الصيام.. لذّة الحرمان

خلال العقود الستّة الأخيرة، عرفتُ أناساً، أثناء المقام في أوروبا، يصومون أيام الشهر الكريم، كأنها في حقّهم قصاص مُستَنزَل، فيتأزّمون، ويتضايقون ويتأفّفون ويناصبون العداء أغياراً من ديانات أخرى، لمجرّد أنهم يُبيحون لأنفسهم تناول الطعوم في حضرتهم.

كأنّ الواجب يقضي بأن يتضامنوا معهم فيصوموا مثلهم، ممّا يحوّل صيام رمضان كابوساً في وجودهم، الغاية منه التنكيل بهم، بدل أن يكون تحريراً لهم من كل ما من شأنه أن يكبّل إرادتهم، أو يجرّدهم من أسبابٍ هي دليلٌ علي حيوانيّتهم، ولم يطرَدوا من فراديس الربّ إلّا بسبب هذه الحفيرة الشقيّة المدعوّة في اللغةِ فماً، لأن السلف الأول إنّما اقترف خطيئة الخطايا بالتقام الفاكهة من الشجرة الحرام، تلبيةً لنداء نزوةٍ آثمة هي الشهوة لاستخدام قواطع لئيمة برهنت التجربة أن فناءنا رهين الإستسلام لمشيئتها، لأن نشاطها إنّما هو حفرٌ لقبورنا، بقدر ما يبدو تفانياً في إشباع شهيّتنا! وهو ما يعني أن العناية الإلهية اصطفتنا للحرية، عندما فرضت علينا الزهد في استعمال هذه الآلة الوحشية ولو في في حدٍّ أدنى هو الشهر، بل ليس الشهر، بل ليس الشهر، ولكن نهارات هذا الشهر، كي نستطيع أن نتباهى أخيراً بانتمائنا إلى ملّة منزّهة هي الإنس، ولسنا أفراداً في قطعان الحيوان. فرمضان، من هذا المنطلق، ترويضٌ للنفس على الإمتناع.

الإمتناع في حدّه الأدنى، لا الأعلى، رحمةً من العناية الإلهيّة بنا، لأنها الأدرى بضعفنا، برغم استكبارنا وجشعنا في الاستحواذ على كل ما وقع عليه بصرنا، يقيناً منّا بأننا لم نأتِ إلى هذا العالم إلّا لنلتهم كل ما سعى في واقع هذا العالم، حتى إذا عدمنا ما نلتهم، لم نتردّد في التهام بني جنسنا! فلم يخطيء ذلك الحكيم الصحراوي الذي دعا لأن نصوم عن المضغ حتى الموت، لأن ما يليق أن نلقمه لهذا الجوف الجشع ليس الطعوم، ولكنه الحجارة، بدليلٍ ساطعٍ هو الحال المزري الذي تنتهي إليه الطعوم كلما استخرجناها من هذا المستودع.

فالصوم تصفية للُقيَةٍ آيلةٍ للفساد بالطبيعة، والتوقّف عن الطحن هو تطهيرٌ للبدن من هذا الفساد ولو لحين. إنها وقفة لتأمّل الدرس الذي يشفي من البلادة، القرينة للإمتلاء، والملازمة لوضعٍ معيب هو الشبع. هذا الشبع الذي نصّبة الأوائل علّة لاقتراف الكبائر، لتهرع لنجدتنا الصحراء عندما اعتمدت الشّحّ في وجود الطعوم للناس ناموساً، رحمةً بهم من شرور الترف، لتروّضهم على إدمان الحرمان، الذي علّم الأجيال الحكمة، ودفع الأخيار لصيام الدهر، لا لمضاعفة أسهم التقوى، ولكن طلباً للصفاء كقرون استشعار في الصعود إلى أعلى، لاستلهام الحقيقة، لأنها في متناول كلٍّ منّا، والدرجة في الفوز بالنبوءة، مغامرة رهينة مدى الاستعداد في استثمار الحرمان، والذهاب بالجوع إلى أبعاده القصوى.

إنها المدرسة المجّانية في علمٍ عصيٍّ هو الانضباط، تهبه لنا الصحراء بتحريضنا على احتراف الصوم، فلا نكتفي بمهلة الشهر، المعتمدة في ديننا كفريضة، ولكن بقمع الشهوة، والإكتفاء بالحدّ الأدنى، الكفيل فقط ببقائنا على قيد الحياة، على طريقة سليل الصحراء الذي يقول عنه أحد الرحّالة أنه يقتات تمرة واحدة لثلاثة أيام، ويستطيع بالمران أن يستثمر مفعولها الذي يكفيه لثلاثة أيام أُخَر، فكيف لا تكون الصحراء مسقط رأس النبوآت بوجود هذا النموذج في واقعها؟
النبوءة أيضاً إعجازٌ من صنع الانضباط: انضباط يبدأ حرفياً، ولكن مفعوله السحري يستوي روحياً، ليحقق في الإنسان بعثاً وجودياً.

*فيلسوف وروائي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى