خلفيات العدوان الأمريكي الجديد على سورية واستهدافاته
بقلم: توفيق المديني

قال الرئيس الأمريكي جو بايدن، يوم الخميس25أغسطس/آب 2022، إنَّ الولايات المتحدة نفذتْ ضرباتٍ جويةٍ في سورية، استهدفتْ خلالها أهدافًا مرتبطةً بإيران، لحماية الأفراد الأمريكيين، والدفاع عنهم، وعرقلة سلسلة هجمات على أمريكا وشركائها.
وأوضح بايدن في رسالة إلى رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بيلوسي، أنَّه أمر بضربات يوم الثلاثاء 23 آب/ أغسطس2022، “بما يتسق مع مسؤوليته في حماية مواطني الولايات المتحدة في الداخل والخارج، وتعزيز الأمن القومي لبلاده ومصالح السياسة الخارجية”.
الاحتلال الأمريكي وخيار المقاومة
شدَّدَ الرئيس الأمريكي بايدن على أنَّ “الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد للقيام بتحركات إضافية للتصدي للتهديدات”،وما قصده ،ب”التهديدات”، هي جملة العمليات المقاومة التي تقوم بها قوى عربية سورية وحليفة من أجل طرد الجيش الأمريكي الذي بات يحتل المنطقة الشرقية من سورية، ويسيطر على حقل العمر النفطي القريب على الضفة الشرقية لنهر الفرات، حيث توجد أكبر قاعدة للتحالف الأمريكي في سورية،والمعروفة أيضا باسم “القرية الخضراء” ، وقد اسْتُهْدِفَتْ هذه القاعدة مؤخرًا من قبل قوات المقاومة في المنطقة الشرقية، إضافة إلى حقل العمر النفطي القريب على الضفة الشرقية لنهر الفرات.
وقالت القيادة المركزية للجيش الأمريكي المتمركزة في محافظة دير الزور شمال شرقي سورية، أنَّ الجيش الأمريكي قصف يوم الإربعاء 24أغسطس 2022،مستودعات تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية أنَّها تابعة لقوى المقاومة التي باتت تخوض عمليات عسكرية ناجحة لطرد المحتل الأمريكي. وأضافت هذه القيادة المركزية في بيان لها ، إنّ “مثل هذه الضربات تهدف إلى حماية القوات الأمريكية من هجمات الجماعات المدعومة من إيران”.
واستشهدت القيادة المركزية بحادث من هذا القبيل وقع في 15 أغسطس/ آب، إذْ قالت “رويترز” إنه اشتمل على هجوم بطائرة مسيّرة على مجمع يديره التحالف ومقاتلو المعارضة السورية المدعومون من الولايات المتحدة لم يوقع إصابات.
وقال المتحدث باسم الجيش الكولونيل جو بوتشينو: “الرئيس (جو بايدن) أعطى توجيهات بتنفيذ هذه الضربة”. ووصفت القيادة المركزية الضربة بأنها “إجراء متناسب ومدروس، يهدف إلى الحد من مخاطر التصعيد وتقليل مخاطر وقوع إصابات”.
من الجدير بالذكر أنَّ هذه المستودعات التابعة لحركة المقاومة التي استهدفها الجيش الأمريكي ، كانت عرضة في السابق لعدوان إسرائيلي طال هذه المستودعات في 13 يناير/ كانون الثاني عام 2021.
وتقع هذه المستودعات في قرية عياش على بعد 10 كيلومترات تقريباً غرب مدينة دير الزور على الضفة اليمنى لنهر الفرات، وتحيط بها مقرات ومعسكرات تابعة لمليشيات محلية وأجنبية تتلقى الدعم من “الحرس الثوري الإيراني”، وتتميز تلك المنطقة بوجود حراسة أمنية مشددة ويصعب اقتراب المدنيين منها، حسب المصادر المؤيدة للإحتلال الأمريكي، والمعادية للدولة الوطنية السورية.
وبحسب هذه المصادر نفسها،فإنَّ الدولة السورية وبعدما سيطرت على معظم دير الزور عام 2017، إثر الحرب على “داعش”، تقاسمت منطقة عياش مع المليشيات المدعومة من إيران، حيث سيطرت الأخيرة على المعسكر والمستودعات التابعة سابقاً للواء 137 في قوات الجيش العربي السوري وذلك بسبب أهمية الموقع الجغرافي القريب على البادية المشرفة على طريق دمشق دير الزور.وتتمركز في معسكرات عياش مليشيات “كتائب أبو الفضل العباس”، و”فاطميون” الأفغانية، و”زينبيون” الباكستانية، إضافة إلى مليشيات تتبع لـ”الحشد الشعبي” العراقي.
أمَّا من جانب إيران،فقد نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني يوم الأربعاء 24أغسطس 2022أي صلة لإيران بمواقع استهدفتها الولايات المتحدة في سورية.وأضاف كنعاني بحسب ما نقلت “رويترز”، “الهجوم الأمريكي على البنية التحتية والشعب السوري انتهاك لسيادة سورية ووحدة أراضيها. المواقع المستهدفة لا صلة لها بالجمهورية الإسلامية”.
من الواضح أنَّ تكثيف هجمات حركة المقاومة في شرق سورية يستهدف بالدرجة الرئيسة طرد القوات الأمريكية المحتلة للأراضي السورية، والتي تمارس عمليات النهب و السرقات للنفط والغاز السوري،بينما يعاني الشعب السوري في مجمله من شحة المواد المشتقة من النفط، مثل البنزين والمازوت، إضافة للغاز. وخيار المقاومة الذي بات يستهدف بعملياته العسكرية القوات الأمريكية ليس عابرًا أو مؤقتًا، إنَّما سوف يستمر وقد يتصاعد حسب التقديرات الميدانية للقادة.
ويرى المحللون أنَّ قدرة إدارة الرئيس بادين على تحمل الخسائر والضغط العسكري ضعيفةُ بسبب اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل ،وانخفاض مستوى الأهمية الاستراتيجية الأمريكية لمناطق التواجد في سورية بالنظر الى الاستراتيجية الامريكية العالمية التي تستهدف مواجهة الصين في مناطق جنوب شرق آسيا، والمحيط الهادىء.
الرؤية الأمريكية الصهيونية في مواجهة إيران
هناك اتفاق أمريكي- صهيوني على مواجهة إيران ،حليف الدولة الوطنية السورية على الصعيد الإقليمي ، إذ ترى الإمبريالية الأمريكية ومعها ربيبتها إسرائيل إنّ الممر البري الجاري إقامته من إيران إلى لبنان،مرورا بالعراق وسورية،الذي سيتحقق بعد الانسحاب الأمريكي من سورية، يُعَدُّ تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل،رغم القناعة الإسرائيلية بأنّ المشروع النووي الإيراني هو الخطر الاستراتيجي الأساسي،لكنّ في الوقت ذاته تأخذ أمريكا و إسرائيل بعين الاعتبار ما تقوم به إيران في الآونة الأخيرة من خطوات، وعلى رأسها إيجاد ممر بري يوصلها إلى البحر المتوسط.
وتمثل خطوة إنشاء هذا الأوتوستراد حجر الزاوية في السياسة الإيرانية في المنطقة،الأمر الذي تعتبره إسرائيل خطرًا حقيقيًا،يفوق ما أقامه تنظيم الدولة من سيطرة برية قبل سنوات،لأنّ هذا الأوتوستراد يمنح إيران فرصة ذهبية لمد سيطرتها على المنطقة بأسرها، طبعا هذا من وجهة نظر إسرائيل و أمريكا.
فالطريق البري يحقق هدفين استراتيجيين لإيران:الأول تأمين طرق معبدة مباشرة ومستقلة إلى حزب الله في لبنان،وعلى الحدود السورية-الإسرائيلية، ما سيجعل من هذه الحدود منطقة استعداد وجاهزية لشن أي هجمات ضد إسرائيل،فيما يواصل حزب الله تلقي المساعدات العسكرية والدعم اللوجستي من إيران، وبالتالي فإنّ هذا الممر البري يعني تعميق سيطرة إيران في سورية ولبنان .
