عودة نتنياهو.. ما الذي تغير؟

على أعتاب حكومة إسرائيلية جديدة يتأهب «بنيامين نتنياهو» لإعلانها تطرح أسئلة المستقبل نفسها، مستقبل القضية الفلسطينية ومستقبل إسرائيل.
كان الفصل بين الصراع الفلسطينى الإسرائيلى والصراع العربى الإسرائيلى لافتا فيما أطلقه «نتنياهو» من تصريحات عقب حصد المعسكر اليمينى الذى يقوده غالبية مقاعد الكنيست.
الأول، ضاغط بلا أفق.. والثانى، متراجع بلا ثمن.
نحن الآن أمام يمين فاشى إسرائيلى يتأهب لإنفاذ إرادته على عالم عربى متهالك، أجراس الخطر تدق حولنا دون تنبه أو تحسب للعواقب والتداعيات.
ما يوصف باليسار يكاد أن يتقوض إلى الأبد فى الدولة العبرية.
اضمحل حزب العمل وأصبح حضوره هامشيا فى معادلات القوة والنفوذ.
لم يحصد الحزب، الذى أسس الدولة وقاده أمثال «ديفيد بن جوريون» و«شيمون بيريز» و«إسحاق رابين» سوى أربعة مقاعد فى الكنيست، فيما أخفق «ميرتس» اليسارى لأول مرة فى تجاوز نسبة الحسم لدخوله.
احتكر اليمين الإسرائيلى بكافة أطيافه المشهد السياسى.
وبدا الفارق بين حزب وآخر فى السياسات والتوجهات هامشيا ومحدودا وباتت الغلبة لليمين الفاشى الأكثر استعدادا لممارسة الحد الأقصى من الفصل العنصرى بالتهجير القسرى والترهيب المتواصل والتوسع الاستيطانى دون أدنى اعتبار لأية قواعد سياسية أو أخلاقية، أو أية أحاديث مراوغة عن القانون الدولى.
المتغير الرئيسى على المسرح السياسى الإسرائيلى ليس التوجه يمينا بصورة أكبر وأوضح عن أية مرة سابقة، بل الاستغراق فيه إلى حدود الفاشية المعلنة.
المعضلة الأخطر التى تواجه «نتنياهو»، وهو يشكل حكومته الجديدة، أن العالم لا يحتمل أن يتصدر مقاعدها الأمنية والعسكرية أمثال «بن غفير»، و«سموتريتش».
بحكم التمثيل السياسى فى الكنيست، فإن التحالف الذى يضمهما «الصهيونية الدينية» يحوز «14 مقعدا»، فيما الليكود الذى يترأسه «نتنياهو» يحوز «32 مقعدا».
«نتنياهو» لا يقدر على تجاهل ما يطلبه أقوى شريكين فى تحالفه السياسى، أيا كانت الضغوط لتسويغ التقبل الدولى لحكومته الجديدة، لكنه لا يحتمل وجودهما فى مناصب أمنية وعسكرية قد تقوض صورة إسرائيل وأمنها باسم الحفاظ عليه.
«بن غفير» وريث شرعى للحاخام «كهانا»، ولأكثر الأفكار العنصرية تطرفا ضد كل ما هو عربى.
يستبيح دماء الفلسطينيين ويتبنى إطلاق الرصاص عليهم دون أية مساءلة، ويدعو إلى التهجير القسرى وطرد الفلسطينيين من بيوتهم وتهويد القدس بالكامل.
كان وصوله إلى موقع الأحداث أثناء اعتصام أهالى الشيخ جراح لمنع طردهم من بيوتهم مصحوبا بالشرطة الإسرائيلية نذير تصعيد.
كان مجرد حضوره على رأس جماعات المستوطنين فى اقتحامات المسجد الأقصى إشارة صدام مؤكد مع المرابطين فيه من الشبان الفلسطينيين.
إذا ما أسندت إليه حقيبة الأمن الداخلى، كما يطلب، فهذا تفجير كامل للأوضاع فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وتقويض نهائى للدور الوظيفى الأمنى الذى تتولاه السلطة الفلسطينية، والأخطر من ذلك وضع مستقبل المسجد الأقصى بين قوسين كبيرين.
كل شىء محتمل وكل سيناريو وارد.
فى الجوهر لا توجد تباينات بين ما يتبناه «نتنياهو» من أفكار وتوجهات عنصرية وما يعمل من أجله «بن غفير» دون مساحيق سياسية وعبارات مراوغة.
هو رجل عصابات مسلحة أنصاره من المستوطنين وغلاة اليمين، يرتكبون الجرائم البشعة ضد المدنيين الفلسطينيين العزل كحرق البيوت بمن فيها، كما حدث مع عائلة «الدوابشة»، يقتلون الأطفال ويسممون مياه الشرب.
كل الجرائم مباحة أيا كانت بشاعتها.
وإذا ما أسندت حقيبة الدفاع إلى «سموتريتش»، كما يطالب، فإن قرار الحرب يفلت عن أية حسابات أمنية وغير أمنية بهوس لا يعرف ماذا يقول ولا كيف يسوغ إجراءاته.
إنها القوة المجردة ولا شىء غيرها.
لم تكن حكومة التناوب بين «نفتالى بينت» و«يائير لابيد» حكومة سلام، ولا كانت مستعدة للاعتراف بأية حقوق للفلسطينيين، أمعنت فى الاغتيالات السياسية ودخلت فى مباراة مع حكومة «نتنياهو» السابقة، التى امتدت منذ عام (2009)، فى أيهما أكثر تشددا وتنكيلا وعدوانا أو حفظا للأمن الإسرائيلى!
مع ذلك لا تحتمل إسرائيل أن تسقط كل الأقنعة من على كل الوجوه مرة واحدة.
لا يمكن أن تتقبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية أن يتولاها رجل مهووس بلا خبرة تسنده ولا رؤية تحكمه.
بقوة الحقائق فإن ما يدعو إليه هو جوهر نظرية الأمن الإسرائيلى، التى صاحبت تأسيس الدولة، لم تكن لديها حدود معينة على خريطة، ولعلها أول دولة فى العالم الحديث يجرى إعلان قيامها من دون أن يصاحب هذا الإعلان بيان يعين الخطوط على الأرض.
«حين يكون الوعد أسطوريا فإن الخرائط السياسية تصبح قابلة للتعديل مع كل تفسير أو تأويل بصياغة الأستاذ «محمد حسنين هيكل».
هو ابن الفكرة التوسعية نفسها لكن بوجه عنصرى مكشوف يضر الأمن الإسرائيلى أكثر مما يفيده.
قد يلجأ «نتنياهو» إلى مناورات خلفية مع الشركاء الآخرين لمنع الرجلين من تقلد حقيبتى الأمن والدفاع، ربما يوسع الحلف نفسه، بضم الجنرال «بينى جانتس» إليه، وقد تشاركا فى حكومة ائتلافية سابقة، باعتباره ممثلا للمؤسسة العسكرية ويميل إلى اليمين بالوقت نفسه.
فى مثل هذه الأحوال لم يعد ممكنا أى رهان جدى على «حل الدولتين»، ولا أى رهان آخر على «دولة كل مواطنيها» الذى يدمج العرب مع اليهود فى دولة علمانية واحدة.
حل الدولتين يكاد أن يكون أطلال كلام لا يأخذه أحد على محمل الجد، فإذا ما مضى مشروع التوسع الاستيطانى خطوات أخرى متوقعة يصبح الكلام عن ذلك الحل هزلا كاملا.
البديل الآخر «دولة كل مواطنيها» لا يوجد أى أساس يدعمه.
صعود اليمين الفاشى فى إسرائيل ينفى الفكرة من جذورها، فهو يطلب التهجير القسرى والفصل العنصرى لا الدمج الديمقراطى والاعتراف بأية حقوق للفلسطينيين فوق أراضيهم المحتلة.
عندما تلغى الخيارات والبدائل فإن قدرة إسرائيل على المناورة الدولية تضعف تماما، وتدمر صورتها فى الإقليم والعالم باعتبارها دولة احتلال تمارس الفصل العنصرى.
يتراجع التطبيع ويصبح الفعل نفسه مؤثما لا يقدر أحد على تحمل عواقبه.
من مفارقات ما يحدث أن إسرائيل المتخبطة فى بنيتها السياسية لا توجد لديها أية تصورات تخاطب بها العالم تتجاوز القوة المجردة لكنها تستثمر استراتيجيا فى الضعف العربى الفادح.
بعد ثلاثة أرباع القرن على تأسيسها تجد إسرائيل نفسها فى حالة انكشاف استراتيجى وأخلاقى لا سبيل إلى إنكاره.
هذه أزمة وجودية، وجود إسرائيل نفسها، لا أزمة سياسية عابرة جاءت بها نتائج انتخابات الكنيست وصعود «نتنياهو» المتهم فى ذمته المالية بجرائم رشى وفساد إلى رئاسة الحكومة مجددا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى