في ذكرى الوحدة.. فصل من رواية “قصفة زيتون وعنقود كروم”

نظر (ناصر) أمامه متعمقا فى الصورة المرفوعة على الحائط والتي تحوي
هذه الكلمات ( حرية ..اشتراكية ..وحدة)
يناجي مهجته.. متنهداً
– الآن صار الشعار مُفَعَلاً , والي أن تصير الحرية والاشتراكية على كامل
التراب , تكون البنية مهيأة ولم يتبق من التفعيل سوى الوحدة ومشروعها
استراتيجي يمتد الي العمل الدؤوب حتى يتحرر كامل التراب العربي من
الاستعمار .
كانت عقارب دماغ (ناصر) تشير الي انتصار المحروسة في حرب السويس
تجسيداً لوحدة الشعوب العربية وتضامنها , خاصة سوريا وعمالها , وقد
صار هتافهم يرن فى الأفاق :
نحن – رجال(ناصر) بن طارق – نمشي على النمارق.
فيما أوحت فرنسا لجيشها المشاركة بحملة السويس, أن أقطع يد المساعدة
المصرية لجبهة التحرير الجزائرية.
أما وقد غامت الشمس عن الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في
السويس , فقد صارت المحروسة قلب العالم الثوري ومخلص رمزًا لكل
الثوار.
أغتنم الضباط السوريون الفرصة , وهبطوا على مخلص طالبين الوحدة,
أمهل مخلص غايته , أمعانا لارتسامات وجوههم المعبأة بالحماس
ورغما بدأ الحوار فريدا نابضا :ِ
– العمل الوحدوي لابد أن يسبقه آليات أخرى تدفعه دفعاً الى الفعل الذي
يحقق ذوبان مؤسسات و أجهزة البلدين فى كيان وحدوي واحد , يحقق
للشعبين السوري والمصري حريتهم السياسية والاجتماعية ليتحقق مجتمع
الكفاية والعدل ,وتلك آليات تدفع بالطبع أوتوماتيكيا الى الوحدة
بين الشعبين.
– يجب استغلال فترة التوهج القومي والبناء عليها وتجديد وحدويتها
وعدم تركها لتخمد وتصير مهب الريح أسيرة مؤامرات الرجعية العربية
لتثبط الهمة وتتدنى وحدويتها نحو التشرذم الذي يحقق أمل الاستعمار
والصهيونية.
يتابع الضباط السوريون :
– المغزى والهدف من هذه الوحدة أنها تصير على أرض الواقع فعل , وأنها
لا تعترف ب(سايكس بيكو) كاتفاقية تقسم الأمة العربية , وبالتالي فأن هذا
الفعل الوحدوي يبقى فى مقاومته للاستعمار والصهيونية هو غاية الوحدة
العربية الشاملة للأمة العربية .
وتحت إلحاح القوميين السوريين وبفعل ثوريتهم الجياشة ونواياهم الوحدوية
المندفعة , كانت الاستجابة التى بررتها مد شعبي سوري جارف وحب فياض
لزعامة ناصر..
بالإجماع اختار الشعب السوري ناصر رئيسا للجمهورية العربية المتحدة ,
وعلى أثرها ارتجت أركان محافل البنائيين رجًا, وصار الصدى ينخر فى
آذان أتباع الدين الواحد والوطن الواحد .
– كيف نتركهم يصنعون دولة, تحاصر إسرائيل بين فكي كماشة ؟
كان الحاخام الأكبر يرتل خزعبلات التلمود
— لقد استوطنا ارض كنعان من أجل تقطيع أوصال وحدة العرب خاصة بين
مصر وسوريا .
ثم غدت أوامره الي حراس النفط والجاز تُستجب .
وعلى الفور أضمروا إجهاضا الوحدة بتمويل اغتيال عبد الناصر.
ولما فشلت المحاولة , مولوا أتباعهم من أجل الانفصال.
: أحذروا قيادة ناصر والفعل الوحدوي الذي صار يهدد كيان عروشكم.
والي سُهاد صارت الأوامر لتفعيل الضغائن
التى لبت النداء , فكان تشجيع عصمت لعامر أن يتولى أدارة الإقليم الشمالي
, ومهدوا له طريق العبث الذي لبى رغبة الانفصال.
جلس ( ناصر) يراجع النفس ويتدبر الأمر , حتى يجابه مؤامرات الأعداء
اِنهار الشكل الذي أفرغت فيه الوحدة وكان طبيعيا طبقا للأسباب التى أبديتها
لشباب الضابط السوريين والتي لم تمهد الأرض الخصبة لنمو الفعل
الوحدوي.
ثم يتابع حديث النفس
يريدون أن ننجر للاندفاع العسكري لمحاربة قوى الانفصال فى سورية !
– ليس المهم أن تعود سوريا لدولة الوحدة , ولكن المهم أن تبقى سوريا
موحدة ويبقى جيشها قوياً.
بدا فعل ناصرالوحدوي يتخذ آلياته الصحيحة للقضاء على الاستعمار
ولتتمكن الشعوب العربية المستعمرة من تحقيق أرادتها واستقلالها لتتخذ
طريقها نحو وحدة الأمل الاستراتيجي حتى لو كان بعيد .
كان اللقاء حاسما بين مخلص والديب :
– لابد من تعظيم المساعدة لثوار الجزائر
يرد الديب
– نعمل بكل جهد واجتهاد
وعقب اللقاء كان العمل ليل نهار
وصارت بالقاهرة أول حكومة جزائرية فى المنفى
توالت المساعدات العسكرية واللوجستيه الى جبهة التحرير الجزائرية
