إردوغــانُ الفــائزُ !!
بقلم: أحمد عمرو/ بيويورك
1 –
فازَ الأحدَ الماضِيَ ( ٢٨ / ٥ ) الرّئيسُ رجبُ إردوغانَ بولايَةٍ ثالثةٍ ، في انتخاباتٍ رئاسيةٍ جادّةٍ ، لا تَخْلو مِنْ ملاحظاتٍ تُلاحَظُ علَيْها ، وَ فوائدَ تستفادُ منهَا ، نُوجِزُ مِنْها ما يَلِي :
• أنَّ الأُمّةَ التُّركيّةَ قَدْ أقامتْ مثالاً لا سابقَ لهُ في العالَمٍينَ ، في نسبةِ الناخبينَ في الدورتينِ ، وأنّها كانتِ انتخاباتٍ نزيهةً ، شريفةً ، بعيدةً عَمّا يجترِمُ المتنافسونَ في أكْثَرِ بقاعِ الأرضِ ، من السرقةِ والتزويرِ ، وافتعالِ الجرائمِ ، والاتهاماتِ ، ولن نطيلَ في هذا بتكثيرِ الأمثلةِ ، ولكِنْ نذكّرُ بانتخاباتِ خريفِ ٢٠١٩ م في الولاياتِ المتحدةِ ، الَّتِي مَيّزَها الهَرَجُ ، وَ هُجُومُ الغَوْغاءُ عَلَىٰ مبنَىٰ الكُونْجْرِسِ ، وَ تأخَّرَتْ نتائجُهَا ، ورفعَ الرّئيسُ ترمپُ عقيرتهُ فيها باتهامِ الديمقراطيينَ بالتزويرِ ، وكفىٰ بهَٰذَا مثلاً .
• وربّما يكونُ مِنْ تفاصيلِ ذلكَ ، أن يَرَىٰ المَرْءُ الأمّةَ التركيةَ قَدْ قطعتْ شوطاً بعيداً في التّمَدُّنِ والحِضارةِ ، والاعتصامِ بأسبابِ الفلاحِ ؛ فَقَدْ جرىٰ العملُ الانتخابيُّ في سلاسةٍ وسَلمٍ وَ الْتِزَامٍ ؛ ” مَنِ انخدش ؟ مَنِ انطبش ” ؟ لا أحدَ ، بعدَ أنْ كانَ إشْهارُ السلاحِ ، وإرسالُ الرصاصِ في الشوارعِ والبرلمانِ ” دأباً ” انتخابيّاً لدَيْهِمْ إلَىٰ عهدٍ قريبٍ .
• أنّ الناسَ يضعونَ موازينَ حاكميهم بالقسطِ ؛ فخيرهمُ الكثيرُ ، وَ نظافَةُ أيديهِمْ ، وخدمةُ بلادِهم ، تُثقِلُ ميزانَهُمْ ، وَ تصرفُ النظرَ عَمّا تنقُلُ الألسنةُ مِنْ بَعْضِ تَقْصِيرِهِم ، كَتراجُعِ سعرِ العملةِ ، أوْ تَغَاضِيهِم ، كمَا يُقالُ في سيرةِ خَتَنِ إدروغانَ ، سلجوقَ بيرَقْدارَ ، أوْ فِي مسلسلِ التقلُّبِ بينَ السياسيينَ ؛ كُلّ سنةٍ هُوَ في شأنٍ جديدٍ ، وإدارةِ الظَّهْرِ لحليفٍ عَتيدٍ ، كما فعلَ معَ عَبْدِ اللهِ غُلّ ، وَ أحْمَدَ داوودَ أوغْلو ، وعليّ بابانَ ، وكثيرٍ غيرِهم .
