من النكسة إلى الهزائم
بقلم: د. موسى الحمداني/ لندن

كان عدوان سنة ١٩٦٧ سريعاً خاطفاً و سجلت فيه إسرائيل انتصاراً مشهوداً يضاف إلى انتصارها الساحق سنة ١٩٤٨. كانت الأمة العربية تعتبر الدفاع عن فلسطين واجباً قومياً لا تقدر أي دولة عربية أن تتردد فيه أو تتخلف عنه. في الحربين كانت إسرائيل تقاتل الجيوش العربية (في ذلك الوقت مصر، سوريا، لبنان، الأردن، العراق، السعودية و اليمن) و تنتصر عليها ببساطة مما كان يسبب ارتياحاً في الغرب و انبهاراً بالقدرات العسكرية لدولتهم الصنيعة. كانت مشاركة بعض الدول العربية رمزية و لم تؤثر على سير المعارك أو توازن القوى لكن وجودها على قائمة الدول المشاركة في الحرب زاد من حجم الانتصار الإسرائيلي في عيون العالم الغربي و انبهاره بتلك الدولة الصغيرة ”و المتقدمة“ و التي لا تكاد تظهر في خارطة العالم و هي محاطة بذلك المحيط الشاسع من ”التخلف“ العربي. كان الإعلام الغربي الليبرالي لا يزال متعطشاً لمزيد من النجاحات اليهودية كدليل لهم على تفوق اليهود ليحارب به موجة معاداة السامية التي كانت مستشرية في أوروبا. الحقيقة الساطعة كانت تصرخ بغير ذلك فإسرائيل، على صغرها، كانت مدججة بأحدث الأسلحة الغربية و المساعدات العسكرية غير المحدودة. التفوق العسكري لدولة صغيرة مثل إسرائيل على الدول العربية كان مشابهاً لتفوق الأسطول السادس على جيوش أوروبا، فإسرائيل منذ تأسيسها تقوم بوظيفة قاعدة عسكرية كبيرة.
كانت هزيمة العرب سنة ١٩٤٨ كارثية و نتج عنها فجيعة الأمة العربية بإصابتها بذلك البلاء البغيض الغريب المتمثل في إسرائيل و الذي زرعته القوى الاستعمارية في قلب الوطن العربي ليستفحل فيه كما يستفحل السرطان الخطير. لم يتحمل أحد مسئولية الهزيمة سنة ١٩٤٨ و لم يلصقها العرب بأي حاكم أو مسئول و تُرِكت مشاعاً يتفرق دمها بين القبائل و الحكام. أما في سنة ١٩٦٧ فقد واجه جمال عبد الناصر الشعب و أعلن أنه هو المسئول مسئولية كاملة عن ما حدث و قدم استقالته من كل مناصبة و اختار رفيق كفاحه زكريا محيي الدين ليتسلم رئاسة الجمهورية. حرب ١٩٦٧ أكدت لعبد الناصر حقائق كان يعرفها مسبقاً مثل أن الحرب لم تكن مع اسرائيل فقط بل مع من هم وراءها بالدعم و السلاح و الاستخبارات. ثم لم تغرب عنه حقيقة أنه شخصياً كان مستهدفاً من العدوان لوقف برنامجه العروبي الطموح. أشار إلى ذلك في خطابه و ذَكَّر القوى الاستعمارية بأن عدوهم في الحقيقة ليس جمال عبد الناصر و إنما الأمة العربية كلها، و كان صادقاً في ذلك كل الصدق، فهو لم يفرض سياسته على الأمة العربية و لكن الأمة العربية فرضتها عليه، فالبطل لا يصنع نفسه و إنما تصنعه أمته. لكنه أدرك أيضاً أنه بسبب تلك السياسة الوطنية تعرضت بلاده لتلك الهزيمة المنكرة و خشي أن تكون مسيرته الطموحة أرهقت الشعب المصري و حَمَّلته أكثر مما يطيق. توقع الرئيس المستقيل أن الشعب المصري تحت رئاسة زكريا محيي الدين ربما سيختار اتجاهاً سياسياً مختلفاً .. و ما كان أبعد ذلك عن الحقيقة! خرجت الجماهير إلى الشوارع بالملايين رافضةً الاستقالة رفضاً قاطعاً، كما رفضها زكريا محيي الدين نفسه الذي أصرَّ أنه لا يقبل رئيساً إلا جمال.
لم يكن تمسك العرب بعبد الناصر لشخصه و إنما لما كان يمثله من اعتزاز قومي و إصرار على النضال لتحقيق أهداف الأمة العربية. كان موقف الشعب المصري يومي ٩ و ١٠ يونيو سنة ١٩٦٧، و معه الأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها، بمثابة رسالة للغرب و اسرائيل بأن هذه الأمة ترفض الإستسلام وتصر على مواصلة النضال. ذلك الموقف العظيم للشعب المصري كان تاريخياً فريداً أصاب العالم بالذهول و حوَّل الهزيمة العسكرية إلى مجرد عثرة أو نكسة في مسيرة النضال المستمرة. و كذلك كان موقف مصر التي نهضت من كبوتها و استقامت على أرجلها و شرع أبطالها يصححون التاريخ و يكيلون للعدو الضربة تلو الضربة و يغرقون المدمرة ايلات و يستنزفون العدو في حرب لا هوادة فيها طيلة ثلاثة سنوات و يتوجون ذلك بمعركة العبور.
بعد عشرات السنين من الحملة الشعواء لتشويه صورة الزعيم، اصبح قطاع من العرب يربط الهزيمة العسكرية سنة ١٩٦٧ بمصر فقط و بالذات برئيسها و يتناسوا ان الهزيمة لحقت بكل الدول العربية التي دخلت الحرب. منطقهم في ذلك أن ”الاعتماد كان على مصر لأن جيشها كان قوياً اما الجيوش الاخرى فكانت ضعيفة و غير مستعدة و لا نستطيع ان نلومها“. لكن لماذا كانت جيوش تلك الدول ضعيفة؟ و لماذا كانت غير مستعدة؟ و ما الذي كان يمنع تلك الدول من أن تبني جيوشاً قوية كما فعلت مصر؟ خاصة أن بعضها على درجة من الثراء؟ قد يتفاخر بعض المسئولين العرب بمشاركتهم في الحرب ضد إسرائيل، و معهم في ذلك كل الحق و فلسطين لن تنسى الأبطال الذين دافعوا عنها، لكن ليس من الشهامة أن يتنصل الجميع عندما تذكر الهزيمة على اعتبار أن الهزيمة كانت هزيمة مصر!
هناك مجموعات من العرب هذه الأيام سواء من بعض الليبراليين أو الإخوان المسلمين أو الرجعيين الذين يتمتعون بذكرى الهزيمة و يعتبرونها مناسبة سنوية للصيد في الماء العكر و النيل من عبد الناصر و الطعن في مبادئه و مسيرته. و لا يستحون من أن هدفهم من ذلك هو نفس هدف إسرائيل (و القوى الغربية التي تدعمها) و هو أن يتخلى العرب عن السياسة الوطنية المستقلة التي كان يتبعها الزعيم. منطقهم في ذلك أن تلك السياسة أدت بنا إلى هزيمة عسكرية فالحل إذاً يكمن في نبذها و الابتعاد عنها. و فعلاً و منذ السبعينيات تخلت الحكومات العربية عن سياسة عبد الناصر و هاجمها الإعلام الرسمي بضراوة و لا تزال الدول العربية تتخذ مساراً معاكساً لها تماماً إلى هذا اليوم. و هكذا و منذ نصف قرن و الأمة العربية تجني و تأكل الحنظل و العلقم و ما هو أمَرَّ مما أفاضت به علينا سياسة الاستسلام.
يزعمون أن السياسة الوطنية لعبد الناصر أدت بنا إلى النكسة، لنستعرض الآن الذي حصدته الأمة العربية بعد نبذ تلك السياسة:
لبنان: اندلعت فيه حرب اهلية أكلت الأخضر و اليابس و أعادت ما كان يعرف ”بسويسرا الشرق“ قرنا كاملاً إلى الوراء. إلى الآن و بعد نصف قرن لم يتعافى لبنان من جراح الفتنة التي غَذَّتها دول الخليج و حولته إلى دولة فاشلة. إلى الآن لا توجد في بيروت (باريس الشرق سابقاً) شبكة كهرباء!
مصر: بعد أن كانت سيدة العالم العربي و تتربع على عرش قيادته كانت أول من اعترف باسرائيل و عقدت اتفاقية سلام معها ثم تقهقرت كثيراً الى الخلف و فقدت مكانتها الصناعية و العلمية و الاقتصادية ( رغم المعونات الاميركية) و وقعت ضحية للطائفية المقيته.
العراق: ثاني أقوى الدول العربية تورط من حرب إلى حرب حتى فقد الملايين من أبنائه ما بين قتيل و جريح و لاجىء و وقع تحت الاحتلال الذي قَسَّمه إلى دويلتين و تركه دولة فاشلة و أرضا مشاعاً تجتاحها تركيا كلما أرادت و مرتعاً للارهاب.
الجزائر: عانى من حرب اهلية دموية راح ضحيتها مئات الآلاف.
ليبيا: و قعت ضحية الناتو بلا أي ذنب اقترفت و تلاشت فيها معالم الدولة و لا احد يعرف ماذ سيكون مصيرها أو عدد دويلاتها.
السودان: لم يبق للعرب منه إلا نصفه! فقد أنهكته الحروب اهلية منذ عقد السبعينيات و تسببت في مجاعات و هجرات وأدت الى تقسيمه ما بين شمال و جنوب و لا يزال ضحية الحروب الأهلية.
الصومال: لم تقم له قائمة منذ السبعينيات و تحول الى دولة فاشلة لا تُذكر إلا كمعقل للإرهاب و القرصنة البحرية. تشرد ابناؤه منذ عقود في شتى أنحاء العالم و فقد الكثير منهم هويتهم العربية.
سوريا: تضافرت عليها قوى الشر من الغرب و أعوانهم في الشرق من صهاينة العرب و اليهود و الاتراك، لكنها قاومت و استبسلت بنجاح و صمدت لكل محاولات النيل منها. كان ثمن صمودها باهظاً و و فقدت الملايين من القتلى و الجرحى و المشردين.
اليمن: تآمر عليه جيرانه العرب و و قع ضحية عدوان غاشم بقيادة الجارة السعودية و بمساعدة الدول الغربية. لا يزال اليمن يعاني من ظلم ذوي القربى الذي أدى إلى تدمير البلاد و العباد و الملايين من القتلى و الجرحى و المشردين.
كل هذا كان مجرد غيض من فيض… و لا يزال الحبل على الجرار!
انهارت الدول العربية التي رفضت أو ترددت في قبول التطبيع و لم يبق لنا إلا ما رضيت عنه إسرائيل!
أضف إلى ذلك أن أمل العرب بالوحدة الكبرى، و الذي كان في يوم ما قاب قوسين أو أدنى، لم يتحقق بل صار يُسْخَر منه و يُستهزأ بفكرته و لا تزال الدول العربية متشرذمة و متناحرة. توحيد الدول العربية في دولة واحدة كان و لا يزال البعبع الأكبر الذي تخشاه الدول الكبرى و تحول دون تحقيقه.
قياساً الى تلك القائمة الطويلة من الهزائم و انهيار الدول و تدمير الأوطان و تقتيل الشعوب و إذلالها و نشر البؤس و اليأس في قلوب أهلها فإن نكسة ١٩٦٧ تبدو بالمقارنة و كأنها كانت انتصاراً! فعلى الأقل بعد النكسة بقيت مصر دولة متماسكة بكل أجهزتها و لم يتشرد مصري واحد. في تلك الأيام كانت كلمة ”لاجئون“ مقصورة على الذين تشردوا من الشعب الفلسطيني لكنها الآن تستعمل للإشارة إلى الملايين من العراقيين و السوريين و اللبنانيين و الليبيين .. أو غيرهم من جحافل المشردين العرب. للأسف أصبح العالم العربي أكبر مُصدِّر للّاجئين في العالم! في الماضي كانت خسائر العرب من الأراضي تقاس بالأميال المربعة أما الآن فأصبحت تقاس بالأقطار و الدول.
و مع ذلك تبقى النكسة أحب الهزائم لأصحاب القلوب السوداء و النفوس المريضة الذين لا يهمهم في هذه الدنيا شيء غير أن لا يذكر الزعيم بخير أبداً.



