الخياط الباريسي يُوَحِّدُ الحكام المغاربة والوحدة المغاربية تُفَرِّقُهُمْ
بقلم: توفيق المديني

شَكَّلَ غياب العاهلِ المغربِيِّ محمد السادس عن القمة العربية التي احتضنتها الجزائر مع بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2022،تصعيدًا جديدًا في توتير العلاقات المغربية الجزائرية،رغم أنَّ بعض الخبراء و المحللين رأوا في حضوره للقمة أنَّها كانت ستمثل “فرصة ذهبية” لإعادة فتح قنوات التواصل مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ، في ظل القطيعة الدبلوماسية والخلافات التي تعيش على وقعها علاقات الرباط والجزائر منذ القطيعة الدبلوماسية عام 1994.
ليس مضمون هذا المقال مناقشة موضوع القمة العربية ومخر جاتها،فقد عقدت أكثر من 30قمة عربية للزعماء و الملوك العرب خلال العقود الثمانية الماضية ، تحت شعارات”العمل العربي المشترك، و”التضامن العربي” و أخيرا في قمة الجزائر” لمِّ الشمل” لكنَّ جميع هذه القمم كان مصيرها الفشل الذريع،لأنَها عجزت عن تنفيذ المهام القومية المنتظرة منها.
لماذا تصاعدت وتيرة التوتر بين المغرب و الجزائر؟
تعود أسباب تراجع الملك محمد السادس عن المشاركة في قمة الجزائر ، حسبما نقلت مجلة “جون أفريك” التي تصدر باللغة الفرنسية من باريس،إلى عدة عوامل، في مقدمتها أنَّ الرباط تعتبر “أنَّ السلطات الجزائرية قامت بمعاملة غير دبلوماسية لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة والوفد المرافق له، الأمر الذي لن يسمح للملك بإقامة هادئة وسلمية”. كما أنَّ المغرب “لم يتقبل استمرار الاعتداءات عليه في وسائل الإعلام الجزائرية”.
وبالإضافة إلى ما سبق، تنقل الصحيفة عن مصادرها التي لم تسمها، أنَّ غياب قادة الدول الذين تعتبرهم الرباط مقربين منها عن هذه القمة (مثل، السعودية، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، الأردن ومصر.. ) لعب دورًا كذلك في غياب الملك محمد السادس.
وفيما كانت السلطات الجزائرية تأمل مشاركة الملك المغربي، “كونها ستساهم في خفض حالة التوتر البينية بين المغرب والجزائر، أو على الأقل تجميد حالة الاستقطاب الشديد والبحث عن المخارج التي يمكن أن تؤسس لعلاقات طبيعية بين بلدين جارين،أراد النظام المغربي بقيادة الملك محمد السادس تسويق مشاركته لـ”العلاقات العامة ولأطروحات المملكة أكثر من رغبته في مشاركة تساهم في تخفيف التوتر”، وفق وجهة النظر الجزائرية.
لقد تدهورت العلاقات الثنائية بين الجزائر و المغرب ، بعدما أعلنت الجزائر، في أغسطس من العام 2021، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط، متهمة المملكة بارتكاب “أعمال عدائية” ضدها. وتأمل الجزائر في إطار علاقاتها مع المغرب “العودة إلى مبدأ تحييد الصحراء الغربية وجعلها قضية أممية، دون أن تؤثر في الروابط بين البلدين”، في حين أنَّ المغرب على العكس، من ذلك، سعى خلال السنوات الأخيرة إلى إقحام الصحراء في علاقاته البينية مع الدول الأخرى، وليس فقط الجزائر، وجعلها القضية محل مساومة لهذه الدولة، تطبيقا لمبدأ من ليس معنا فهو ضدَّنا.
العلاقات الجزائرية تبلور الإحباطات
و على الرغم أنَّ الجزائر و المغرب ينتميان إلى فضاء عربي –إسلامي واحد، هو العالم العربي ،والأمة العربية، ولا ينفكان يتغنيان بالروابط المشتركة بينهما :اللغة العربية، و الدين الإسلامي(المذهب المالكي)، و التاريخ المشترك منذ الفتح العربي-الإسلامي، و الجغرافيا الواحدة، و العادات و التقاليد و الخصائص النفسية المشتركة، وهي كلها عوامل لا تشجع على التطبيع و حسن الجوار بين البلدين فقط ، بل إنها تشكل أساسا ً صلبا ً لأي وحدة اندماجية خالصة، فإنَّه ومنذ إستقلال الجزائر عام 1962 اتسمت العلاقات بين “البلدين الشقيقين”- بالعدائية في معظم مراحلها ،وكانت دائمًا على حافة القطيعة باستثناء المرحلة الواقعة بين 1969 و1974. وقد ترجمت حالة العداء المستمرة هذه بالمواجهة العسكرية في تندوف عام 1963، وهي تضع البلدين منذ عام 1975 على حافة المجابهة حول مسألة الصحراء الغربية. و يعود أساس هذا التناقض بين فعل الإيمان بالوحدة و العدائية في واقع العلاقات إلى النمط السلطوي في شرعنة الحكم السائد في كلا البلدين.
بالنسبة للنظام المغربي يشكل استمرار العائلة الملكية العلوية التي تحكم المغرب منذ أكثر من ثلاثة قرون ،محوراً استراتيجيًا تعطى له الأولوية. وبالنسبة للجزائر، وأقله حتى غياب هواري بومدين عام 1978، فالثورة مهدَّدة بالفشل إذا كانت ستتوقف عند الحدود المغربية.و ما كثبان الرمل ومساحات الأرض في تندوف عام 1963 أو في الصحراء الغربية منذ 1975 سوى ذرائع للمنافسة بين النظامين اللذين يرى كل منهما في الآخر تهديدًا له. و كان دفاع الملكية عن نفسها إزاء معارضة الأحزاب اليسارية لها في الستينيات تماهيها مع المغرب الأبدي ومصيره. أما الجزائر فقد ادعى نظامها شرعية ثورية أعاق مشروعها التحرري التحالفات التي عقدها المغرب الجار مع الدول الغربية.
وأثناء انعقاد القمة العربية في المغرب عام 1974أعلن الرئيس هواري بومدين أمام القادة العرب أنَّ الجزائر تساند المغرب في مطلبه استرجاع الصحراء المغربية، وأنها لا طمع لها فيها، وأنَّها تؤيد بشأنها ما يتفق عليه الطرفان المعنيان: المغرب وموريتانيا، وأنَّها على استعدادٍ لتقديم سندٍ عسكريٍّ للمغرب من أجل تحرير الصحراء ومدينتي سبتة ومليلة من الاستعمار الإسباني.
بيد أنَّ العلاقات دخلت في أزمة كبرى امتدت إلى اليوم بعد تحرير المغرب أقاليمه الصحراوية بالمسيرة الخضراء وإبرام المعاهدة الثلاثية مع إسبانيا في مدريدعام 1975، إذ ظهرت الجزائر كاشفة عن وجهها لتعلن أنَّ المغرب لا حق له في الصحراء التي ينازع في مغربيتها جماعة “البوليساريو” المتمردة. كما طالبت – ولا تزال- بتخويل الشعب الصحراوي (أي شعب ؟) حق تقرير المصير. وتبنت الدفاع عن مطلب البوليساريو لدى هيئة الأمم المتحدة، وأصبحت الناطق باسمه في المحافل الدولية. وهو ما حوّل أزمة العلاقات إلى قطيعة مستمرة، وشلّ مسيرة الاتحاد المغاربي، وأصبح انعقاد مؤسساته مستحيلا في جو مواجهة الجزائر لحق المغرب في استرجاع صحرائه، وهو المطلب الوطني الذي ينعقد عليه الإجماع المغربي.
ومنذ رحيل الاستعمار الفرنسي عن أرض الجزائر ،لم يشهد تاريخ العلاقات بين الدول المغاربية سوى تراكم العقبات التي تعترض سبيل بناء وحدة المغرب العربي ، إلى درجة أنه يمكن القول أنَّ سد هذه العقبات أصبح يحجب أطول الأعناق عن التمتع بالنظر إلى حلم الوحدة المغاربية، أهمها قضية الصحراء وهي محل خلاف بين المغرب والجزائر.