حتى تحقق للشعب الجزائري حريته واستقلاله عن فرنسا الاستعمارية .
تُخَضَر أرض المليون ونصف المليون شهيدا, تنبت (حياة) تستعيد الأيام
لتنتظم بها الحواس الآن:
ثمة كتب تضعك أمام اكتشافات مذهلة, تكشفك فيها نفسك ومساحات منك لم
تكن تعرفها.وأخرى شخصا آخر لم تكن تتوقعه, بل أنها قد تفضي بك من
شخص إلى آخر. وها أنا أمام ناصر- حتى بدا لي أن بعض الخواطر هو قائلها
كما هذا البيت.
لا أسم لي……………………….اسمي تبذير للأسماء.
وهل كان ناصر عبد المولى الا تبذيرا لأسمين وحلمين
أسم ( ناصر) وأسم الطاهر عبد المولى.
كيف يمكن أن تولد أثناء حرب التحرير الجزائرية, بتوقيت التواريخ الناصرية
دون أن تشعر فيما بعد بأن سلسلة من المصادفات التاريخية ستغير حتما
حياتك.
قبل اى خطاب سياسي تَفتح وعى ناصر على اسمه الذي كان نصفه منذورا
للقومية والنصف الآخر للذاكرة الوطنية.
قبل أن يكبر بالقدر الذي يسمح له بمتابعة الأخبار او بمتابعة جريدة.
فتح عينية على غياب والده وعلى الحضور الدائم( ناصر)مبتسما ومحببا
في صورته الشهيرة, ليس فقط لعدم وجود تليفزيون في بيتنا في هذه الأيام
ولكن لأنها الصورة الوحيدة التي كانت في غربتنا تزين غرفة الاستقبال.
واذكر تماما أن تلك الصورة وصلتنا إلى منفانا بتونس عن طريق صديق
لوالدي يدعى سى عبد الطاهر وكان يتردد علينا أثناء وجود والدي بالجبهة
محملا بالهدايا وبالمال .
ذات مره زارنا وراح يلاعب ناصر كعادته, سأله ماذا تريد أن احضر لك؟
وإذا ناصر وكان لم يجاوز الرابعة من عمره يجيبه وكأنه يطلب لعبة
:,,,(جيب لي ناصر), وتروى أمي إن سى عبد الحميد ظل مذهولا للحظات
قبل إن يجيبه بمنطق الأطفال سأتيك به في المرة القادمة .
ولأنه كان يتردد على القاهرة لإجراء بعض المشاورات السياسية وكان ايضا
مسئولا عن شئون الطلبة الجزائريين هناك والذين كان من بينهم طالب لم
يدعى بعد (هواري بومدين) فقد أحضر لنا صورة كبيرة) لمخلص)مع جملة
من الهدايا التذكارية.
منذ ذلك الحين أصبح في إمكاننا في بعض الأمسيات أن نستمع من تونس إلى
صوت العرب من القاهرة وهو يبث خطابات لناصر وأناشيد وطنية ملتهبة
مازالتُ أحفظ بعضها كما يحفظ الأطفال أناشيد تعلموها في روضة وعلقت
بذهنهم إلى الأبد ثم ننام سعيدين.
لقد كنا نتفرج على شاشة جدارية مثبت عليها (صورة ناصر) قبل إن يأتي
يوم تجاور فيه صورة أبى بجوار صورة ناصر بحجم أصغر- لكن بالحجم
الكبير ذاته التي نقلتها إحدى الجرائد وهى تعلن في صفحتها الأولى في
صيف 1960 مقتل احد زعماء الثورة الجزائرية على يد مظليين فرنسيين
بعد معركة ضارية في مدينة باتنة.
أذكر أنني احتفظت بتلك الجريدة كنت افتحها بين الحين والحين لأتمعن في
صورة والدي, قبل أن أفاجئ يوما بأن اقطعها بمقص واقنع أمي بوضعها في
إطار لتصبح الصورة الثانية في بيتنا.
كانت تعيد التاريخ في الوجدان الشعبي الجزائري حيث كانت المرحلة تحاول
التعمية على دور ناصر في الثورة الجزائرية.
وتواترت المساعدات للجنوب العربي ضد الاستعمار البريطاني.
صارت آلية مخلص لذلك مساعدة ثورة اليمن التى قضت على حكم أسرة
حميد الدين أحد أركان الرجعية العربية الموالية للصهيونية والاستعمار
وظهير من تآمروا على دولة الوحدة .
فى انتظام للحواس الآن تستعيد ذاكرة الحياة, مؤامرات المحافل الماسونية
تصطنع سدًا يحجب رافدًا من روافد الناصرية سالت دمائه تروى أرض
اليمن , فوضعوا بجانب جثمان الشهيد الحمدي, جثة امرأة بملابس خليعة ,
تشويهًا لكل من يسير على طريق ناصر الوحدوى حتى في قبره.
كان للفعل الوحدوي الثوري لناصر, وكاريزما الزعامة فيه مفعول السحر
فى نفوس جماهير أمتنا العربية , حتى غدا هو أملها الذي سيقودها لتحقيق
وحدة الشعوب العربية من المحيط الى الخليج بعد أن استخلص العِبر , من
الانفصال , ولم يستكين .
وهنا جُن جنون قادة محافل البنائين فى كل الأرجاء, ترتجف من
مجرد ذكر كلمة الوحدة العربية من اجل القومية العربية , التى أزاح ( ناصر) عنها الغبار .
فصل من روايتنا التى لم تنشر( قصفة زيتون وعنقود كروم )

*كاتب ومحامى – مصرى

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى