قصة قصيرة.. العزف على جدار الصمت

ما بين المغرب والعشية , وبعد عناء يوم كامل , عاد (العم كامل) حامداً ربه على عطيته ,وما منحه الله من رزق يكفى رمق أولاده الأربعة وأمهم بالكاد .
جلس الرجل بين أفراد أسرته وأمامهم الزاد – منه غداء وعشاء معً – وقد اختارت الأم هذا الوقت بالذات وهو لحظة رجوع الأب ,فى حيلة منها لاختصار وجبة طعام علها بذلك ترفع عن كاهل عائل البيت ,وتدبر الأمر بما يوازى دخل العم كامل ويوفر عرقه المستباح .
“بسم الله الرحمن الرحيم”
نستفتح بالذي هو خير، قالها الأب إيذانا ببدء الطعام , وما إن بدأ الأبناء يتناولون الزاد ,إلا من يدق الباب.
( يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم – يا قاعدين يكفيكوا شر الجايين ) قالها الأب مشيراً الى أحد أبناءه بفتح الباب .
على الفور ولج من الباب ثلاثة من أرباب الجثث المهترئه والشوارب الغليظة ( بالضبط هم ك “مجاعص” كما يصوره الأديب محمود تيمور فى نداء المجهول).
يحملون جوال من الدقيق وعبوات لا بأس بها من السكر والزيت والمواد التموينية الأخرى .
بصوت جهوري أجش صاحوا فى وجه عم كامل :
– الباشا باعت لك الحاجات دى عشان هوه نازل الانتخابات
لازم يوم الانتخابات صوتك للباشا أنت ومراتك والعيال اللي عندهم تذكرة انتخاب وكل اللي تعرفه , مفهوم يا كامل .. الباشا خيره ع الناس كلها.
إياك والنسيان , الباشا بيسجل اللي يجئ واللي ما يجيش أيامه أسود من شعر راسك .
وقف عم كامل مبهوتاً مذهولا , لا يدرى ماذا يفعل وماذا يقول؟
هل يقبل الرشوة الانتخابية فيرتكب الخطيئة أمام الله ويقضى على إرادته ويصير عبدًا للباشا أو مطية يركبها للوصول الى البرلمان ؟ ..
أم يضرب المثل لأولاده ويعيد ما آتى به الباشا الى مقره الانتخابي محذراً إياه – ولو فى صمت – بأن أصوات الفقراء ليست للبيع ؟
قضت الزوجة على كل التساؤلات , وحالة الوجوم الذي ساد
حين بدأت فى إدخال ما أتى به أزلام الباشا الى داخل غرفة الكرار
وهى تتمتم :
– “ربنا عالم بالحال , البيت ما كان فيه لا زاد ولا زواد سبحان الرزاق بدون ميعاد .
تنفس عم كامل الصعداء ,وانحاز بعيداً عن مكان الطعام فى أحد الأركان أشعل سيجارة وأخذ ينفث دخانها , وسرح مخياله الى العام 2012 و 2011 أبان الانتخابات البرلمانية والرئاسية التى فازت بها جماعة الأخوان المسلمين وجيء “بمرسى” رئيسا للبلاد , حين كانوا يرسلون تلك الأشياء ويزيد , طالبين دعم مرشحيهم الإسلاميين فى صناديق الانتخابات ,ورغم أنهم كانوا يرتكبون الإثم والعدوان على إرادة البشر وشراء الذمم والإرادات باسم الدين بالشاي والسكر والزيت ومواد التموين ويستغلون الإسلام فى تجارة الحرام , إلا أنهم لم يكونوا غلاظ القول والفعل , كما أزلام واباضيات الباشا فى هذه الانتخابات البرلمانية من العام 2015 الآن , اِلا بعد أن تمكنوا من مفاصل البلاد .
أسترجع “العم –كامل”شريط الذكريات منذ تولى ” مبارك ” الحكم الى أخر انتخابات برلمانية فى 2010 والتي كانت المفجر لثورة 25 يناير , حيث الوقائع والأخبار وشريط الذكريات يتتابع فى النهب المنظم للشعب المصري .
الى أن تحين لحظة المَن التى تسبق الانتخابات والاستفتاءات
صارت الرشوة الانتخابية على شكل ما اصطلح على تسميته ” كرتونه ” الحزب الوطني , التي توزع على فقراء القوم فى المراكز والأرياف ,التي يتقاتل عليها الناس .
وعلى مستوى شخوص الباشاوات أعضاء لجنة السياسات فى الحزب الوطني ,كانت رشا ويهم التي تسبق انتخابات المجلس النيابي ليفوزوا بعضويته , هي خدمات لحظية لرصف طرق فرعية أو إدخال مرافق كانوا قد سرقوا ميزانيتها ومنعوا خدماتها عن السكان ألاف الأيام
و ها هم يَمِنون على الناس بالفُتات مسخرين الخدمات المحلية العامة لأغراضهم الشخصية ولنجاحهم ونوال العضوية البرلمانية.
فى تحليقه فى الأفاق بدا صدى الصوت يرتد فى فضاء الزمن ليعيد ذكريات انتفاضة الخبز فى 18 و19 يناير من العام 1977ضد السادات. وقتها كان (كامل ) طفلا صغيرا يدرك عن كلام أبيه رجع صدى أقواله وحكاويه , أنها الانتفاضة التي وصمها السادات انتفاضة الحرامية , ففى عرف الجاسوسية لدية أن فقراء الشعب هم (حرامية) , ومن يمصون دم الفقراء , هم (مستثمرون ورجال أعمال) .
لذا فقد باعهم مصانع العمال , وأعاد إليهم الأراضي الزراعية بعد أن انتزعها من فقراء الفلاحين , وبدا النهب الاستعماري المنظم للشعب المصري , وتغيير اسم مجلس الأمة ( بمفهومها القومي) الى مجلس الشعب , بعد أن أزال عن البلاد اسمها الوحدوي (الجمهورية العربية المتحدة) , وبذلك اسس السادات لعصر تجار الأعمال وانحاز الى طبقة الرأسمالية .وباع الفقراء بأبخس الأثمان , فأعاد تأسيس الرشوة الانتخابية – الي ما قبل ثورة يوليو – وتسخير مرافق الدولة لخدمات مرشحي الحكم الساداتي للسيطرة على البرلمان ليكونوا عونا ومددا وذخرا للسادات، فيُشرعوا له القوانين التي تخدم توجهه الصهيوني والرأسمالي معا.
فى رَجع الأيام استذكار وعِبَر وإسقاط وربط بين الأحداث .
كان (والد عم كامل )قد عاصر نهايات عصر الملكية الفاسد فى مصر , وهو يتذكر هذا الماضي على لسان أبية و كيف كانت الدموع تسيل من عينيه علي خديه كل ليلة من الظلم البين والاستغلال الواضح وانتهاك أدمية الناس فى هذا العصر , وقد كان ضمن عمال التراحيل , الذين لا يجدون إلا الخبز والبصل غذاء لهم و لأولادهم على مر الأيام.
يجتر العم كامل على لسان أبيه الدم المسال على الطريق
كانت السخرة فى العمل وتدني الأجور والإحسان .
وكيف سالت دماء على الطريق من كثير من عمال التراحيل .
كان عصر الحفاة بلا جدال ,فى هذا العصر والأوان.
منعوا حتى الرشوة أيام الانتخابات , لأن الفقراء من النادر أن يدلوا بالأصوات , لكنهم كانوا مسخرين لخدمة البشوات والبهوات وأصحاب الرتب والأعيان وليكونوا لهم وقودا للوصول الى البرلمان , ليضحى مجلس النواب يشكل وزارات الوفد الإقطاعية والتي تتباهى بالباشوية لتشارك مليك البلاد العمالة للاستعمار الإنجليزى واستخدام البرلمان لخدمة مندوبة السامي وسرقة أموال البلاد وصبها فى خزائن التاج البريطاني .
كنا غرباء في مسقط رأسنا !
وبدا مجلس النواب لا يعبر عن مصر ولا شعبها الذي لاح من الأشباح إنما صار وعاء يحوي طبقة الإقطاعيين والرأسماليين الذين يمُصون دماء الفقراء لتقديمها قرابين للملك والاستعمار البريطاني .
تقف كاميرا الذكريات لتعيد الواقع الى (العم كامل).