كما أنَّ العلاقات بين الأخوين اللدودين في المغرب العربي، الجزائر و المغرب ، لم تعرف حالة من التطبيع الكامل ، بل إنَّ العلاقات بين البلدين عرفت مراحل من المد و الجزر لا ينتهيان. عِلْمًا أنَّ التطبيع الكامل بين المغرب والجزائر يمثل شرطاً أساسياً من شروط النهوض باتحاد المغرب العربي، ومطلباً دولياً يجتمع عليه الموفدون عبر المتوسط وعبر الأطلسي.
و يقدّم الصحافي المغربي محمد الأشهب سرداً تاريخياً للعلاقات بين البلدين الجارين وتفاصيل الخلافات بينهما :في إحدى زياراته القليلة الى الجزائر بعد تولي العاهل المغربي الملك محمد السادس مقاليد الحكم في 1999، سمع مسؤول مغربي كلاماً من مراجع جزائرية عليا مفاده أن المغرب أخطأ في اختيار حليفه في منطقة شمال إفريقيا. وجاء الكلام في صيغة عتاب “تعاونتم مع الضعيف وتركتم القوي” في إشارة الى التنسيق الذي ساد الخطوات الأولى لضم الصحراء بين المغرب وموريتانيا. وقتها رد المسؤول المغربي باستحضار وقائع اجتماع تاريخي ضم كلاً من الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين والرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داده في المدينة السياحية أغادير على الساحل الأطلسي للمغرب. ونقل فيه القول عن بومدين أنَّ “لا مطامع للجزائر في الصحراء” وأنَّه يدعم أي تنسيق بين الأطراف المعنية في مواجهة قرار إسبانيا وقتذاك منح حكم ذاتي لسكان الساقية الحمراء ووادي الذهب، يبقيها تحت سيطرة مدريد. وزاد المسؤول المغربي أنَّ الجزائر أقرت صراحةً في القمة العربية التي استضافتها الرباط عام 1974 أنَّ “لا مشكلة بينها وبين المغرب في قضية الصحراء”.
ويحتفظ المغاربة بتسجيل صوتي للرئيس بومدين بهذا المعنى يقول فيه باللهجة المصرية “بين المغرب والجزائر مافيش مشكل”. لكنَّ الموضوع سيرتدي طابعاً آخر بعد صدور الحكم الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول وجود روابط “بيعة وولاء” بين سكان الإقليم والسلطة المركزية في الرباط. وفي الوقت الذي عمدت فيه إسبانيا إلى استمالة شبان يتحدرون من أصول صحراوية لتأسيس جبهة “بوليساريو” إلى جانب بعض الأحزاب السياسية الموالية لإسبانيا على طريق اكتمال خطة الحكم الذاتي الذي رهنته بموافقة “الجماعة الصحراوية” – أي البرلمان الصحراوي وقتذاك – كانت الجزائر تعمل بتنسيق مع الإسبان لتأمين هجرة مضادة لسكان الصحراء نحو مراكز تيندوف جنوب غربي الجزائر، إذ تزامنت عمليات الهجرة مع دخول القوات المغربية في شباط (فبراير) 1976 إلى الصحراء على خلفية انسحاب القوات الاسبانية منها. لكن الرد الجزائري كان أكثر عنفاً من خلال الإعلان عن تأسيس “الجمهورية الصحراوية” من طرف واحد، ما حدا بالمغرب إلى قطع العلاقات الديبلوماسية مع الجزائر.
لكنَّ الاختراق على صعيد تحسين العلاقات الثنائية وبدء التعاون المغاربي انطلق بعد تأسيس الاتحاد المغاربي في 17فبراير/شباط 1989،بمعاودة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، لم يعمر طويلاً نتيجة استقالة الرئيس بن جديد تحت ضغط الأزمة الداخلية في بلاده الناتجة أصلاً عن ظهور جبهة الإنقاذ الجزائرية التي اكتسحت انتخابات البلديات وتعطيل المسار الانتخابي عام 1992. وقتها أسرّ زعيم “الإنقاذ” عباسي مدني إلى صحيفة “الحياة”اللندنية أنَّه يدعم التقارب بين المغرب والجزائر ولا يرى حلاً لقضية الصحراء خارج السيادة المغربية. وحرص الملك الحسن الثاني لدى زيارته الجزائر وقتذاك على الاجتماع إلى زعماء الأحزاب السياسية الجزائرية. لكنَّ الموقف الذي التزمه عباسي مدني سيجد امتداده في التصريحات الصادرة عن مراجع مغربية حول إمكان الإفادة من دور جبهة الإنقاذ الجزائرية في دعم الخيار الديموقراطي، وبالقدر نفسه سيتحول الخلاف حول التعاطي مع الظاهرة الإسلامية إلى سبب آخر يعطل الانفراج في علاقات البلدين.
وفي الوقت الذي بدأ فيه حوار مغربي ـ جزائري من نوع آخر على خلفية المسألة الإسلامية متمثلاً في طلبات جزائرية لتسليم معارضين إسلاميين في مقدمهم الناشط عبدالحق العيادة (أمير الجماعة الإسلامية المسلحة)، دار على واجهة أخرى حوار بين المؤسسة العسكرية الجزائرية والمعارض الجزائري محمد بوضياف الذي كان يقيم في مدينة القنيطرة المغربية ويدير مصنعاً للبناء، وقد حرص لدى مغادرته المغرب ليصبح رئيساً للجزائر يتمتع بالشرعية التاريخية، على تأكيد التزامه إيجاد حل سريع لنزاع الصحراء. غير أنَّ الرصاص الذي صوب نحوه في قاعة اجتماع في عنابة في حزيران (يونيو) 1992، طالت شظاياه العلاقات بين البلدين. ولم تكد تمر شهور حتى اندلعت أزمة حادة بين الجارين، إذ تورط رعايا من أصول جزائرية ومغربية في هجمات فندق أطلس أسني في مراكش التي انعكست تداعياتها سلباً على علاقات البلدين عام 1994. فقد فرض المغاربة نظام التأشيرة على الرعايا الجزائريين وردت الجزائر بالمثل، وزادت عليها قرار إغلاق الحدود البرية في صيف 1994.
عندما توفي الملك الحسن الثاني في تموز عام 1999، انتقل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المنتخب حديثاً في هذه المناسبة إلى الرباط ،حيث تكلم بحرارة عن مستقبل العلاقات بين البلدين، قابله استعداد مماثل من الملك الشاب محمد السادس لبدء عهد جديد مع الجزائر.واعتقد الجميع أنَّ مناخاً دافئاً جديداً من العلاقات بين البلدين سيستمر، بيد أنَّه في اليوم الذي أعلن فيه فتح الحدود البرية الذي تحدَّد موعده في 20آب1999، حصلت مجزرة رهيبة راح ضحيتها 36 مدنياً على يد الجماعة الإسلامية المسلحة التي تقول الجزائر أنَّ لها قواعد خلفية في المغرب.فتبخرت كل الأمال التي كانت معلقة على معاودة التطبيع بين المغرب و الجزائر من جديد.
فماهي العوائق البنيوية التي حالت ولا تزال تحول دون التطبيع الكامل؟
1-لقد ورثت البلدان المغاربية الثلاثة (تونس، الجزائر، المغرب) حدوداً متفجرةً ، بفعل التقسيم الكولونيالي الفرنسي- الإسباني لهذا الجزء الغربي من العالم العربي. و كانت فرنسا القوة الاستعمارية السائدة تعتقد أنَّ الجزائر أصبحت جزءًا من إمبراطوريتها ، لذا راحت تقضم من الأراضي التونسية و المغربية لضمها إليها. و هذا ما جعل المغرب و الجزائر يتواجهان عسكرياً في حرب تندوف الصحراوية عام 1963.كما أنَّ هذا الموروث من التقسيم الكولونيالي وضع البلدين على حافة المواجهة العسكرية حول مسألة الصحراء الغربية عام 1975.
2-إن الثورة الوطنية التحررية الجزائرية ضد الكولونيالية الفرنسية لم تمتد لتشمل توحيد أقطار المغرب العربي ، بل حافظت على التقسيم الكولونيالي الموروث هذا، وسعت إلى بناء دولة قطرية تسلطية ، لا إلى بناء دولة وطنية هي في الجوهر ديمقراطية وأساس التحول إلى دولة قومية.. فكان مصير الثورة الجزائرية الإخفاق التام لأ نَّ مشروعها التحرري توقف عند الحدود التي رسمها الإستعمار الفرنسي ، وأصبحت تدافع عنها بوصفها حقائق تاريخية أبدية.
3-كانت الدولة الملكية المغربية تعتبر نفسها مركزية و عريقة و تاريخية ، لذا كانت أولويتها الإستراتيجية تتمثل في الدفاع عن نفسها إزاء معارضة الأحزاب اليسارية لها في الستينيات ، و الشرعية الثورية لجارتها الجزائر، تماهيها مع المغرب الملكي الأبدي و مصيره ومنعت الملكية المغربية بعد ضم الصحراء الغربية من بروز بومدين مغربي جديد معاد للدولة المخزنية ، كما أنَّها جعلت كل أحزاب المعارضة اليسارية تصطف على أرضية الخط السياسي للملك.
4- وعلى الجانب الآخر، يمثل تشابك المسألة الصحراوية وتعقيداتها الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات تطبيع العلاقات بين الجزائر و المغرب، و يعود أساس التناقض بين فعل الإيمان بالوحدة المغاربية ، و العدائية في واقع العلاقات بين البلدين إلى النمط السلطوي في شرعنة الحكم السائد في كلا البلدين .ففي المغرب و الجزائر معاً تحول استغلال الشعور الوطني إلى سلاح سياسي في الصراع على السلطة . و هنا تكمن صعوبة إيجاد حل في نزاع الصحراء الغربية خارج نطاق المشروع القومي الديمقراطي الوحدوي. فبالنسبة للدولة المغربية تعتبر أي تنازل في قضية الصحراء يقود إلى خسارتها ، سيعني سقوط العرش الملكي المغربي . وبالنسبة للنظام الجزائري ، فإنَّ المزايدة الوطنية “حول تقرير المصير في الصحراء الغربية” ، تشكل عنصراً من عناصر بقاء الدولة التسلطية. و قد حول كل من الجزائر و المغرب قضية الصحراء الغربية بفعل هذه المزايدة الوطنية إلى قضية أكبر من فلسطين. علما أنَّ الدولتين لا تبديان أية معارضة و لو شكلية إزاء المخطط الأمريكي الصهيوني لتصفية فلسطين.
خاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:
يلاحظ الخبراء المتابعون للشؤون المغاربية ، أنَّ الخيَّاط الباريسي الشهير” فرانسيس سمالتو” هو الذي يحافظ على علاقة دائمة مع قادة المغرب العربي ، لأنَّه يقدم لهم خبرتــه و ذوقه في التفصيل والخياطة لبدلات القادة المغاربيين،وهو الذي يوحدهم في صالونه الرفيع في قلب العاصمة الفرنسية،أما وحدة المغرب العربي ،التي بدأت كمشروع بناء إقليمي، وتتردد في الخطاب الرسمي للأنظمة السياسية الحاكمة، فقد أصبحت مصدرًا للفرقة بين الحكام المغاربيين،والأمر لا يتعلق على الأرجح، بالتركيب الديني أو الثقافي الخاص بالعروبة، بل يتّصل بمشكلة النخب السياسية الحاكمة التي أصبح همها الأكبر الاندراج في قنوات النظام الدولي الأمريكي بانضباط محكم، و التطبيع مع العدو الصهيوني ، للاستمرار في الحكم.
وفي هذا السياق، لم تكنْ هذه النخب المغاربية الحاكمة تشعر بأي نوعٍ من الانتماء إلى العروبة السياسية، إسلامية أم علمانية. ولم تتمكنْ معظم الطبقات والفئات التي ظهرتْ في الجزء الثاني من القرن العشرين لتحكم المغرب العربي باسم شرعية قيادة حركة التحرّرالوطني ، من كسب الحدِّ الأدنى من الشرعية الديمقراطية حيال شعوبها، وذلك لفقدان الإنجازات الحقيقية في إرساء الديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون، بالتلازم مع بناء المجتمع المدني الحديث. ولم تتحقق كل هذه المسائل، بل حصل عكس ذلك، أي بناء الدولة المتسلطة، وهبوب رياح “القوميات القطرية “المصطنعة التي باتت تشكل “جداراً حديدياً” يفصل بين بلدان المغرب العربي.