• لا نَرْتَابُ ، في أنّ هذهِ الانتخاباتِ ستؤثّرُ تأثيراً بالغاً في جيرانِ تركيا ، العَرَبِ مِنْهُم خاصّةً ، وأنّ مَهَازِلَ ( ٩٩،٩ ٪ ) ستُطوىٰ في نصفِ بلادِ العربِ إلىٰ غيرِ رجعةٍ ، وربّما تمتدُّ آثارها إلَىٰ نصفِ العربِ الآخرِ ، الّذِي لا يمارسُ مِنْ هَٰذَا شيئاً ؛ فالعربُ في أمرِ الانتخاباتِ قسمانِ كَمَا تعلمُ ؛ فريقٌ في جهنّمَ ، وَ فريقٌ في السَّعِيرِ .
• أنّ الجمهورَ الغالبَ مِنَ الأمّةِ التُّركيّةِ ، أصبحَ يميلُ إلَىٰ الإسلامِ ، وَ يقدّمُهُ ، وَ يَرَىٰ أمِينةَ غُلْبَرَانَ مُحتشِمَةً بلباسٍ ساتِرٍ كَمَا أمَرَ اللهُ ، فينتخِبُ زوجَها رئيساً ، ولا يعبأ بما يقولُ المُجاهِرونَ بِبَغضاءِ المسلمينَ ، حيثُ يُحْرَقُ كِتابُ اللهِ ، وَ يكَرَّمُ سَلْمانُ رُشْدِي تَكْرِيماً .
• أنّ الدّولَ الغَربَيّةَ الديمقراطيّةَ “جِدّاً ” كانَ لها هوًى ، وتحريضٌ وتمنًياتٌ بسقوطِ إردوغانَ ، وقَدْ رأى الناسُ وسمعوا كَيْفَ خرجَ الرّئيسُ بايدنُ عَنْ سمتِ رُؤساءِ الدُّوَلِ في حفظِ اللسانِ ، وَ زِنَةِ ما يَلْفِظُ مِنَ القَوْلِ ، وصارَ يتكلّمُ علانيةً عن إزاحةِ ” الدكتاتور ” إردوغانَ .
ولَٰكِنّهم لم يَتَوَغّلوا في تركيا إلَىٰ القباحةِ وَ الإجرامِ اللّذينِ رأيناهمَا منهمْ في بلادٍ كثيرةٍ لأسبابٍ ، منهَا أنّهم يحتاجونَ إلى تُرْكِيا في سوريةَ ، لمشاغلةِ الجيشِ السوريّ ، وشَدّهِ بعيداً عَنْ حُدودِهِ الأُخَرِ ؛ فإنّكَ تَرَىٰ كَيْفَ يبلغُ التَّنًمُّرُ ” الإسرائيليُّ ” والعَرْبَدَةُ هَٰذَا المَدَىٰ مِنَ التَّعَدّي غيرِ المسبوقِ مُنْذُ قيامِ دولَتِهم ،وَلولا أنّ نصفَ الجيشِ السوريّ يواجهُ تركيا ومسلّحيها لمَا كانَ هَٰذَا ” المُسَلْسَلُ ” ، أوْ لمَا كانَ عَلَىٰ هذهِ الوَتِيرَةِ الَّتِي نرَىٰ بَتَّةً .
وكذلكَ القَوْلُ في الوُجودِ الأميركيَّ الّذِي ينامُ مَلْءَ جُفُونِهِ في ” التّنْفِ ” ، وَ يسرقُ النّفطَ السّوريَّ جهرةً ، والنّاسُ ينظُرونَ .
وَمِنْها أنّ الحَدَثَ التُّرْكِيَّ هَٰذَا ليسَ ثورَةً شاملَةً تهدّدُ نفوذَهُم مِنْ قواعِدِهِ ، كَمَا كانَ الأمرُ في كوبا ، وإيرانَ ، ونيكاراغْوا ، فَتركيا لَمْ تَزَلْ في حِلْفِ شَمالِ الأطلسيِّ ، كَفَهْدٍ فِي حَظِيرةِ الحَيوانِ ؛ يَغُطُّ ، وَ يُخَرْخِرُ وَ يُخالفُ وَ يَغْدو وَ يروحُ ، وَ ” يُبَرْطِعُ ” ، ولكنّهُ في ” القفصِ ” لم يبْرَحْ ، فأمّا إذا اشتَدَّ عودُهُ ، وَ طَمِحَتْ نفسُهُ ، فللْعُقْدَةِ حَلٌّ أميرِكِيٌّ جاهِزٌ ، وَمَا مِثالُ عدنانَ مَنْدَريسَ في تركيا ، أو محمّدِ مُصَدّقٍ فِي إيرانَ ، وَ سَلبادورَ ألْيِنْدِي في تشِلِي ، وَعُمَرَ تورّيٰخُوسَ في پانَمَا .. بِبَعيدٍ .
2 –
• لكِنّ ما يلحَظُ المُلاحِظُ مِنْ جانبٍ آخرَ ، أنّ جماهيرَ الأمّةِ التّركيّةِ لَمْ تنظُرْ إلَىٰ التّدَخّلِ التركيِّ في سوريّةَ ، وَلَمْ نَرَهُ عملاً ظاهِراً في بياناتِ المتنافسينَ .
ولا يبعُدُ أن يكونَ في هَٰذَا كشفٌ عَنْ شوقٍ استعماريٍّ قديمٍ ، بأنّ سوريةَ كانتْ ” لَهُمْ ” وَ ماذَا في أن تَعُودَ كذلك ؟ وَ أنْ يفْعَلُوا فيهَا ما فَعَلُوا ، وَ في أنْ يُدَمّروا – مِمّا دَمَّرُوا – نصفَ حلبَ ، وَ يَفْتَحُوا حُدُودَهُم لِنَقْلِ ثلاثةَ ءالافِ مصنعٍ مِنْها – قَلَّ أوْ كَثُرَ – إلَىٰ غازي عنتابَ ، وَ أضَنَةَ ، ومرسينَ .
وَمَنْ يزُرْ مِنَ العَرَبِ تُرْكِيا ، وَ يخالطِ الناسَ هناكَ يجِدْ – إلَىٰ أخْذِهم أنْفُسَهُم بالعِزَّةِ والتّرَفُّعِ – هَٰذَا الأمْرَ ماثلاً في كَلِامَهِم ، وَ يسْمَعُهُ في لحنِ ما يقولونَ أكثرَ ، بَلْ إنّكَ لا تعْدَمُ أنْ تسمعَ ذلكَ اللحنَ من كبِارِ رجالِ دولتِهم أيضاً ؛ فَقَدْ زارَ الرّئيسُ تورغوتُ أوزالَ دمشقَ سنةَ ١٩٨٧ م ، وكانَ لكلامِهِ عَنْ سوقِ الحميديةِ هَٰذَا المعنىٰ ؛ إذْ ” شعرَ ” أنّهُ في إسطنبولَ !
• وَمِنَ العَجَبِ المتّصِلِ بهَٰذَا ، أنّ التكتُّل المنافِسَ لإردوغانَ ، لَمْ يأخُذْ عليهِ طريقَهُ ، بالكلامِ عَنْ علاقَتهِ بتنظيمِ ” داعشَ ” الإجْرامِيِّ ، الّذِي كانَتْ تُرْكِيا تشتَري منهُ النفطَ السوريّ المسروقَ بربعِ سعرِهِ العالمِيِّ حِينَئذٍ ، وَ تُصَدِّرُ لفَائدَتِهِ كِفْلاً مَعْلوماً منهُ ، مِنْ ميناءِ چيٰيْهَانَ التّركيِّ إلَىٰ ميناءِ ” إسدودَ ” في الأرضِ المحتَلّةِ ، وَهُوَ أمرٌ ثابتُ الشواهدِ ، فلا يُدْحضُ ، فكيفَ يغيبُ هَٰذَا عَنْ بالِهم ، إلّا لأنَّهُمْ ، إيّاهُمْ وَ إردوغانَ في ذلكَ سواءٌ .
بل إنّ الجيشَ التركِيَّ – في التعاونِ مع ” داعش ” – لَمْ يَتَهاوَنْ وَ يغُضَّ النّظَرَ عَنْ جرائمهِ في قتلِ المسلمينَ ( السُّنَّةَ ! ) الكُرْدِ في ” عينِ العربِ ” عَلَىٰ الحُدُودِ حسْبُ ، ولكِنْ شارَكهُ غيرَ مَرّةٍ في قصفِ هؤلاءِ المساكينِ ، الَّذينَ كانُوا يذُودونَ عَنْ أعْراضِهم ، فَلَا يُفْحَشُ بِنِسائهِم ، وَ لا يُسْبَيْنَ .. بالمدافعِ ، وتهديمِ بُيوتِهِم عليْهِم ، سَنَتَيْ ٢٠١٤ وَ ٢٠١٥ م .
• وَمِنْ ذلكَ ، أنّ هَٰذَا التكتّلَ لم يُشِرْ إلَىٰ دعمِ إردوغانَ لنظامِ إلهامِ علييڤَ في آذربيجانَ ، بالسلاحِ ، ونقلِهِ المُسَلّحينَ مِنْ شمالِ سوريةَ إلَىٰ جَبْهَةِ ناغُورنو كاراباخ ، الّذِي كانَ مِنْ نتائجِهِ أيضاً ، أن توَطَّدَ الوُجودُ ” الإسرائيليُّ ” في آذَرْبَيْجانَ فَوقَ مَا كانَ لهُ مِنْ قبلُ ، وَصارَ لِ ” إسرائيلَ ” محطاتُ مُراقبةٍ وَ تنَصُّتٍ ، وَ استراقِ سمعٍ عَلَىٰ إيرانَ ، مِنْ قَرِيبٍ جِدّاً في شَمالِها الغربيّ .
• وَمِنْ ذلكَ أنَّكَ لا تَرَىٰ لِفِلِسطينَ ذكراً ، في هَٰذَا العُرسِ الانتِخابِيِّ في تُرْكِيا ! وَ أنَّ خصومَ إردوغانَ لَمْ ينظُروا إلىٰ ما كانَ مِنْ علائقِهِ القديمَةِ والحديثةِ معَ ” إسرائيلَ ” فَينالُوا منهُ بِها ، كَأنّما لَمْ يَرَوا فيها هُمُ الآخَرُونَ شيئاً !
فَقَدْ زارَ إردوغانُ الأرضَ المحتَلّةَ ، شهرَ أيارَ سنة ٢٠٠٥ م ، وانتشرتْ رسومهُ مع مجرمِ حربٍ ، كانَ مطلوباً للمحكمةِ الدوليةِ ، في بروكْسِلَ سنةَ ٢٠٠٢ م ، لمسؤوليتهِ عَنْ مذابحِ صبرا وشاتيلا ، في غزوِهِ لبنانَ سنةَ ١٩٨٢ م ، وَهُوَ أرييلُ شارونَ ، الّذِي استفزّ النًاسَ في فلسطينَ سنة ٢٠٠٠ م أيضاً بزيارةِ المسجِدِ الأقصىٰ ، فانطَلَقَتْ لذلكَ الانتفاضةُ الثانيةُ .. زارَهُ إردوغانُ ، وابتسمَ في السلامِ عليهِ ، وَقالَ لهَ شارونُ : مرحباً بكَ في ” أورْشليمَ ” حاضِرَةِ دولَةِ ” إسرائيلَ ” الأبديّةِ ، وزارَ معهُ قبرَ ثيودورَ هيرتزلَ ، وَ وَضعَ عليهِ إكليلاً مِنَ الزهرِ .
3 –
• وَ يُكْتَفَىٰ في مسألةِ تركيا وَ فلسطينَ ، وأنّ ذلكَ لَمْ يكُنْ شأناً ذا بالٍ بينهُم ، بانفتاحِ تركيا الجَدِيدِ عَلَىٰ ” إسرائيلَ ” بعدَ تعكّرِ العَلائقِ بينهما في أعقابِ حادثِ السفينةِ ” مرمرةَ ” سنة ٢٠١٠ م .
فَقَدْ بدأت إشاراتُ المودّةِ تخرجُ مِنْ تركيا ، تجاهَ ” إسرائيلَ ” ثُمّ وجَّهَ الرَّئيسُ إردوغانُ دعوةً للرّئيسِ ” يتسحاك هيرتسوكَ ” لزيارةِ تُرْكِيا ، ففعلَ في ٩ آذارَ مِنْ هذهِ السنةِ ، واستُقْبِلَ بما شاؤوا منَ الحفاوةِ ، وموسيقىٰ البلدينِ ” الصديقينِ ” والتكريمِ .
ثُمّ إنّ لِتُركيا في شأنٍ فلسطينيٍّ قَريبٍ موقفاً زائداً عَمّا سلفَ في هُجْنَتِهِ ؛ فَقَدْ هاجمَ الجيشُ ” الإسرائيليُّ ” مُخيمَ جنينَ يوْمَ ٢٦ / ١ مِنْ هَٰذَا الشتاءِ ، وقتلَ أحدَ عشرَ شابّاً ، فلمْ نسمعِ النّاطِقَ الرّسمِيَّ التُّركِيَّ يقولُ شيئاً .
وَ صادفَ في صباحِ اليومِ التّالي ( ٢٧ / ١ ) أنّ شابّاً فلسطينيّاً يدعىٰ خَيْرِيَّ عَلقمٍ ، قتلَ سبعةَ ” إسرائيليينَ ” في القُدْسِ وجرحَ عشرةً ، وَ أعْرَضَ عَنْ قَتْلِ امْرَأةٍ كانتْ هناكَ ، فلمْ يختَرِ الأتراكُ أنْ يصمتُوا ، كَمَا صَمَتُوا أمسِ ، ولكِنْ جاءَ البيانُ التركيُّ مندّداً بما فعلَ ( الإرهابُ ) بالآمنينَ ” الإسرائيليّينَ ” !
في وقتٍ رأينا جارَةً لنا في هَٰذَا الشرقِ المنكوبِ كاليونانِ ، تلوذُ بالصّمْتِ ، فَلا تقولُ شيئاً بتّةً ، وَ هِيَ الأقَلُّ في العَلائقِ بِنا مِنْ تُرْكِيا ! كَمَا قالَ أُمَيَّـةُ لِوَلَدِهِ العاقِّ :
فَلَيْتَكَ إذْ أُنْسِيتَ حَقَّ أُبُوَّتِي
فعلتَ كَمَا الجارُ المُجَاوِرُ يفعلُ
• هَٰذَا عَنْ تركيا للعربِ وفلسطينَ ، حَتّىٰ إذا بَصُرتَ بالعربِ لِتُركيا ، رأيتَ شيئاً عجَباً ، مِنَ المودَّةِ ، والحَماسةِ وَ الانْدِلاقِ ، وَ قلقِ الليلِ والنهارِ ، ثمَّ نُذورٌ تُنْذَرُ ، وَ صَلَواتٌ وَ بِيَعٌ وَ مَساجِدُ يُدْعىٰ فيها لإرْدوغانَ بالفوزِ وَالتّمكينِ .
وَكَذلكَ الأمرُ لدىٰ كثْرَةٍ كاثِرَةٍ مِنْ أهلِ فلسطينَ ، حَتّىٰ كأنّ انعتاقَهم ممّا هُمْ فيهِ مِنْ بلاءِ زَيْدٍ عَلَىٰ سبعينَ سنةً مِنَ المذَابِحِ وَ التَّنْكِيلِ ، صارَ الآنَ مرهوناً بفوزِ إرْدُوغانَ ، في وِلايَةٍ ثالِثَةٍ !
وَقْدْ سألتُ صديقاً ليَ مِنْ هَٰؤلاءِ مرّةً ، فقلْتُ : ماذا أعطىٰ إردوغانُ فلسطينَ من عُدَدِ القتالِ ؟ فقالَ لا أدري ، فمازَحْتُهُ بأنّ لهُ ما يشاءُ مِنْ محاريبَ وتماثيلَ ، وجفانٍ كالجوابِ ، وَ قدورٍ راسياتٍ ، إنْ عُثِرَ لهُ في غزّةَ ، أوِ الضّفّةِ الغربيّةِ ، عَلَىٰ رصاصةٍ واحِدَةٍ ، جاءَتْ مِنْ تركيا لكفاحِ شعبِ فلسطينَ ، فمَا ربحَ مِنْ الرّهانِ شيئاً ، ولا وجدَ من نصرِ تركيا للفلِسطينِيّينَ الفُقراءِ المغلوبينَ بالحصارِ ، والقهرِ ، والمرضِ ، وشحّ الدواءِ ، والمذابحِ اليوميةِ ، إلّا كلاماً كلاماً .. بَدَأ الآنَ يَتَوارَىٰ .
ثُمّ سألتُهُ هَٰكَذا : أرأيتَ لوْ بذلتْ تركيا لفلسطينَ نصفَ ما بذلتْ في سوريةَ ، أو رُبُعَهُ ، أوِ انقُصْ منهُ قليلاً فكيفَ يكونُ أمرُ فلسطينَ وَ جِهادِها ؟
فَلَا إلَٰهَ إلّا اللهُ ، وَ هَلْ رَأيْتُمْ كَهَٰذَا ؟ يكونُ إردوغانُ في حملتِهِ الانتخابيةِ في شغلٍ شاغلٍ عَنِ العربِ وفلسطينَ ( يا خالي البال يا خالي ) ، وَ يكونُ هؤلاءِ منشغلينَ بصلواتِ الليلِ والنهارِ لإردوغانَ ( والحلو على بالي ) !
• وَيشارُ آخِرَ هَٰذَا إلَىٰ أنّ فريقاً عربيّاً فرّ من بلادِهِ ( مِصْرَ وَ سوريّةَ خاصَّةً ) إلى تُرْكِيا ، نصبَ نفسَهُ ناطِقاً عربيّا لأردوغانَ ، وتمتلئ مواقعُهُ بالتّمجيدِ ، والثرثرةِ ، والزّعمِ بأنهم عَلَىٰ كلِّ شيئٍ في السياسةِ التّركيّةِ تجاهَ العربِ ، و هَٰذَا وَزِيرُ دولَةٍ تُركيٌّ يقولُ لجريدةِ الحياةِ – فيما قرأنا قبلَ بضعِ سِنينَ – إنّ هؤلاءِ العربَ المقيمينَ عندنا ، لا دخلَ لَهُم فيما نعملُ ، ولا نقرأ ما يكتبونَ ، ولا ننظُرُ إليهِمْ في أيّ أمرٍ تأتمِرُ لهُ الدولةُ التركيةُ ، وَهُمْ عَلَىٰ وجَلٍ دائمٍ مِنْ ترحِيلِهِمْ ، إلَىٰ بُلْدانِهم فهُمْ يُثَرثِرونَ وَ يُمَجّدونُ !
فَانْظُرِ الآنَ ؛ الدَّوْلَةُ التركيّةُ في عُرْسٍ انتخابيٍّ للأتراكِ خاصّةً ، وَلَا يَتَعَدّْوْنَهُم ، وهؤلاءِ العَرَبُ ، وَ أولَٰئكَ الفَارُّونَ ، يرقصونَ طرباً واستبشاراً ، في هيأةٍ قريبةٍ جِدّاً من قصَصٍ شعبِيٍّ قصيرٍ ، مشهورٍ لدىٰ العامّةِ في ناحِيَةِ الخليلِ مِنْ فلسطينَ ؛ فيهِ أنَّ النّاسَ رَأوْا فَتًى مُسْتَخَفّاً ، يجريِ وفي يدهِ رَسَنٌ من أمْراسِ الخيلِ ، فقالَ قائلٌ مِنْهُم :
ما لكَ تجري هَٰكَذا وَفي يدِكَ مَرَسْ ؟
فقالَ : أخُو زَوْجِ عَمَّتِي اشْتَرَىٰ فَرَسْ !