ولهذا، كانت الاعتداءات الإسرائيلية على سورية تتم تحت يافطة منع إيران من بناء قواعد اشتباك إيرانية مع إسرائيل على الأراضي السورية ، لا سيما أنَّ الهدف الثاني الإيراني من هذا الأوتوستراد هو توسيع رقعة الجبهات التي تستهدف إسرائيل على حدودها الشمالية بالذات، بما فيها لبنان وهضبة الجولان السورية، وفي إطار هذه الخطة فان الحدود السورية-الإسرائيلية ستتحول عمليا إلى حزام إيراني يشمل قاعدة عسكرية متقدمة تحتاجها لشن هجمات صاروخية ضد إسرائيل وتنفيذ عمليات تسلل واجتياح بري.
أمريكا وإنشاء دولة كردية في شمال سورية
مع صعود تنظيم “داعش”الإرهابي في سورية، وتمدده بشكل درامي في العراق، كان أكراد العراق هم القوة الوحيدة على وجه التقريب التي تمكنت من الصمود في وجه هذا التمدد، بفضل صمود قوات البيشمركة، وما قام به التحالف الدولي من إسناد، نجحت الأحزاب الكردية، لا سيماحزب الاتحاد الديمقراطي، و قوات حماية الشعب (الكردية)، وقوات حماية المرأة (الكردية) في استغلال حربهما ضد تنظيم “داعش” في سورية، ومن كسر تمدده باتجاه مدينة كوباني (عين العرب فقد تمكنت ،حيث تشكل هذه القوات حاليًا العمود الفقري لـ”قوات سورية الديمقراطية” التي تمكنت من السيطرة على مدينة الرقة.
وجعل هذا الوضع من الأكراد رقماً صعباً يصعب تجاهله في معادلات الشرق الأوسط، كما جعل من مسألة نشأة دولة جديدة للأكراد تأخذ مكاناً بارزاً في تحليل أو حوار يتعلق بمستقبل كل من العراق وسورية.
لقد دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب ضد سورية من أجل إسقاط الدولة الوطنية ، وتقسيم البلاد، وهي جزء من مخطط الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، الذي هو بدوره ليس سوى تَتِمَّة أو تَحْدِيث لمخطط “سايكس- بيكو”.وتقوم الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط على أساس تفتيت الدول الوطنية العربية على أسس طائفية و مذهبية وعرقية،ولهذا واصلت الولايات المتحدة الحرب التي بدأتها في العراق سنة 2003، في كل من ليبيا واليمن وسورية… ومن الأساليب التي استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها من الحلف الأطلسي و الدول الإقليمية ، في هذه الحرب،استغلال النَّعَرات الطائفية و المذهبية و العرقية والمناطقية في العراق ثم سورية (الأكراد)، وما تأسيس دويلة كُرْدِية في شمال سورية برعاية أمريكية سِوَى جزء صغير من مخطط “الشرق الأوسط الكبير”.
عملت واشنطن ما في وسعها خلال السنوات الأولى للحرب ضد سورية، لتلتقي مصالح أمريكا مع عدد من القوى المتحاربة ومنها مليشيات الأكراد، لتكون أمريكا هي الرّابَح الوحيد من هذه الحرب، وأصبح الأكراد ورقة أمريكية يمكن تسويقها في الأوساط الديمقراطية والتقدمية. ثم أنشأ الجيش الأمريكي قاعدة عسكرية في مدينة”رميلان” التي تخضع لسيطرة قوّات سورية الديمقراطية (قسد) الخاضعة للميليشيا الكردية الإنفصالية (والتي أسَّسَها “حزب العمال الكردستاني” (التُّرْكِي)، على الحدود السورية المشتركة مع العراق وتركيا، والتي أصبحت مقرًا لفريق التخطيط العسكري الأمريكي، ونواة لتأسيس فدرالية أو دُوَيْلَة كردية، خاضعة للإمبريالية الأمريكية، عبر “روج آفا”، فيما تحولت “عين العرب” إلى قاعدة عسكرية مشتركة بين أمريكا وبريطانيا وفرنسا واستراليا وألمانيا وغيرها. وانتشر “المُسْتَشَارُون” الأمريكيون في المناطق المحيطة بالحسكة (شرقًا وجنوبًا) ويقدّرُ عدد الجنود الأمريكيين ومُرْتَزَقَةِ الشركات الخاصة المتعاقدة مع وزارة الحرب الأمريكية والمُنْتَشِرَة في شمال سورية بنحو خمسة آلاف جندي فيما ارتفع عدد المُقَاتِلِين إلى جانب مليشيات الأكراد (الأسايش) إلى نحو 40 ألف مقاتل، وزودتهم أمريكا بأكثر من خمسين ألف طن من العتاد.
وتمكنت القوات الكردية -بدعْمٍ عَسْكَرِي أمريكي- من التمدد في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية والسيطرة على أجْزاء من الشريط الحدودي مع تركيا، والسيطرة على “منبج”، ضمن مشروع تأسيس كيان كُرْدي داخل سورية، ومُنْفَصِلٍ عنها تحت تسمية “فيدرالية” كُرْدِية (بقيادة الإتحاد الديمقراطي الكُرْدِي)، واحتلت مليشيات “الأسايش” -بِدَعْمٍ من قوات رديفة أخرى ومن الطيران وما لا يقل عن 300 من الخبراء ومُسْتَشَاري القوات الخاصَّة للجيش الأمريكي مدينة ومُحيط “الحسكة” التي يقْطُنُها سوريون من السريان والأكراد والأشوريين والكلدانيين وطبعًا العرب الذين يُشَكِّلُون أغلبِيَّةً.
إضافة إلى ذلك، أصبح حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي يمتلك بنية تحتية اقتصادية في المناطق التي يسيطر عليها في سورية، فهو يجني من مبيع النفط الخام ما يقارب 10ملايين من الدولارات شهريًا،وقد يتجاوز المبلغ الفعلي هذا إذا تم احتساب إيرادات معمل الغاز في منطقة السويدية القريب من الرميلان، حيث ينتج المعمل يوميًّا 10000 أسطوانة غاز منزلي، ويتم بيعها بسعر 2000 ليرة سورية، علمًا بأن مصاريف استخراجها لا تتجاوز 350 ليرة سورية للأسطوانة الواحدة، أي إن إيرادات المعمل تقارب مليون دولار شهريًّا. كما سيطر الحزب على ما يعادل 343 ألف هكتار من أراضي مزارع الدولة التابعة للدولة السورية،وهي أراض استولت عليها الدولة السورية ضمن قانون الإصلاح الزراعي، وحوَّلتها إلى مزارع الدولة في محافظة الحسكة، وحاليًّا هي تحت سيطرة الحزب ومؤسساته؛ حيث يتم الاستفادة من إنتاجها. كما يجني الحزب أموالآً كبيرة من المعابر الحدودية التي تعتبر من الموارد الاقتصادية المهمة في مناطق سيطرة الحزب، وأهمها معبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق الذي يُعتبر من أهم المعابر حاليًّا بسبب إغلاق جميع المعابر الأخرى، ويشهد هذا المعبر حركة تجارية كبيرة من حيث نقل البضائع الغذائية ومواد البناء وغيرها، ويتم فرض ضرائب على جميع المواد التي تدخل عبر المعبر.. ويضاف إلى ذلك الضرائب التي يتم فرضها على التجار والشاحنات التي تنقل البضائع من وإلى الداخل السوري. كما ينتهز الحزب أية فرصة لأخذ التبرعات من أنصاره وسكان المناطق الخاضعة لسيطرته تحت أسماء مختلفة (إغاثية، دعم وحدات الحماية، دعم اللجان الخدمية،….).
ولبلوغ أهدافِها وتفتيت الدول والبلدان، تُشَجِّعُ أمريكا –بل وتختلق- أشكالا مَذْهَبِيّة داخل الدين الواحد (سُنَّة وشِيعَة) وطائفية وعشائرية (في عَصْر العولمة والطموح إلى جعل العالم “قرية واحدة”) وبعد استخدام “داعش” و”النُّصْرة” في سورية، تسْتَخْدِمُ اليوم ورقة الصراع العرقي أو الاثني أو القومي بين العرب والأكراد، وبين العرب والأتراك ،وبين العرب والفُرْس.
يجمع الخبراء في المنطقة أنَّ مصالح الدول ( سورية، وإيران، وتركيا وروسيا) باتت تلتقي على أهمية إخراج القوات الأمريكية من سورية، وتحجيم الدور الأمريكي في الملف السوري سياسيا وميدانيا، لأنَّه بات يضر بمصالح الأطراف الأربعة شرق الفرات، وشمال سورية،وعند تقاطع الحدود بين سورية والعراق والأردن.
أمريكا واللجوء إلى تلميع “جبهة النصرة” بقيادة محمد الجولاني
بعدما تمكنت ما تسمى “هيئة تحرير الشام” الإرهابية (التي تُعتبر جبهة النصرة عامودها الفقري) من السيطرة على ريف حلب الغربي، إضافة إلى القسم الكبير من محافظة إدلب الواقعة في الشمال الغربي لسورية،تسعى الولايات المتحدة الأمريكية التي تعيش حالة من التوتر في علاقاتها بتركيا إلى إنشاء” دولة سنية”شمال سورية حيث مناطق نفوذ تركية ومن خلف ظهر الأتراك، وتلميع صورة زعيم “جبهة النصرة” الإرهابي محمد الجولاني،حيث أخذ يقيم معارض للفن التشكيلي مؤخرا في إدلب. ويحضر افتتاحها مرتديا البدلة العصرية في محاولة لمغازلة التوجهات الجديدة في التقارب مع الغرب، ونزع صفة الإرهاب والتشدد عنه وعن جماعته..
يقول الإعلامي الفلسطيني كمال خلف في مقالته الأخيرة المنشورة بصحيفة “رأي اليوم” تاريخ 25أغسطس 2022،واذا كان الكيان الكردي المستقل شرق الفرات يهدد المصالح التركية والسورية والإيرانية معا، فإنَّ الأخطر هو إنشاء الكيان السُنِّي المستقل التابع لأمريكا على الحدود الجنوبية لتركيا. فهذا المشروع له ابعاد استراتيجية تتجاوز سحب البساط وزمام القرار على الجماعات المسلحة من تركية، لأنَّ قيام هذا الكيان يعني إغلاق بوابة التواصل مع الشرق كاملا بالنسبة لتركية، أي إغلاق الطريق الاستراتيجي الذي عبره الأتراك عام 2009 في إطار سياسية الانفتاح و التوجه شرقا.ومع إغلاق البوابة الغربية سابقا برفض قاطع لانضمام تركية للاتحاد الأوروبي، فإنَّ المشروع الأمريكي الغربي، هو عزل تركية شرقًا وغربًا، وتحجيم دورها بحدود وظيفتها في حلف الناتو فقط ونقطة على السطر.
الخاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:
إنَّ أخطر مايمكن أن تسفر عنه تداعيات الحرب الكونية على سورية ،هو تشظي سورية إلى دويلات طائفية، الأمر الذي قد يكون من تداعياته استثارة الأقليات في طول الوطن العربي وعرضه،واستنفارها تحت شعارات مطلبية تخدم مخطط إعادة تقسيم الكيانات العربية التي قامت على أساس اتفاقيات سايكس بيكو،إلى دول طائفية وأثنية جديدة. وما أكثر الأقليات المتربصة لإعادة تقسيم الوطن العربي، ومنها الأكراد في المشرق العربي، والبربر في المغرب العربي .
ويشتد التركيز الأمريكي-الصهيوني على سورية هذه الأيام ،لأنَّ سورية بمكوناتها الاساسية وقدراتها وموقعها الجغرافي،وخطابها السياسي المقاوم للمخطط الأمريكي الصهيوني للتسوية، إنما هي كيان أساسي يشكل مع العراق ومصر قاعدة الهرم في بنيان الوطن العربي،وأي تداع في بنيانه يحدث ارتجاجًا يطاول العمق العربي برمته امتدادًا شرقًا حتى باكستان.ولما أصبحت الاستراتيجية الأمريكية متطابقة مع الرؤية الصهيونية لأوضاع الوطن العربي،فإنّ الاستمرار في تقسيم سورية سيقود إلى تداعي الهرم العربي مما يجعل الكيانات الأساسية الأخرى أكثر انكشافا أمام الهجمة الأمريكية الصهيونية.


