عودة العلاقات الديبلوماسية كاملة بين تركيا والكيان الصهيوني
بقلم: توفيق المديني

أعلنت تركيا والكيان الصهيوني ، الأربعاء17أغسطس الجاري ، إستئناف علاقاتهما الدبلوماسية على مستوى السفراء والقناصل، بعد سنوات من الفتور في العلاقات بينهما. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في تصريح مكتوب أرسل نسخة منه لوكالة الأناضول:” في أعقاب الاتصال الهاتفي الذي جرى بين رئيس الوزراء يائير لابيد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ إسرائيل وتركيا تستعيدان السفيرين والقنصلين العامَين”.
وقال وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو: “قررنا تعيين سفير تركي لدى تل أبيب بعد الخطوة الإيجابية لإسرائيل”.وأضاف تشاووش أوغلو أن “تركيا لن تتخلى عن القضية الفلسطينية” رغم استئناف العلاقات مع إسرائيل.
ومن جهته، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد، أن استئناف العلاقات مع تركيا، يُشكل “ذخرا هاما بالنسبة للاستقرار الإقليمي”.وقال في تصريح مكتوب إن “استئناف العلاقات مع تركيا يُشكل ذخرا هاما بالنسبة للاستقرار الاقليمي وبشرى اقتصادية هامة جدا بالنسبة لمواطني إسرائيل، سنواصل العمل على تعزيز مكانة إسرائيل في العالم”.
بدوره، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في تغريدة على تويتر: “أُشيد بتجديد العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع تركيا، وهو تطور مهم قدناه خلال العام الماضي، والذي سيشجع إقامة علاقات اقتصادية أكبر، وسياحة متبادلة، وصداقة بين الشعبين الإسرائيلي والتركي”.
وأضاف هرتسوغ: “علاقات حسن الجوار وروح الشراكة في الشرق الأوسط أمران مهمان لنا جميعًا، يمكن لأعضاء جميع الأديان- المسلمون واليهود والمسيحيون- العيش معًا في سلام ويجب عليهم ذلك”.
وتم اختبار توطيد العلاقات بين إسرائيل وتركيا في العدوان الأخير على غزة، حيث التزمت أنقرة الصمت، بحسب القناة 12.
ولفتت إلى أن الرئيس التركي أشار في الأيام الأخيرة إلى رفع مستوى العلاقات مع إسرائيل، قائلا: “إن تجديد العلاقات سيسمح لنا بمساعدة الفلسطينيين”.
عودة الطائرت الإسرائيلية في تركيا
غابت الخطوط الجوية الإسرائيلية عن المطارات في جميع أنحاء تركيا منذ 15 عامًا، في أعقاب الخلافات بين السلطات الإسرائيلية والتركية حول قضايا تشغيلية أمنية، ففي آذار/ مارس 2007، أوقفت شركة “إلعال” تسيير رحلاتها الأسبوعية الثلاث إلى إسطنبول، بزعم أن الطريق يعاني من عناصر تكلفة أمنية شديدة وقيود على العمليات الحالية، ناتجة عن المعايير العالية المرتبطة بالحساسيات الأمنية، وبالتالي ظل المسار مفتوحًا فقط للخطوط الجوية التركية العملاقة.
ورغم حالة التعثر في المصالحة الجارية بين تركيا ودولة الاحتلال بسبب مواقف الأخيرة المتباطئة تجاه أنقرة، فقد أعلنت أوساطها أنه بعد 15 عامًا من عدم هبوط طائرات إسرائيلية في تركيا، فمن المقرر خلال الأسابيع القليلة المقبلة أن تكون الخطوط الجوية الإسرائيلية قادرة على الطيران إلى إسطنبول وأنطاليا ومدن تركية أخرى، بعد توقيع اتفاق طيران جديد الشهر الماضي.
ايتمار آيخنر المراسل السياسي لصحيفة”يديعوت أحرنوت” كشف أن “إسرائيل وتركيا تقتربان من التفاهمات التي ستسمح قريبًا لشركات الطيران الإسرائيلية بالهبوط في المدن التركية، خاصة إسطنبول وأنطاليا، وفقا لما كشفه مسؤول إسرائيلي رفيع، وفي غضون أسابيع قليلة ستحصل شركات الطيران الإسرائيلية على تصريح بالهبوط في تركيا، بعد توقيعهما على اتفاقية طيران متبادلة جديدة منذ شهر، ويقومان الآن بوضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل النهائية التي ستسمح لشركات الطيران الإسرائيلية بالسفر إلى تركيا، مع تلبية متطلبات إسرائيل الأمنية الصارمة”.
وأضاف في تقرير ترجمته “عربي21” أنه “فور استئناف الرحلات الجوية بينهما، ستأتي الخطوة التالية في عملية مصالحتهما بعودة السفراء، بعد أن تم طرد آخر سفير لإسرائيل في تركيا، إيتان نائيه في أيار/ مايو 2018، وهي الخطوة التالية في المصالحة الإسرائيلية مع الأتراك”.
في الوقت ذاته، فإن عملية التقارب القائمة بين إسرائيل وتركيا، تم تتويجها بزيارة الرئيس يتسحاق هرتسوغ في آذار/ مارس2022، ولقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة، في أول لقاء سياسي منذ عام 2008. وبعد ثلاثة أشهر، وصل رئيس الوزراء يائير لابيد إلى تركيا عقب إحباطها لهجوم إيراني على أرض إسطنبول استهدف إسرائيليين، وفي تموز/ يوليو تحدث لابيد لأول مرة مع أردوغان، ورحّبا باتفاقية الطيران الموقعة بينهما، معربا عن أمله في مزيد من التحسن في علاقاتهما.رغم ذلك، فإن التباطؤ بات السمة الأساسية لعملية التقارب الجارية بين أنقرة وتل أبيب، ربما لعدم توفر مزيد من أجواء الثقة بينهما، ووجود عقبات في طريق تطبيع علاقاتهما بالكامل، لم يتم تجاوزها بعد.
أسباب قادت إلى توتير العلاقات التركية الإسرائيلية
في سنة 2009، ساد مناخ من التوتر في العلاقات بين تركيا و إسرائيل،ولا سيما بعد أن ألغت الحكومة التركية في تلك السنة التي كان يرأسها رجب طيب أردوغان مشاركة إسرائيل في مناورات”نسرالأناضول ” السنوية،التي تعتبر من أهم التدريبات العسكرية وأوسعها نظرا لنسبة المشاركين فيها (إسرائيل والأطلسي )،و التي تجري في إطار تدريبات حلف شمال الأطلسي لمدة أسبوعين .
وكانت هذه المناورات تجري عادة بين تركيا و إسرائيل منذ العام 2001 . و كان من المقررأن تجري مناورة خريف 2009 في قاعدة سلاح الجو التركي في مدينة كونيا جنوب إنقرة ،حيث تتدرب طائرات الحلف الأطلسي على مهام هجومية بينها معارك جوية ،وغارات برية، ومحاربة منظومات الدفاع الجوي والتزود بالوقود في الجو. وتنبع أهمية هذه المناورات الجوية المشتركة في خليج كونيا القاعدة التي اعتاد الطيران الإسرائيلي استخدامها ، كونها تجري قرب حدودسوريا وإيران، البلدين المعاديين لإسرائيل .
لكن هذا التطور لم يتسارع إلا بسبب الخزي والعار الذي جلبته إسرائيل لنفسها بسبب عدوانها على غزة في شتاء 2008-2009.وكانت العلاقات بين تركيا و إسرائيل قوّية حتى بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة ،لكن التحفظ التركي حيال هذا التعاون بدأ غداة شنّ إسرائيل حربها على غزة. وفي شهر تشرين الأول / أكتوبر 2009 ،تم الإعلان رسمياً عن إلغاء المناورات الجوية المشتركة في خليج كونيا القاعدة التي اعتاد الطيران الإسرائيلي استخدامها والتي قد لا تستخدم بعد اليوم لهجوم إسرائيلي محتمل ضد إيران!.
وقال رئيس الحكومة التركية في عام 2009رجب طيب أردوغان في مقابلة تلفزيزيونية له مع “قناة العربية “،أن السبب وراء القرار التركي ، يكمن في أن إسرائيل ارتكبت “جرائم حرب ضد الفلسطينيين” في غزة عندما ألقت على الأطفال هناك قنابل فوسفورية.وشدّد على أن حكومته التزمت ضميرشعبها عندماقرّرت إلغاء مشاركة الطائرات الإسرائيلية في مناورات “نسر الأناضول”.وكان أردوغان قال لأعضاء حزبه(العدالة و التنمية الحاكم ) : أن “هناك دولاً يحظى فيها الأطفال بالتعليم الأفضل والخدمات الصحية المتطورة. وفي أماكن أخرى هناك اليأس، الفقر، الحرب، وأسلحة الدمار الشامل. علينا أن نصغي لأصوات المظلومين،العراق احتل، وكذلك غزة. والبشرية تنظر إلى هذه المظالم من أبراج مريحة». وأضاف أن “البشرية بأسرها رأت قنابل الفوسفور تلقى على أطفال أبرياء في غزة فيما هي جالسة على أرائكها المريحة”.
تدهور العلاقات التركية –الإسرائيلية
استمرت العلاقات التركية –الإسرائيلية في التدهور إلى أن حصلت الجريمة الجديدة التي ارتكبتها إسرائيل في المياه الإقليمية، ضد “أسطول الحرية” الذي يضم عدة سفن تحمل مساعدانت إنسانية إلى غزة ، من ضمنها السفينة التركية “مرمرة”، والتي قتل فيها ثمانية أتراك وأميركي-تركي وإصابة العشرات بجروح ،في 31أيار /مايو 2010. وكان الأسطول قد انطلق لكسر الحصار غير الشرعي الذي فرضته إسرائيل على غزة وتحفيز الوعي العالمي حيال معاناة 1.5 مليون فلسطيني يعيشون في ما يُجمع كثر على وصفه بالسجن المفتوح الأكبر في العالم.
واعتبرت تلك الجريمة متماثلة مع المجازر الصهيونية البشعة والشنيعة التي ارتكبت إسرائيل في قانا، والقاع، والشياح، وغيرها كثير. وهي تؤكد إصرار إسرائيل على استخدام القوة المفرطة بلا حدود، حتى لو كانت هذه المرّة ضد مناضلين أتراك وغربيين، ينتمون إلى منظمات إنسانية وحركات دولية متضامنة مع الفلسطينيين الواقعين تحت الحصار.
لكن في ظل ثورة الانترنت والعولمة الإعلامية، وحرب الصورة، فإن المجزرة الجديدة في الشرق الأوسط الجديد، التي شقت طريقها على الجسد التركي قتلاً وتدميراً ضد ركاب السفينة التركية «مرمرة» المشاركة في كسر الحصار على غزة، عرّت الوجه الآخر للدولة الصهيونية التي تحاول أن تقدم نفسها للعالم عامة وللرأي العام الغربي، على أنها الواحة الوحيدة للديمقراطية الغربية في ظل الشرق الأوسط المستبد!
إن فاشية الدولة الصهيونية لم تتغير، بل احتفظت بعنفها وشراستها، إن لم نقل إنها ازدادت عنفاً وشراسة وعدوانية في ظل غياب المقاومة العربية والفلسطينية الفاعلة، وهي لا تتورع عن استخدام سياسية القوة العنيفة، باعتبار القوة هي العامل الحاسم الذي يبقي المستوطنين الصهيونيين الغزاة في حالة توتر دائم.
لكن الجريمة تحولت إلى إخفاق ديبلوماسي كبير، في ظل موجة الغضب والانتقادات العالمية، وتزايد العزلة الدولية لإسرائيل. ففي الماضي القريب، كانت الجرائم الصهيونية تمر دون عقاب، بيد أنه منذ حرب تموز/يوليو 2006، كانت لكل جريمة حرب أثمانها، إذ تشكلت لجنة «فينينوغراد» التي عرّت الجيش الإسرائيلي.
وفي العدوان الإسرائيلي على غزة بداية 2009، أكد تقرير “غولدستون” على أن القوات الإسرائيلية ارتكبت “جرائم حرب”، وربما “جرائم ضد الإنسانية” في غزة.
وعقب اغتيال القائد الفلسطيني المبحوح في دبي من قبل جهاز الموساد، تعرضت علاقات إسرائيل مع الدول الغربية الحليفة لها إلى أزمة حقيقية. وفي الجريمة التي وقعت ضد السفينة التركية التي انتهكت فيها إسرائيل القانون الدولي، هناك مطالبة عالمية بتشكيل لجنة تحقيق دولية لإلقاء الضوء على ما جرى.
وعلى أثر وقوع الجريمة أكد الرئيس التركي عبد الله غول، أن العلاقات بإسرائيل “لن تعود أبداً كما كانت عليه”، باستدعاء سفير بلاده في إسرائيل.. وقال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في أعنف موقف له حتى الآن منذ أن هاجمت قوات كوماندوس إسرائيلية السفينة”مافي مرمرة” الإثنين31أيار/مايو2010: “أنا أتحدث إليهم(الإسرائيليين) بلغتهم. الوصية السادسة من العهد القديم تقول (لا تقتل). ألا تفهمون؟” وأضاف في خطاب تلفزيوني إلى أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم في قونيا بوسط البلاد: “سأقول مجدداً. أقول بالإنكليزية (لا تقتل.أما زلتم لا تفهمون؟ سأقول لكم بلغتكم. أقول بالعبرية (لا تقتل)”.وأضاف بلغة تعبر عن أهمية القدس للمسلمين في انحاء العالم: “مصير القدس ليس مختلفاً عن مصير اسطنبول… مصير غزة ليس مختلفا عن مصير أنقرة”.
في ظل المواجهة القاسية و غير المسبوقة بين تركيا و إسرائيل ، وجدت حكومة رجب طيب أردوغان نفسها أمام خيارين كبيرين في التعاطي مع حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية الإسرائيلية المتطرفة.
الخيار الأول ، ويتمثل في انتهاج استراتيجية المواجهة و التصعيد مع إسرائيل تماثلاً مع محور الممانعة الذي تقوده كل من إيران و سوريا ،و الذي يدعم الحركات الإسلامية الجهادية، و لاسيما «حزب الله»، وحركة «حماس».
الخيار الثاني :ويتمثل في التركيز على النضال الحقوقي و الإنساني من أجل تأمين أوسع تعبئة عالمية لكسرالحصارالمفروض على غزة،وتأمين مساعدات غذائية وطبية و إنسانية ،والاصطفاف سياسياً على أرضية خط التسوية المطروحة من قبل الولايات المتحدة للصراع الفلسطيني –الإسرائيلي ،والتي تؤيدها غالبية الدول العربية، في سبيل تكثيف الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو لتحقيق هدفين كبيرين ، أولهما تأمين وصول المساعدات اللازمة إلى غزة في إطار عملية دولية واسعة ،وثانيهما، إطلاق عملية تفاوضية جدية برعاية اميركية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ومن الواضح أن تركيا ،كانت أقرب للخيار الثاني ،الذي يقوم على التعاون مع المجتمع الدولي و المجموعة العربية التي تقيم علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة الأميركية ، من أجل دفع مسيرة المفاوضات بين حكومة بنيامين نتنياهو السلطة الفلسطينية ،وللمساعدة على تحقيق المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية.
بكل تأكيد ، ليست هذه المرّة الأولى التي تقوم بها إسرائيل بخداع حلفائها. فبعد إغلاق عبد الناصر لمضائق تيران في وجه السفن الإسرائيلية كانت الإدارة الأميركية مصرّة على عدم وقوع حرب، فإن “وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك موشيه دايان نكث بالاتفاقات وسعى لتحقيق حلم «إسرائيل الكبرى” ووسع رقعة الحرب لتشمل سورية والأردن،بعد ذلك أجبر الرئيس الأميركي جونسون إسرائيل على وقف الحرب،ولذلك أعطى موشيه دايان أومراه بتدميرسفينة التجسس الأميركية ليبرتي في 8 حزيران/يونيو 1967في المكان عينه الذي اعتدوا به على أسطول الحرية، ما أدى إلى مقتل 34 أميركياً وجرح 173 آخرين وكانت الذريعة المعلنة لما اعتبره دايان حينذاك يوما عظيماً بالنسبة لإسرائيل ان حكومته أخطأت السفينة”.
وكانت الصحافة الدولية حينئذ وجهت اللوم في تلك الحرب على الدول العربية لا على إسرائيل التي صورت نفسها في حالة دفاع عن النفس، رغم أن اسحاق رابين اعرب عام 1968 في حوار له مع صحيفة لوموند الفرنسية ،”عن اعتقاده بأن عبد الناصر ما كان يريد الحرب في عام 1967. كما ذكر مناحيم بيغن في لقاء مع نيويورك تايمز عام 1982: يجب ان نكون صادقين مع أنفسنا نحن من قرر الهجوم على مصر”.