يربط الرجل فى تفكير عقلي منظم , بين تلك الأيام السوداء التي مرت بها مصر قبل ثورة يوليو 1952 وفي لُبها الحياة النيابية التي عبرت عن الإقطاع وسيطرة رأس المال على البرلمان والولاء للملك وخدمة الاستعمار البريطاني وسرقة فقراء الشعب وعرق العمال –
وبين عودتها بصورة أبشع منذ عهد السادات مرورا بفترة حكم مبارك ومرسى والى الآن فى تشابه وتطابق بين الإقطاع وعودته من جديد ومافيا تجار الأعمال والرأسمالية المتوحشة فى سيطرتها على الحكم وتبعيتها للرأسمالية الأمريكية والغربية فى أبشع صورها الامبريالية والصهيونية، ورشاها الانتخابية الصريحة والمقنعة للسيطرة على مجلس النواب , لسرقة مصر وشعبها من الفقراء والطبقة الوسطى , ليعود عصر الباشاوات من جديد.
فى عزف منفرد على الكمان، يتذكر (عم كامل ) كلام أبية عن فارس “بني مر” الذي أتى به القدر ليعيد للفقراء حقهم المغتصب , ويعيد توزيع الثروة على الشعب العرقان. فَمَلَكَ صغار الفلاحين الأُجراء خمسة فدادين من أراضي الإقطاع , وأقام المصانع للعمال الذين أصبحوا شركاء فى إدارتها , وجعل التعليم والعلاج بالمجان لأولاد الطبقات الدُنيا فى المجتمع المصري , وصار صوت “جمال عبد الناصر” يرج الدنيا كلها .
(أرفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد والطغيان ), وصار العدل الأجتماعى يسبق الحرية السياسية , أو هو الطريق إليها.
وهنا وقف عم “كامل” يتذكر كتاب عبد الناصر الذي قدمه للجماهير فى أول الستينات ,ويعيد بنوده التي تحدد معالم ديمقراطية الشعب العامل – امام اولاده الذين جمعهم بعد أن فرغوا من العشاء:
– أولاً: إن الديمقراطية السياسية لا يمكن أن تنفصل عن الديمقراطية الاجتماعية. إن المواطن لا تكون له حرية التصويت فى الانتخابات إلا إذا توفرت له ضمانات ثلاث:
1- أن يتحرر من الاستغلال فى جميع صوره.
2- أن تكون له الفرصة المتكافئة فى نصيب عادل من الثروة الوطنية.
3- أن يتخلص من كل قلق يبدد أمن المستقبل فى حياته.
بهذه الضمانات الثلاث يملك المواطن حريته السياسية، ويستطيع أن يشارك بصوته فى تشكيل سلطة الدولة التي يرتضي حكمه.
هكذا أعاد عم كامل فكر عبد الناصر في الميثاق.. ثم انهمرت الدموع من عينيه فى حسرة باكياً على عصر الناصرية الذي أعاد حقوق الفقراء وساوى بينهم والأغنياء، وقضى على الرأسمالية المستغلة والإقطاع , واسس البرلمان الذي كان يشرع ليحمى حقوق الفقراء من نهم الرأسمالية والفساد .
فى زفرة من الألم تخرج من جوف (عم كامل) تعيد الى مخيلته صور الشخوص الثلاث الذين أفقدوه حاسة الطعام حين دقوا الباب، ورائحة رشوة الباشا الانتخابية التى تزكم الأنوف , يطرح على نفسه السؤال ؟ لعله يطير الى من يهمه الأمر
..لماذا صرنا نهبا للرجعية و الفساد ؟!
نعم لقد انحزت إلينا ضد الفاشية الدينية المتمثلة فى دولة الإخوان حتى تم القضاء عليها، لكننا نعاني الآن نعاني مما تفعله فينا مافيا تجار الأعمال.. الوجه الآخر للإرهاب ؟
يخاطب مهجته عم كامل :
– مازالت تحركني عواطفي وشجوني ,نحو الفارس المغوار.
يسمو بالحوار , يتصاعد بنا , ونعلو به فى حركة تصاعدية تقدمية
تزيل جدار الصمت .
تنتشلنا من بين أمواج البحر الى شاطئ النجاة .
تعزف لحن الحياة للفقراء .

*كاتب ومحامي – مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى