كان هنا عبدالناصر !!

 

بعد رحيل الزعيم العظيم جمال عبد الناصر، الصادم المفاجئ في 28 سبتمبر عام 1970، استعاد أحمد بهاء الدين في أوائل أكتوبر 1970 سطورا مما سبق ان كتب، وهو من هو في الطراز الفكري والمهني الأرفع، وصاحب مدرسة «فكّر بعمق واكتب ببساطة»، استعاد بهاء وقتها مقالا كان كتبه في يناير/كانون الثاني 1970، وكان عبدالناصر لا يزال بيننا وأمامنا، وحمل المقال، مع إعادة نشره عنوان «ماذا كان عبدالناصر وماذا سنكون؟!»، وجاء في المقال ـ النبوءة..

«من النادر جدا في عالم السياسة، أن يحدث مثل هذا التركيز المطلق على شخص قائد، كالتركيز الذي هو حادث اليوم على شخص عبدالناصر، فالشرق الأوسط منطقة مهمة وحساسة، لا يمكن أن تغفلها أي قوة كبرى من حسابها، وكل قوة من القوى تحمل في مخيلتها خريطة تتمناها لهذا الشرق الأوسط، وتعمل على تحقيقها، وعبدالناصر يقف كحجر العثرة في طريق كل من يرسم خريطة من هذا النوع للمنطقة، هكذا كان منذ سبعة عشر عاما ولا يزال، القوى الدولية المتصارعة والكتل السياسية هنا وهناك، فرنسا يوما وإنكلترا يوما آخر، وأمريكا يوما ثالثا، وإسرائيل كل يوم، ومتعلقة كل يوم بذراع من يرسم خريطة للمنطقة تناسب هواه وهواها، والمشكلة هي زعامة عبد الناصر، ذلك أننا إذا أردنا في حقيقة الأمر، أن نلخص دور عبد الناصر إلى أقصى درجات التلخيص، وأن نلخص الموجة التي دفعها، والتي حملته في الوقت نفسه، لقلنا إن معركته هي معركة من يريد أن تكون الإرادة في المنطقة العربية إرادة عربية، والقول في مستقبل العرب للعرب، ضد الذين يريدون أن تكون الخيوط المحركة في المنطقة مربوطة في النهاية إلى أيد غير عربية، وإرادات غير عربية. وجود عبد الناصر يجعل اللعبة كلها مربوطة به، ويحجر بالتالي على حرية الذين يريدون أن يلعبوا في المنطقة، والقوى الكثيرة التي تريد أن تتخلص منه، تريد أن تسترد حرية اللعب، وأن تضع كل منها قواعد اللعبة التي تناسبها، وهي حرية لا يتمتعون بها في وجود قيادة عبد الناصر، وما تمثله لدى الجماهير العربية. يثيرهم أن ترتبط اللعبة في المنطقة كلها به وهو منتصر، ويثيرهم أكثر أن ترتبط به وهو غير منتصر، ذلك أنهم يرون المغزى هنا أعمق والارتباط أقوى، وهم لا يتمنون إلا أن تدب الفوضى ويعم التسيب، فتنقض الذئاب الغريبة على المنطقة العربية، على القطيع تلتهمه واحدا واحدا».

انتهى الاقتباس المطول من مقال أحمد بهاء الدين المذهل، وقد كان الكاتب نفسه من ضحايا نبوءته البصيرة، حين صحا ذات صباح على مشهد اكتساح دبابات صدام حسين لأراضي الكويت، ولم يستطع قلبه المرهف تحمل الصدمة، فسقط العقل في متاهة الغياب، وفي ظلام الغيبوبة الثقيلة لست سنوات متصلة، انتهت بوفاته في 24 أغسطس/آب 1996، فقد عاش بهاء أزمة العراق والكويت نفسها زمن عبد الناصر، ورأى كيف ردع عبدالناصر قرار الزعيم العراقي عبدالكريم قاسم في غزو وضم الكويت، تماما كما جرى في عشرات الأحداث العاصفة الأخرى، بينها نذر حرب أهلية بلبنان، مع تدخل الأسطول الأمريكي السادس وقت رئاسة كميل شمعون، وفي منع خطر غزو تركي لسوريا أراده الزعيم التركي عدنان مندريس، والتدخل بالوحدة لحماية الكيان السوري، وفي اختصار زمن المعاناة اليمنية بالتدخل العسكري لدعم الثورة، وفك حصار صنعاء الجمهورية، وفي دعم كل ثورات التحرير في المنطقة، وفي الإسناد العفي لثورة الجزائر وتحريرها من الاحتلال الاستيطاني الفرنسي، وفي التصدي للأحلاف والقواعد العسكرية الأجنبية، وإسقاط مؤامرات «حلف بغداد» و»الحلف المركزي»، وفي هزيمة العدوان الثلاثي 1956 وقطع ذيل الأسد البريطاني، وإطلاق موجة التأميمات الوطنية، التي استوحت ملحمة تأميم قناة السويس، التي لم تكن لتعود إلى مصر سلما مع انتهاء فترة الامتياز البريطاني الفرنسي المفروضة إلى عام 1968، لو لم يستردها عبد الناصر بقرار التأميم، ومعه بناء السد العالي، وإطلاقه لنداء «بترول العرب للعرب»، وبناء لبنات التعليم والإدارة الأولى في كل أقطار الخليج، ولم يكن لذلك كله أن يجري في هدوء، بل تآمرت على عبدالناصر ونظامه كل القوى الراغبة في الاستيلاء على المنطقة وقرارها، وكانت حرب 1967، التي سمتها المخابرات الأمريكية «عملية اصطياد الديك الرومي»، ووقعت الهزيمة الفادحة الخاطفة، التي تحمل عبد الناصر مسؤوليته عنها، وقرر التنحي، وأعادته جماهير 9 و10 يونيو/حزيران 1967 المليونية الطوفانية المتدفقة تلقائيا، ليخوض الرجل أعظم ملاحمه، ويعيد بناء الجيش من نقطة الصفر، ويقود حرب الاستنزاف، التي كانت أطول صدام بالنار مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وأمريكا من خلفه، وكونت لمصر وأمتها كوكبة من الجنرالات الذهبيين العظام، صنعوا معجزة العبور في حرب أكتوبر 1973، التي كان عبد الناصر قد أعد أدواتها وخططها، وصولا لبناء حائط الصواريخ العظيم، الذي لم يكن للعبور أن يتم من دونه، وفي قلب المعركة وابتلاءاتها، كان سعي عبد الناصر الأخير لإنقاذ منظمات المقاومة الفلسطينية في حرب الأردن، ووقف سفك الدماء العربية بالأيدي العربية، وما إن أتم عبد الناصر دورة حضوره الحي في التاريخ، وقد امتد بالقصور الذاتي والتعبئة الشاملة حتى حرب أكتوبر، وحتى كان ما كان، من خذلان السياسة لنصر السلاح، وإحلال الركام محل النظام، والاندفاع في تفكيك ركائز التقدم والدور المصري القيادي، وانفجار الأوضاع في المنطقة كلها، وتوالي سلاسل الحروب الأهلية، بدءا من حرب لبنان 1975، إلى ما شهدناه بعدها ولليوم من خراب ودمار وحروب داخلية في أقطار عربية، من الصومال إلى السودان، فالعراق وسوريا واليمن وليبيا، وبالأيادي غير العربية بالشراكة مع العدو، ومع غياب الإرادة العربية والقرار العربي، في تقرير مصائر المنطقة، التي تحولت إلى ملاعب دم ونار، أشعلها الأقربون والأبعدون من الغرباء.

لقد قفزنا إلى المجهول المرعب الذي تنبأ به أحمد بهاء الدين قبل 52 سنة، وقتها كتب بالنص «أعرف ساسة ورسميين وأفرادا عاديين في أقطار عربية شتى، ليسوا من الملتقين مع أفكار عبدالناصر، ولم يكونوا دائما من الواقفين معه، ولكنهم حتى هم في ساعات الظلام والخطر والغموض، يجدون أن زعامة عبد الناصر تعني لهم شيئا، وتعني عدم القفز إلى المجهول، يقول لي مسؤول في ركن قصى صغير من أركان العالم العربي: الأجنبي حين يتعامل معنا، يحسب الآن حساب أننا من الأمة العربية، وهذا شيء أوجده عبد الناصر»، قال بهاء قولته قبل وفاة عبد الناصر، وحين رحل الرمز والقيادة والزعامة الجامعة، أضاف بهاء وصيته الداعية لملء فراغ الرحيل، وبفقرة قاطعة قال فيها «نقول شيئا واحدا، إن هذا الدور لا بد من أن يملأ، ولا يمكن أن تملأه إلا مصر كلها، لأن في استمرار هذا الدور حياتها وحياة كل العالم العربي»، ولا بد من أن كلام بهاء القديم، يذكرك بما يجري هذه الأيام، وبأحاديث الرئيس الأمريكي بايدن عن ملء فراغ منطقتنا العربية، وعن ضرورة ألا تترك أمريكا وإسرائيل الفراغ العربي لتزحف إليه روسيا والصين وإيران، وكأن التاريخ يعيد نفسه، وتستعاد عظاته ودروسه التي لا تفنى، حين روجت أمريكا زمن أيزنهاور لنظرية ملء الفراغ نفسها في خمسينيات القرن العشرين، وأرادت صناعة ما سمته سلاما ودمجا بين «إسرائيل» ومصر وقتها، وهو ما رفضته ثورة يوليو بزعامة جمال عبدالناصر، وأكدت أن المنطقة لأهلها لا لغيرهم، وصارعت كل المطامع الأجنبية، وانتقلت من كونها ثورة مصرية إلى ثورة عربية شاملة، وصعدت بحركة القومية العربية الجبارة إلى أعلى ذراها، ففي المنطقة أمة واحدة وشعوب متعددة، تحلم بالحرية والكرامة والتقدم والوحدة، ويختلف أهلها كما تختلف شعوب الأمم كلها، لكنها تظل على شعور وسلوك التاريخ الواحد والمصير الواحد، ولا تترك بين أهلها فراغا يحتله غيرها، فقد كان هنا عبدالناصر، وتكون الأمة من بعده إلى وقت نهوض تحلم به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى