عقد اجتماعي مشوه: المسار الخطير لأنظمة الحماية الاجتماعية في لبنان

بات المواطنون معرّضين، بفعل الاختلالات الحادة في نظام الحماية الاجتماعية الرسمي في لبنان، لمخاطر تتفاقم حدتها بشكلٍ مطرد في ظل الأزمة المالية والاقتصادية المستفحلة. وإزاء هذا الواقع، عزّزت الطبقة الحاكمة نظام الامتيازات الاجتماعية المعتمد من قبلها. فقامت بتفعيل شبكات الزبائنية لإفادة مناصريها وزيادة امتيازات الموظفين الحكوميين، ولا سيما عناصر الأسلاك العسكرية. أما الشريحة الأكبر من المواطنين المحرومين الذين لا وزن سياسي لهم، فيتركون لمصيرهم. وما الارتفاع المؤسف لحركة الهجرة غير الشرعية بوسائل خطرة عبر البحر إلا نتيجة لهذا الوضع، وقد أدت حتى الآن إلى غرق المئات.

من ناحية أخرى، لا يعزى غياب التعامل الجدي مع هذه الكارثة الاجتماعية في البلاد إلى انعدام الكفاءة المالية أو الفنية. في الواقع، أنفق المصرف المركزي مبالغ توازي قيمة الحجم الحالي للاقتصاد (نحو 20 مليار دولار أميركي) على دعم متناقص للسلع وسعر الصرف وتحويلات رؤوس الأموال. إضافة إلى ذلك، تستمر حكومة ميقاتي بالمماطلة في إقرار الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، وهي عبارة عن وثيقة تفصّل كيفية الانتقال من النظام الحالي القائم على الامتيازات الاجتماعية إلى نظام عادل قائم على الحق بالحماية الاجتماعية.
إلى ذلك، يعود غياب التعامل الجاد مع هذه المسألة إلى قيود في بنية النظام رسخها نموذج السياسة الاقتصادية المعتمد قبل الأزمة بكثير. أما بعد الأزمة، فينذر مسار توفير التقديمات الاجتماعية بمخاطر كبيرة تهدد سلامة النسيج الاجتماعي في البلاد. ويعزّز هذا النهج، الذي يعتمد بشكل كبير على تدخلات محلية من قبل جهات فاعلة غير حكومية والذي يسهم في إضعاف مؤسسات الدولة أكثر فأكثر، الترتيبات السياسية الطائفية والمناطقية ويشكّل خطراً على النسيج الاجتماعي.

استخدام الحماية الاجتماعية كأداة في السياسة
لا تقتصر قيمة برامج الحماية الاجتماعية على الفوائد الاجتماعية الاقتصادية المثبتة، كالاستثمار في رأس المال البشري وتعزيز تراكمه. فالحماية الاجتماعية أساساً هي اتفاق جماعي على تشارك المخاطر بين الناس بما يضمن حداً أدنى من الحقوق والكرامة للجميع، بغض النظر عن المخاطر الفردية أو المشتركة. وتعتبر هذه الضمانات حقوقًا تُمنح إلى المواطنين من خلال إجراءات مؤسساتية مركزية، أي الدولة، وتُموّل عبر الضرائب أو الاشتراكات. وتشكّل هذه الإجراءات أساس العقد الاجتماعي الذي ينظّم العلاقات المدنية بين المواطنين أنفسهم وبين المواطنين والدولة، وتعتبر أداة أساسية توفّر للمواطنين إطاراً وطنياً موحّداً ينتسبون إليه.
من شأن نظام حماية اجتماعي شامل قائم على الحقوق تشرف عليه الدولة أن يحدد معايير أهلية غير خاضعة لاعتبارات حزبية وأن يوفر تقديمات للسكان المستوفين لشروط الأهلية من دون تمييز أو اشتراط الولاء السياسي بالمقابل. وبذلك، تعتبر مركزية سياسات الحماية الاجتماعية، بما في ذلك تحديد نوع التقديمات وحجمها والمستفيدين منها الخ.، جوهر وركيزة أي برنامج حماية اجتماعية ذات فعالية سياسية تعزز مبادئ التضامن الجماعي في كافة أنحاء البلاد. كما أنّ اعتماد المركزية عند تصميم السياسات لا ينكر فوائد نظام لا حصري لتقديم الخدمات منظّم بشكلٍ سليم وأنظمة حماية اجتماعية مرنة قابلة للتكيّف.

أسس الاقتصاد السياسي التي قامت عليها الحماية الاجتماعية قبل الأزمة
في الحقبة التي تلت الحرب الأهلية اللبنانية، سعت الطبقة الحاكمة إلى تقويض الدور الاجتماعي للدولة بغرض تشويه العقد الاجتماعي وإنشاء مناطق خاضعة للإقطاعية الطائفية تضمن إحكام قبضتها على السلطة. ونجحت في ذلك من خلال اعتماد ثلاث آليات رئيسية، هي:
أولاً، تأسيس قنوات إعادة توزيع زبائنية قائمة على الاستعانة بموارد الدولة أو موارد خاصة بديلة. وهذا ما جعل الأحزاب الطائفية فعليًا المزوّد الأساسي لتقديمات الحماية الاجتماعية، وما أدى إلى نشوء عقود اجتماعية وإجراءات سياسية مختلفة في المجتمعات الطائفية والجغرافية المتنوعة.
ثانيًا، تأسيس بنية تراتبية واضحة للتقديمات المخصصة للعمّال، تتوقف على الفائدة السياسية للعامل نفسه. وتتجلى تداعيات ذلك في التقديمات السخية التي تقدّمها تعاونية الجيش مقارنة بتعاونية موظفي الدولة، علماً أن تقديمات هاتين التعاونيتين أعلى وأفضل من تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي لا تغطي إلا عاملي القطاع الخاص الرسمي. أما عمال القطاع غير الرسمي المحرومين، الذين يشكلون النسبة الأكبر من القوى العاملة (بنسبة 62%)، فتركوا في أسفل هذه التراتبية الهرمية من دون أي تقديمات، وخُصّصت لهم برامج إعانة اجتماعية لا تستهدف إلا من يعيشون منهم في الفقر المدقع.
ثالثًا، اندساس النخب الحاكمة في اتحادات ونقابات العمّال لقمع قدرتها على التحرّك والتفاوض بشكل جماعي وموحّد لتحقيق سياسات وتقديمات أفضل.
وهذا ما أدى إلى نشوء نظام امتيازات اجتماعية دحض الخاصية الجامعة لنظم الحماية الاجتماعية وأضعف الآليات الديمقراطية للتمثيل السياسي.

إضفاء الطابع المحلي على التقديمات بعد الأزمة
عزز واقع الحماية الاجتماعية في البلاد بعد الأزمة النظام المعتمد ما قبل الأزمة وفاقم من حدّة تداعياته. أما نظام الحماية الاجتماعية، فتم القضاء عليه بسبب هيمنة برامج المساعدة الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية في حالات الطوارئ على المشهد العام.
وعوضًا عن إصلاح النظام، اقتصرت الاستجابة الاجتماعية للدولة على برنامج يستهدف الفقر “بتكلفة معقولة”. وقد جاء هذا البرنامج في أعقاب برنامج الدعم الباهظ التكلفة وغير الفعّال الذي قاده البنك المركزي. فخلال هذه السنة فقط، تكبّد هذا الأخير، من جراء دعم سعر الصرف عبر منصة صيرفة، خسائر بلغت قيمتها ثلاثة أضعاف قيمة البرنامج الذي يستهدف الفقر. وفي الوقت ذاته، جاءت الاستثمارات ضعيفة جدًا في التقديمات لكافة مراحل دورة الحياة، مثل مقترح أرضية الحماية الاجتماعية1 ومقترح إنقاذ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المتعثر.
إضافة إلى ذلك، تراجع الدور الاجتماعي لمؤسسات الدولة أكثر فأكثر، بما أنّ الجهات المانحة الدولية آزرت اللجوء إلى قنواتها الخاصة أو إلى المنظمات غير الحكومية لتقديم المساعدات. ويعود ذلك لما تعتبره هذه الجهات سوء حوكمة وممارسات فساد مستشرية في المؤسسات الرسمية.
أدّى الغياب شبه الكامل للدولة على المستوى الاجتماعي إلى انتشار قنوات غير رسمية للإعانة بهدف سدّ الفجوات القائمة. وتقوم هذه القنوات غير الرسمية، بشكلٍ عام، على المجتمعات المحلية وتفتقر للسياسات المركزية وتعمل عبر آليتين رئيسيتين:
الآلية الأولى قائمة على تدخلات محلية من جهات سياسية أو دينية تعتمد على منصات تشمل البلديات التابعة سياسيًا والمؤسسات الدينية والمنظمات ذات الارتباطات السياسية أو الدينية. ويعتمد تمويل هذه البرامج بشكلٍ أساسي على تبرعات الميسورين المنتمين للمجتمعات المحلية في لبنان والمهجر.
والآلية الثانية قائمة على تدخلات محلية تقودها جهات مانحة وتنفّذها منظمات دولية أو جهات محلية غير حكومية.
وفي حين تترك هذه التدخلات آثارًا تلطيفية قصيرة الأمد، إلا أنها تحمل مخاطر سياسية عميقة قد تهدد النسيج الاجتماعي في البلاد.
تؤدي هذه البنية “اللامركزية” للمساعدة الاجتماعية مقرونة بغياب دولة مركزية ممكَّنة إلى ترسيخ الإجراءات والتدابير السياسية الطائفية والجغرافية. وبفعل هذه التدابير، لا تتحول المجتمعات المحلية إلى مجتمعات منفصلة عن بعضها البعض نتيجة للسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المختلفة التي تعيش فيها فحسب، بل تتنافس أيضًا في ما بينها على الموارد المحدودة المقدمة من الجهات المانحة والمغتربين، ما يؤدي إلى تفاقم حدّة التوترات.
وقد يفضي استمرار الأزمة في لبنان في ظل هذا الوضع إلى تفكك كامل للمجتمع لأجيال وأجيال.

البديل ..
لا يزال بالإمكان تغيير المسار الحالي. فتأسيس نظام حماية اجتماعية يطال الجميع ويقوم على الحقوق وتتولى الدولة إدارته ممكنٌ من الناحية المالية والتقنية على حدٍ سواء. وعليه، توفّر استراتيجية الحماية الاجتماعية ركيزة متينة لإنشاء هذا النظام الذي يجب اعتماده كما هو من دون تعديل. كذلك، لا بد من اعتماد أرضية حماية اجتماعية تستهدف نقاط الضعف في كافة مراحل دورة الحياة. كما أنّ إجراءات إدخال إصلاحات مالية ومؤسسية طارئة على برنامج شبكة الأمان الاجتماعي هي إجراءات قابلة للتنفيذ يمكن أن تعيد المجتمع إلى السكّة الصحيحة.
وفي الوقت ذاته، تشكّل مؤسسات الدولة اللامركزية، مثل مراكز التنمية الاجتماعية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، منصّةً موثوقة لإطلاق التدابير المخففة لآثار الأزمة بالشراكة مع الجهات الدولية المانحة ومنظمات المجتمع المدني. ومن شأن إعادة إحياء مؤسسات الدولة وتفعيل دورها الاجتماعي تحقيق إنجازات لناحية إعادة بناء الثقة وتمهيد الطريق أمام عقد اجتماعي أفضل.

1 منظمة العمل الدولية واليونيسيف. (2021). “نحو أرضية حماية اجتماعية في لبنان.”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى