرَةِ فِي الْمُخَدِرَاتِ، وانتشار ظاهرة التسول والدعارة من الذين لا يتمكّنون من المغادرة عبر الشواطئ التونسية،وغيرها من الأعمال الإجرامية التي تسببت في هدم الطمأنينة لأمن المواطن والدولة في تونس، مما دعاها إلى زيادة الموارد المالية والبشرية، لتلافي هذه المشكلة..
خاتمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة: أصبحت تونس هذا العام النقطة الأهم انشغالا والتي يستخدمها المهاجرون للمغادرة باتجاه إيطاليا، حيث يحاولون منها السفر باتجاه الدول الأوروبية الأخرى، إذ تثير حركة المرور للمهاجرين غير الشرعيين، المشاعر المعادية لهم في تونس ، وكذلك المشاعر الشعبوية المتطرفة، ليس في إيطاليا فقط،ولكن في الانتخابات البرلمانية الأوروبية العام المقبل،بعد أن أصبحت مسألة الهجرة بطاقة ساخنة بيد الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا
في النهاية،لا بد من معالجة أزمة الهجرة من مصدرها، ما يعني توسيع التعاون وتنظيمه مع دول المصدر والمعبر. وهذا يعني منح الدول الأوروبية المزيد من مساعدات التنمية إلى تونس و بلدان جنوب الصحراء ،وكذا الاعتراف بأنَّ غياب الأمن والمساواة والنزاع وأزمات التغير المناخي، هي العوامل الرئيسية وراء الهجرة غير الشرعية ، وهي مشاكل ساهمت الدول الأوروبية، و النظام الاقتصادي الليبرالي العالمي المتوحخش بزعامة الولايات المتحدة في خلقها.
وتحاول دول الاتحاد الأوروبي ،إغلاق مسار مهم للمهاجرين إلى القارة الأوروبية بعرض مالي سخي إلى تونس ،ولهذا جاءت زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسلا فوند لين ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، حيث سيقدم الاتحاد الأوروبي لتونس قرضا بـ 900 مليون يورو ومنحا بـ 105 ملايين يورو. وسيتم استخدام المنح لتعزيز السيطرة على الحدود وملاحقة المهربين للمهاجرين وعمليات البحث والإنقاذ. ويشبه النموذج الحالي ما تم التوصل به مع تركيا عام 2016، والتي منحت من خلاله أنقرة 6 مليارات دولار للحد من اللاجئين المتجهين من سوريا إلى أوروبا.
وكانت تونس قد رفضت رسمياً مقترح الاتحاد الأوروبي لإقامة مراكز لجوء على أراضيها فضلًا عن الجزائر والمغرب، كما رفضت تونس مقترحات تقدمت بها خلال سنة 2016 كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أن تكون ملاذاً مؤقتاً لاستقبال المهاجرين واللاجئين من أوروبا ومن جنسيات مختلفة عربية وافريقية حتى تقوم فيما بعد بفرز وضعياتهم وتتولى تقديم طلبات اللجوء من تونس، أو يتم ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية مقابل وعود مالية واقتصادية.
ويرفض الرئيس التونسي قيس سعيَّدْ أن تقوم الدولة التونسية بدور حارس الحدود لأوروبا،وإن كان يأمل أن تؤدي الصفقة مع أوروبا لتسهيل الطريق أمام المحادثات مع صندوق النقد الدولي لحزمة إنقاذ، وتعثرت المحادثات بشأن قرض بقيمة 1.9 مليار دولار منذ أكتوبر 2022،بعد اتفاق على مستوى الخبراء، بسبب رفض الرئيس قيس سعيَّدْ بشكل قاطع فكرة خفض الدعم، وبيع شركات مملوكة للدولة.
وقال سعيد إن أي تخفيضات مطلوبة في الدعم، ومعظمها في الطاقة والغذاء، يمكن أن يكون لها تداعيات ضارة على البلاد، وبحسب رويترز، أشار إلى أعمال شغب مميتة شهدتها تونس عام 1983 بعد الإعلان عن رفع الدعم عن الحبوب ومشتقاتها.كما قال محافظ البنك المركزي، مروان العباسي، في وقت سابق هذا الشهر، إن تونس تعمل مع صندوق النقد الدولي على برنامج إصلاح اقتصادي عادل يأخذ في الحسبان الفئات الأشد احتياجا.
ويمثل حجم الدين الحكومي في تونس نحو 80% من الناتج الإجمالي المحلي، وبدأت الدولة التي تعاني مشكلات سياسية واقتصادية محادثاتها مع صندوق النقد الدولي مطلع العام الماضي.
وانخفض الاحتياطي النقدي الأجنبي في تونس من 9.8 مليار دولار عام 2020 إلى 6.8 مليار في الوقت الحالي، كما تواجه البلاد نقص متكرر في سلع مثل السكر والأرز، كما أن الصيدليات لم تعد تملك مخزونًا من عشرات الأدوية.
سعت إيطاليا إلى الضغط على دول الاتحاد الأوروبي لاتخاذ خطوات عملية نحو إيجاد حلول لتجنب انهيار الاقتصاد التونسي ويتضح التأثير الإيطالي من الزيارات الأخيرة لمسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى تونس وتصريحاتهم، فقد أكد مفوض الاتحاد الأوروبي للاقتصاد باولو جينتيلوني في تصريات تلفزية على “ضرورة الحفاظ على استقرار تونس وتجنب التخلف عن السداد”، وفق ما نقلته وكالة نوفا الإيطالية للأنباء الأسبوع الماضي.والخميس الماضي، تم توقيع اتفاق بين الحكومة التونسية والبنك الدولي، لتمويل مشروع خط الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا بقيمة تناهز 268 مليون دولار، فيما اعتُبر إشارة لبدء فك ما يشبه الحصار الاقتصادي.
تعاني تونس من أزمات اقتصادية و اجتماعية ، مثلها في ذلك مثل باقي الدول العربية في كل من المغرب ومصر والسودان ولبنان وسوريا والأردن واليمن،وهي البلدان العربية التي تحتاج إلى مشروع مارشال عربي لإنقاذها من براثن الفقر.
فهنا ك انقسام واضح داخل العالم العربي بين دول خليجية عربية غنية بمواردها النفطية والغازية وقليلة السكان ،ودول عربية أخرى فقيرة بالموارد الطبيعية،وتحتاج اقتصاداتها إلى ضخ استثمارت مالية كبيرة لتحقيق مشاريع تنموية مستقلة.
خلال السنتين الأخيرتين تدفقت السيولة النقدية الضخمة على الصناديق السيادية الخليجية جراء قفزات أسعار النفط والغاز عقب اندلاع حرب أوكرانيا ،فتراكمت الفوائض المالية لديها لتتجاوز 3 تريليونات دولار، فضلاً عن احتياطيات أخرى بالنقد الأجنبي تتجاوز 650مليارات من الدولارات.
لكنَّ الدول الخليجية ضخت مئات المليارات من الإستثمارات في شرايين قطاعات وأنشطة الاقتصاد الرأسمالي العالمي ،وحظيت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي بنصيب الأسد من هذه الاستثمارات سواء كانت مباشرة وفي مشروعات نفط وغاز وطاقة وخدمات مالية وتكنولوجيا معلومات، أو إنتاجية أو خدمية أو عقارية، أو غير مباشرة مثل الودائع المصرفية والاستثمارات في البورصات وأسواق المال وأذون الخزانة والسندات.
فبلغت إجمالي الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة نحو 800 مليار دولار، والكويتية 400 مليار، والقطرية 60 ملياراً، والإمارتية 45 ملياراً.ومؤخراً، توجهت الصناديق الخليجية شرقاً، إذ استثمرت مليارات الدولارات في الصين والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة واليابان وأستراليا وغيرها من الدول الصاعدة، وحتى إندونيسيا وماليزيا وباكستان وتايلاند حظيت بنصيب من الاستثمارات الخليجية. كما امتدت تلك الاستثمارات إلى دول بأميركا اللاتينية وآسيا الوسطى وجنوب شرق أسيا.
ورغم أنَّ هذه الاستثمارات الضخمة قادرة أن تجعل من الدول العربية الغنية في موقع القيادة للاقتصاد العالمي، فإنَّنا نجد عزوفًا كبيرًا من جانب الدول الخليجية للإستثمار في الدول العربية الفقيرة.فالمبلغ المالي الذي تناضل الدولة التونسية من أجل الحصول عليه من جانب صندوق النقد الدولي 1.900 مليار دولار، يُعدُّ مبلغًا صغيرًا جدًّا، فَلِمَ لا تفضّل الدول الخليجية الاستثمار في تونس ، أو في دول عربية أخرى ،حيث توجد كل المقومات فيها من فرص استثمار جذابة ومربحة وأيدٍ عاملة رخيصة وموقع استراتيجي؟
الجواب واضحٌ ، ترفض الدول الخليجية الغنية الاستثمار في الدول العربية ،لأنَّها تريد إنقاذ النظام الرأسمالي العالمي الليبرالي الأمريكي المتوحش من السقوط،وإبقاء الشعوب العربية في حال تخلفٍ وفقرٍ وبطالةٍ وغارقةٍ في العشوائيات والغلاء حتى يسهل السيطرة عليها سياسياً وأمنياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى