أركنُ إليكَ وأحِنُ

بقلم: إنصاف قلعجي

 

“يا لذكراك التي عاشت بها روحي على(الوجد) سنينا”

تُرمّمني ذكراك.. فأراكْ
في كل الوجوه الصابرة أراكْ
في كل الأيدي القابضة على الجمرِ أراكْ
في كل القناديل المزروعة على دروبنا..
أراكْ..
في الشفق الدامي ينتظر نهاية المخاض
في أكفّ تبتهل إلى اللهِ
في صرخات المظلومينَ
تشهق في أعماق الليلِ
أراكْ..
تُرمّمني ذكراكَ.. فأحيا من جديد

أعود إلى أوراقي العتيقة إلى زمانه، زمان الزعيم جمال عبد الناصر، حين أهديته هذه المقدمة لكتابي” النسر في الليلة الأخيرة”، والذي وضعته يوما على قبره.. يا لتلك الذكريات، تأتي من تحت الأنقاض لتأخذنا إلا الأماكن التي نحبها، أماكن تحيينا، لها طعم الحنين المرّ. ويأتي شهر يوليو لنعيد ذكريات أفراح الثورة العظيمة، عام 1952 والتي كان للأمة العربية شأنها الكبير، قادها الضباط الأحرار، ومنهم الضابط جمال عبد الناصر، عقب حل الأحزاب السياسية وإسقاط دستور 1923 في كانون الأول 1953. وفي تلك الفترة تمّ تأميم قناة السويس، وألغي النظام الملكي ليكون النظام جمهوريا،وتوقيع اتفاقية الجلاء البريطاني بعد أربعة وسبعين عاما من الاحتلال، ولعل من أهم إنجازات الثورة إلغاء الطبقات بين الشعب المصري، وتحرير الفلاح بإصدار قانون الإصلاح الزراعي. وقد دعمت الثورة حركات التحرر العربية.. لتصبح مصر في عهد عبد الناصر مركزا لحركات التحرر العالمي وكتلة عدم الانحياز.
كان أبو خالد معنا، في بيتنا، خطاباته، صوره، إطلالاته، طفولتنا، شبابنا. كان ينمو معنا ونحن نكبر ونكبر.. وجهاز المذياع القديم، ولاحقا التلفاز(الأبيض والأسود) هو نافذتنا التي يطل منها لنراه. وأكثر ما كنت أراه في عيني أبي، في ملامحه وهو يستمع إلى خطابات عبد الناصر. كان يعبئ فضاءاتنا وسماءنا وبيتنا وبيوت جيراننا.. وكأنه قديس يحوم من بيت لبيت لينشر الطمأنينة وأننا أمة عربية واحدة.
وأعود إلى الأوراق التي خبأتها مذ ذاك الزمان، لأقرأ رسالة كتبها نجل الزعيم، عبد الحكيم إلى الرئيس بشار الأسد في 14/4/2018 يتحدث فيها عن العدوان الثلاثي على مصر ويندد بالعدوان الثلاثي على سورية من قبل القوات الأمريكية والفرنسية والبريطانية في عملية زعمت بأنها رد على هجوم كيماوي شنته سورية في دوما بالغوطة الشرقية. يقول عبد الحكيم:
” كما كان قدر مصر في صد العدوان الثلاثي الغاشم في معركة السويس عام 1956 حين أعلنت سورية الشقيقة ” هنا القاهرة من دمشق ” ، وكانت معركة السويس مقبرة الحقبة الاستعمارية بوجهها القبيح القديم، فإن قدر سورية قلب العروبة النابض، كما أطلق عليها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، أن تكون مقبرة الاستعمار بوجهه الجديد الذي تصور أنه عن طريق أعوانه من الخونة أن يفرض إرادته علينا، ولكن هيهات. والآن نعلنها من مصر جمال عبد الناصر” هنا دمشق من القاهرة”. والجدير بالذكر أن الإعلامي السوري عبد الهادي بكار، حين سمع بالعدوان الثلاثي على مصر، هرع إلى المذياع ليعلن “هنا القاهرة من دمشق”.
يقول عبد الناصر:
” أنا لا أخشى على شعبنا من العدو الخارجي، فقد استطاع شعب مصر العظيم أن ينتصر في معارك التحرير في كل العصور وأن يطرد الاستعمار، لكن ما أخشاه هو مخاطر الانقسام وإشعال نيران الفتن باسم الدين أو باسم الديمقراطية من اللاهثين على السلطة”.
ثم..ثم..
كانت السادسة والربع.. السادسة والربع مساء، حين رحلتَ في 28 أيلول 1970.
كسرتنا.. كسرنا رحيلك المبكر، كسرتَ أحلامنا التي عشناها في ظلالك. بكتك الأمة من المحيط للخليج.

لقد نعاه معظم زعماء العالم، وخاصة في أفريقيا وآسيا..ومن هذا النعي:
يقول الزعيم فيدل كاسترو: إن عبد الناصر واحد من أعظم شخصيات هذا العصر وثائر عظيم قاد نضال شعبه في استبسال نادر لدحر مؤامرة هذا العصر. لقد فقد العالم بوفاته ثوريا فذا لا يتكرر.
وقالت أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند إن التاريخ سيسجل للرئيس جمال عبد الناصر مساهمته الفريدة في بعث الشعب العربي.. إن الرئيس جمال عبد الناصر ستظل ذكراه خالدة في الهند وفي كل مكان في العالم، وذلك باعتباره قائدا عظيما وسياسيا يتسم بالشجاعة والحكمة.
وقالت منظمة فتح آنذاك: إن حظك يا فلسطين عاثر,.. فلقد فقدت مناضلا من أبرز المناضلين ورجلا من أعز الرجال في وقت أنت بحاجة إلى المناضلين وبحاجة إلى الرجال. نحن واثقون أن روح عبد الناصر وشجاعة عبد الناصر وبطولة عبد الناصر ستظل أنشودة جيلنا والأجيال التي تأتي من بعدنا.
أما السيدة تحية حرم الرئيس جمال عبد الناصر، فتكتب في مذكراتها” ذكريات معه” التي صدرت عن دار الشروق في القاهرة 2011 ” لم تمرّ عليّ دقائق إلا وأنا حزينة.. وهو أمام عينيّ في كل لحظة عشتها معه، صوته، صورته المشرقة،
إنسانيته، كفاحه، جهاده، كلامه، أقواله، خطبه..لقد عشت مع جمال عبد الناصر ثماني سنوات قبل الثورة، وثمانية عشر عاما بعد قيامها.. ولقد تزوجنا في 29 يونيو سنة 1944 أي عشت معه ستة وعشرين عاما وثلاثة أشهر. فبالنسبة لي الآن أعيش ما بعد رحيله. لقد عشت معه مرحلتين قبل الثورة وبعدها، والمرحلة الثالثة هي التي أعيشها ألاّن بعد رحيله ولم يرها.. آه ما أصعبها. يا لها من مرحلة قاسية من كل الوجوه، فراقه وافتقادي له.. لم أفتقد أي شيء إلا هو، ولم تهزني الثمانية عشر عاما إلا أنه زوجي الحبيب، أي لا رئاسة الجمهورية ولا حرم رئيس الجمهورية.

يا سيدي، مرّ الحلم العروبي الجميل، كأنه رفّة عين، شهقة قلب.. رعشة ذاكرة تغفو على زمن غابر، لكنه ترك شروشه تنمو في وجداننا.
مرّ حلم ما، وتلاشى في أشلاء الغروب يحمل بقايا ما كان في القلب، وفي الروح.
مرّ في صبانا ونحن نعانق حروف “وطني حبيبي الوطن الأكبر، و “لآخر مدى ثوار”.
يمرّ العمر، يطوي الأيام والشهور ليأتي نهاية أيلول مبللا ببقايا دموع معلقة على جدران الذاكرة.
مرّ مثل طيف خفيفا خفيا، لكننا أثقلنا قلبه النقي بالأوجاع، والخلافات، والتآمر، وما نزال يا سيدي نعيش في عصر عنوانه: الكذب الكثير والدم الكثير.
كم كانت منشية البكري تتبع القلب كلما زرت المحروسة، وكان قبرك محجي الذي تفيض أحزاني في رحابه..
ماذا أشكو لك يا سيدي.. فالقلب يفيض بالأسى.. ويفتقدك، ويحنّ لزمانك..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى