الجيش و أمريكا يُطِيحَانِ بعمران خان في باكستان

بقلم: توفيق المديني

شَكَّلَتْ الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الباكستانية السابق عمران خان إلى موسكويوم 24فبرايرالماضي،بعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، الشعرة التي قصمت ظهر البعير كما يقول المثل الشعبي العربي،في الصراع بين عمران خان من جهة ،وجنرالات الجيش الباكستاني من جهة أخرى، لا سيما أنَّ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا خَلَقَتْ شَرْخًا كبيرًا بين القادة الباكستانيين. فبينما انتقدَ رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوا تصرفات موسكو، رفضَ عمران خان توجيه أيِّ اتهامٍ لروسيا مشيرًا إلى اتباع الغرب سياسة الازدواجية في العلاقات.
هذا الموقف الإستقلالي للسياسة الخارجية التي يديرها عمران خان تتناقضُ جِذْرِيًا مع عقيدة الجيش الباكستاني الذي يُجَسِّدُ المصالح العليا للامة الباكستانية حسب وجهة نظره،ويَرْفُضُ على أيِّ رئيسِ حكومةٍ باكستانيةٍ أنْ يَنْتَهِجَ سياسة خارجية مستقلة ،خارج سياق التحالفات التقليدية التي تربط باكستان بالولايات المتحدة ، وحلف الناتو.
لهذا السبب تَهَيأَتْ كل الظروف لكي تُحِيكَ الولايات المتحدة المؤامرة بالتحالف مع الجيش، وتستخدمَ أدواتها في الداخل الباكستاني من نواب أحزاب المعارضة داخل البرلمان وهم حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية بزعامة نواز شريف وحزب الشعب الباكستاني وانضمام سبعة نواب من الحركة القومية المتحدة ، الذين جمعوا 177 صوتًا في البرلمان المؤلف من 342 مقعدا، ما منحها الأغلبية التي مكنتها من الإطاحة برئيس الحكومة الباكستانية عمران خان، بعد أن عاشت باكستان طيلة الأسبوع الماضي على وقعِ أزمةٍ دستوريةٍ بلغتْ ذروتها الأحد 10نيسان/أبريل 2022، عندما خسر خان تصويتًا لحجب الثقة،في البرلمان،بعد أنْ ألغى القضاء في وقتٍ سابقٍ قرارًا رئاسيًا بحل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية سابقة لأوانها.
فتمتْ الإطاحة المهينة برئيس الوزراء عمران خان (69 عامًا) عن طريق التصويت بحجب الثقة في البرلمان بشكل مفاجئ، أدت إلى إنهاء حكم عمران خان،الذي انتخب ديمقراطيًا في عام 2018 من الباكستانيين الأصغر سنا والمتعلمين ومن الطبقة المتوسطة،، بناء على وعود بأنَّه سيتعامل مع سلطة وفساد النخب السياسية الثرية في باكستان، وهو الموضوع الذي ساعد بشكلٍ كبيرٍ على انتخابه.
بعد إسقاط حكم عمران خان،انتخب نواب البرلمان الباكستاني، الاثنين11نيسان/أبريل الجاري،زعيم المعارضة شهباز شريف رئيسًا جديدا للوزراء الذي حصل على 174 صوتًا،بعد سحب الثقة من عمران خان، الذي قدم نوابه استقالاتهم تزامنا مع جلسة الانتخاب. وشهباز شريف البالغ من العمر 70 عاما، هو زعيم حزب الرابطة الإسلامية، وهو الشقيق الأصغر لرئيس الوزراء السابق نواز شريف. ويتميز شهباز شريف بكونه شغل سابقًا ثلاث مرات منصب رئيس الوزراء لولاية البنجاب، أغنى ولايات باكستان، حيث اكتسب شهرة بصفته مسؤولا إداريا فعالا.
الجيش الباكستاني وعقيدته في إدارة السياسة الخارجية
يُعَدُّ الحيش الباكستاني العمود الفقري للدولة الباكستانية تاريخيًا، منذ تقسيم شبه القارة الهندية بعد استقلالها عن الاستعمار البريطاني، ونشوء الدولة الباكستانية في 15آب/أغسطس عام 1947،وفق قواعد العداء المستحكم بينها وبين الهند.وكان النزاع على كشمير جزء من السياسة الاستعمارية التي اتبعتها الدوائر الحاكمة الامبريالية الانكليزية،والطابع الامبريالي لتقسيم شبه القارة الهندية، الذي أدى إلى صراعات مسلحة بين الهند وباكستان على امتداد السنوات التي مرت بعد الحرب العالمية الثانية تقريباً.
وتعود جذور الصراع بين الهند وباكستان إلى نهاية الحرب الهندية- الباكستانية الأولى منذ عام 1947، ولم تنفك باكستان منذ ذلك الحين تطالب بإقليم كشمير ذي الغالبية المسلمة، وتحاول تدويل الصراع بمطالبتها بإجراء استفتاءٍ شعبيٍّ فيه تحت رعاية الأمم المتحدة، الأمر الذي رفضته الهند بشكلٍ قاطعٍ، وقد انتهتْ الحرب الهندية – الباكستانية الأولى بوقف إطلاق النار الذي أشرفت على تنفيذه منظمة الأمم المتحدة، مع تقسيم كشمير إلى قسمين: منطقة آزاد كشمير، أي ( كشمير الحرَّة) الباكستانية، وولاية جامو ( كشمير الهندية).
أما الحركة الاستقلالية الكشميرية المدنية فإنَّها تضرب جذورها في أعمال الشيخ عبدالله وكتاباته في نهاية حكم التاج البريطاني في الثلاثينات من القر ن العشرين. و يبدو أنَّ النظام الاستقالي قد بعث من جديدٍ، منذ نهاية الثثمانينات على أيدي حركة إسلامية راديكالية تساندها باكستان.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية التي رحبت باستقلال الهند و باكستان, أميل في اهتمامها الى الهند نظرًا لسياسة “المهاتما غاندي” السلمية , وسياسة “جواهر لال نهرو “العلمانية في بناء الدولة,على نقيض صورة الدولة الإسلامية التي ظهر بها مؤسس باكستان “محمد علي نجاح”.غير أنَّ المو قف الأمريكي تغيَّرَ جذريًا مع مجيىء الرئيس “داويت ايزنهاور” في الخمسينيات من القرن الماضي, عندما شاركت الهند “نهرو” في مؤتمر باندونج في أبريل عام 1955 لتشكيل مابات يعرف آنذاك بحركة “عدم الانحياز”.
و في ظل بداية التباعد بين الولايات المتحدة والهند, بسبب اعتبار وزير خارجية أمريكا آنذاك “فوستر دالاس”أنَّ من ليس مع أمريكا فهو ضدَّها,استغلت باكستان فرصتها بسبب مو قعها الجغرافي وتراثها العسكري لتوقع اتفاقية دفاع مشترك مع الولايات المتحدة في مدينة كراتشي 1954, ثم انضمت لتحالف أمني يدعمه الغرب هو الحلف المركزي”السنتو” أو حلف بغداد عام 1955, وحصلت على مساعدات اقتصادية و عسكرية من الولايات المتحدة.
و في سبتمبر من عام 1965، تَجدَّد الصراع بنشو ب الحرب الثانية بين الهند وباكستان بسبب النزاع حو ل كشمير أيضًا. ثم اندلعتْ آخر حرب بين الهند وباكستان في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1971،والتي نجم عنها انفصال باكستان الشرقية عن الوطن الأم،وأصبحت بعد الانفصال ومنذ السادس والعشرين شهر آذار/مارس عام 1972 ( جمهورية بنغلادش الشعبية).
و بعد تلك الحرب برزت إلى الو جو د الطمو حات الهندية والباكستانية في امتلاك الأسلحة النووية,فقامت الهند بأول تفجير نووي في عام 1974, و نجح رئيس الحكومة الباكستانية السابق ذو الفقار علي بوتو في الحصو ل على تمو يل عربي للبرنامج النووي الباكستاني في أعقاب قمة الجزائر الاسلامية عام 1974. فكان الرَدُّ الامريكيُّ عنيفًا على البرنامج النووي الباكستاني, إذْ قطعتْ واشنطن مساعداتها لباكستان منذ بداية ولاية الرئيس كارتر في عام 1976.
اصطدام الجيش مع سياسة علي بوتو الاستقلالية
لقد اصطدم الجيش الباكستاني برئيس الحكومة الباكستانية آنذاك ذو الفقار علي بوتو الذي تولى رئاسة باكستان في عام 1971 إلى 1973 وأصبح بعدها رئيساً للوزراء حتى عام 1977 وأسس “حزب الشعب” أحد أكبر الأحزاب السياسية الباكستانية وأكثرها نفوذاً، وانتهج سياسة خارجية أكثر استقلالية في توازناتها الإقليمية و الدولية، وبعيدة عن خط الارتماء في أحضان الإمبريالية الأمريكية.
ففي السابع عشر من آذار/مارس 1972، قام علي بوتو بزيارة إلى موسكو استغرقت ثلاثة أيام،وانتهج سياسية تصالحية مع الهند إذ أقدم في الثالث من تموز/ يوليو 1972 على توقيع اتفاقية ترسيم الحدود مع الهند في منطقة كشمير، فاعتبرها خصومه مائلة نحو الجار اللدود، وخاض غمارالإصلاحات الاقتصادية في باكستان ضمن تبنية فلسفة”الاشتراكية الإسلامية” التي طالت امتيازات النخبة العسكرية، فكان لا بد من وقوع الصدام مع الجيش.
وفضلاً عن ذلك،يُعَدُّ علي بوتو مؤسس البرنامج النووي الباكستاني في أوائل السبعينات، والذي بسببه تلقى تحذيراً من هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق الذي قال له إنَّ “في حال تابعت باكستان برنامجها النووي، فإنَّك ستدفع ثمناً كبيراً”.وفعلاً ،قفز الجنرال ضياء الحق إلى السلطة في الخامس من تموز/يوليو عام 1977، واعتقل علي بوتو وأعدمه في الرابع من نيسان/إبريل 1979.
بعد ذلك أدخل الجنرال محمد ضياء الحق باكستان في مرحلة ثانية من الحكم العسكري، توطدت خلالها العلاقات العسكرية بين باكستان وواشنطن على أثر الاجتياح السوفييتي لأفغانستان في27 ديسمبر1979 ،واستمر حكمه العسكري في باكستان 11 عاماً لينتهي في العام 1988 بمقتل ضياء الحق في حادث جوي غامض.
وعندما حصل الغزو السوفياتي لأفغانستان, عاد الاهتمام الأمريكي الى باكستان أكثر من أي وقت مضى بسبب دور باكستان الرئيس في تقديم المساعدات الأمريكية إلى أحزاب و حركات المقاومة الأفغانية.ومع هزيمة الاتحاد السوفياتي في افغانستان, ونهاية الحرب الباردة عام 1990,والإسقاطات المدمرة التي تركتها حرب الخليج الثانية عام1991,تغيرت الكثير من معادلات الصراع الاقليمي والدولي. فبرزت الولايات المتحدة الأمريكية كقطبٍ أوحدٍ يُقَرِّرُبطريقةٍ أُحَادِيَةٍ السياسة الدو لية .وفي أعقاب ذلك قطع الرئيس بوش الأب المعونات الأمريكية لباكستان بسبب برنامجها النووي, وبالمقابل انتقلت الهند من حليفٍ للاتحاد السوفياتي سابقًا إلى حليفٍ للولايات المتحدة, خاصة بعد أنْ حصلتْ تحولات مهمة في السياسة الخارجية الهندية من القضية الفلسطينية, وبعد أنْ أقامتْ نيو دلهي علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني, في عام 1992.
أفغانستان تشكل التهديد الاستراتيجي الثالث لباكستان
تقوم عقيدة الجيش الباكستاني على اعتبار الهند العدو الأول ومنها يتأتي التهديد الاستراتيجي الأول،وروسيا العدو الثاني،ويتأتى التهديد الاستراتيجي الثاني من أفغانستان،لأنَّ باكستان تخشى على الدوام وجود حكم قوي في كابول،فكيف اذا كان حكمًا قويًا بقيادة حركة إسلامية أصولية متشددة ترفض أنصاف الحلول،ينتمي أعضاؤها إلى إثنية الباشتون التي هي بمنزلة القومية الغالبة في أفغانستان .وكان وجود حكم باشتوني قوي مصدر توتر مزمن بين باكستان وأفغانستان ،لأنَّ وجود حكم باشتوني قوي داخل الأراضي الباكستانية ،من مخلفات تقسيم الحدود في العهد البريطاني التي أملاها الصراع الروسي البريطاني ،كان يجعل إسلام آباد تنظر باستمراروحذر إلى احتمالات ولادة نزعات باشتونية انفصالية داخل باكستان نفسها وتحديدا في الإقليم الشمالي الغربي الحدودي حيث يقطن الباشتون .
تاريخيًا سعت باكستان،لتأمين عمق استراتيجي في أفغانستان،يمكنها من تعزيز مكانتها الاستراتيجية في المنطقة لتعويض اختلال التوازن القائم لمصلحة جارتها اللدود الهند ،لا سيما أنَّ أفغانستان وقفت إلى جانب الهند ضد استقلال باكستان عام 1947 .
تحالف أمريكا مع الجيش بقيادة ضياء الحق وحركات الإسلام السياسي
ومنذ التدخل السوفياتي لأفغانستان في نهاية 1979 وحتى بداية التسعينيات من القرن العشرين،كان المهندس للسياسة الباكستانية في أفغانستان هو الجنرال ضياء الحق وورثته ،الذي أرسى دعائم أساسية للنظام الباكستاني ما زالت سارية المفعول لغاية الآن ،وتحقق الاستقرار في البلاد ، تقوم على دعم الأحزاب الاسلامية الأصولية ،الجمعية الاسلامية وريثة الجنرال وجمعية علماء الاسلام التي يقودها فضل الرحمن المتحالف مع بوتو ،والجيش ، والعلاقة الوطيدة مع الولايات المتحدة الأميركية ،وتاعداء لروسيا.
وعلى الرغم من رحيل الجنرال ضياء الحق ، إلا أنَّ الجيش يجسم المصالح العليا للأمة الباكستانية ، بصرف النظر عن تعاقب الحكومات بين بناظير بوتو ونواز شريف ،ويعمل على إقامة نظام موال له في أفغانستان .وفي داخل المؤسسة العسكرية، نجد المخابرات الباكستانية القوية ( ISI ) Inter – service Intelligence التي كانت مكلفة بالملف الأفغاني ، و التي كانت تشرف على تقديم المساعدات العسكرية الدولية من الولايات المتحدة الأميركية وغيرها الى حركات ” المجاهدين ” حسب مصالحها .فقد أسهمت الولايات المتحدة في في رعاية الحركات الإسلامية الأصولية المتشددة في باكستان و أفغانستان ، طيلة العقود الأربعة الماضية .
كان “التحالف الدولي ضد الإرهاب” الذي تشكل في عام 2001،بحاجة ماسة إلى خدمات الجيش الباكستاني ،الذي كان يساند بقوة الحركات الإسلامية المتطرفة ،منذ أن استلم الجنرال ضياء الحق السلطة في باكستان عقب الانقلاب العسكري الذي نفذه ضد رئيس الحكومة السابق ذو الفقار علي بوتو في عام 1977.
و منذ انهزام باكستان في الحرب مع الهند عام 1971 ،وانفصال بنغلادش عنها ،حصلت تغيرات كبيرة في تركيبة الجيش الباكستاني.فالجيل القديم من الضباط المنحدرين من العائلات الأرستقراطية،وتلقوا تكوينًا غربيًا في الكليات العسكرية البريطانية إبان حكم الرئيس أيوب خان 1958-1977 ،تم استبداله بجيلٍ جديدٍ منحدرٍ من أوساط الطبقة الوسطى المدينية والريفية . ووضع الجنرال ضياء الحق العديد من الضباط ،المتشبعين بإيديولوجية تمزج بين النزعة القومية المعادية للهند و النزعة الإسلامية المتشددة ،في أجهزة المخابرات الباكستانية .وقد تلقى الجنرال ضياء الحق دعمًا قويًا من جانب الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس السابق ريغان و من حكومة تاتشر طيلة فترة حكمه الممتدة من 1977 إلى 1989 .فالقيادة العليا للجيش الباكستاني المتكونة في بريطانيا، والولايات المتحدة،واستراليا،بدءا من الجنرال برويز مشرف، تتكلم بلغة الخطاب السياسي الغربي، لكنَّ هناك ضباطًا من هيئة الأركان مقربون جدًّا من الحركات الإسلامية المتشددة. و يوجد قسم كبير من المراتب المتوسطة داخل صفو ف الجيش خاضع للتأثير الإسلامي الراديكالي،إذ قاتل حوالي 80000 عسكري في أفغانستان طيلة العشرين سنة الماضية، ويحتل بعض من هؤلاء العسكريين مراتب عليا في صفو ف الجيش الباكستاني.
وفي ظل حكومة ضياء الحق ، نما و ترعرع الإسلام السياسي المجاهد في عموم آسيا الوسطى ، الذي يعتبر إرثا للدعم غير المشروط الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية إلى نظام الجنرال ضياء الحق طيلة حرب تحرير أفغانستان من الغزو السوفياتي .وكانت المساعدات التي قدمتها واشنطن و حلفائها إلى باكستان تقدر بنحو 3 مليارات دولار،منحت المخابرات العسكرية الباكستانية قسمًا منها إلى الحركات الإسلامية المتشددة .وهكذا، فإنَّ الصعود القوي للإسلام السياسي الأصولي المتشدد هو إرث من عهد حكم ضياء الحق الذي كان يريد إقامة ” دولة موالية ” في أفغانستان تؤمن له حماية على جبهته الغربية ، لكي يتمكن من مواجهة الهند ، من دون أن يتعرض لأية طعنةٍ من الخلف
في الحرب الأمريكية ضد أفغانستان، لا حظ الخبراء أنَّ باكستان استعادت مكانتها الاستراتيجية في السياسة الامريكية التي كانت قد فقدتها مع انتهاء الحرب الباردة و زوال الحاجة لها كحائط صَدٍّ أمام النفوذ السوفياتي.فقد دفع مسار الاحداث في أفغانستان الولايات المتحدة إلى تبنِّي سياسةٍ متوازنةٍ بين الغريمين اللدودين – الهند و باكستان- تجاه نزاعهما على كشمير,وتقليل درجة انحيازها للموقف الهندي في هذا الشأن, وخاصة مع قبول باكستان بالقيام بدورٍ فعالٍ في التحالف الدولي الذي بنته الولايات المتحدة. وهو ما يعني تجاوز الإدارة الأمريكية على تحفظاتها السابقة الخاصة بباكستان فيما يتعلق بأهمية عودة الديمقراطية واجراء انتخابات برلمانية و رئاسية و تسوية مسألة كشمير من خلال الحوار مع الهند.
علاقة عمران مع روسيا قادت إلى إسقاطه
في عقيدة الجيش الباكستاني،تمثل روسيا العدو الثاني لباكستان،ولهذا كانت زيارة رئيس الحكومة الباكستانية عمران خان إلى موسكو مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية بمنزلة التحدِّ الكبير للجيش وخروجًا عن المألوف في السياسة الخارجية الباكستنية المرتبطة بتحالفاتها الاستراتيجية مع الامبريالية الأمريكية وحلف الناتو.
جاء في مقال منشور في صحيفة “واشنطن بوست” بتاريخ 4نيسان/أبريل 2022ا “أنَّ عمران خان كان يسعى مثل دونالد ترامب إلى تغيير النظام السياسي معتمدًا على المشاعر الدينية المناوئة للغرب”، وقالت مجلة “تايم” الأمريكية بتاريخ 7أبريل 2022/ “إنَّ سخرية عمران خان من واشنطن أطاحت علاقته بالجيش الباكستاني الذي ما فتىء يجهد للحفاظ على علاقات متينة مع الولايات المتحدة”، وبحسب مقال نشرته “نيويورك تايمز” في 9أبريل 2022، “أنَّ سياسة عمران خان الخارجية شكلت نقطة خلاف أساسية مع الجيش”.
وعند عودته من روسيا كشف عمران خان عن اعتزام بلاده استيراد مليوني طن متري من القمح والغاز الطبيعي، وهي منتجات ضرورية لتلبية الاحتياجات المحلية والصناعية لباكستان، مشيرًا إلى أن عمليات الإمداد من روسيا ستتواصل رغم العقوبات المناهضة لروسيا. في الوقت نفسه، شدد عمران خان على أهمية بناء خط أنابيب “السيل الباكستاني”، الذي سيحدِث وفقًا لقوله نقلة نوعية في التعاون الاقتصادي الروسي الباكستاني.
آنذاك اتسعت الفجوة بين عمران خان وأحزاب المعارضة الباكستانية،فراحت هذه الأخيرة تنتقد بحدِّيةٍ مرتفعةٍ أداء الحكومة وتتهمها بالفساد والإخفاق بإخراج البلاد من مأزقها الإقتصادي، وانطلقت المعارضة البرلمانية في تنفيذ إجراءات عزل عمران خان بإيعاز من قيادة الجيش تمهيدًا لإسقاط رئيس الحكومة ،مثلما يدل تاريخ إسقاط الحكومات في باكستان، ذلك أنَّ المقولة السائدة في “الأرض المباركة” أنَّه كلما اجتمع المعارضون تحت عنوان مكافحة الفساد يعني أنَّ خروج الجيش من ثكناته قد اقترب وحان، على حد قول الإعلامي اللبناني توفيق شومان.
عقب ذلك وتحديدًا في 21 آذار/ مارس 2022،طالب رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوا، والمدير العام لوكالة المخابرات الباكستانية الجنرال نديم أحمد أنجوم، عمران خان بالاستقالة إثر اجتماع جمع بينهما.
وكشف “الموقع الروسي الاستراتيجي للثقافات” إلى أنَّه عشية زيارة عمران خان لروسيا، طلب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون جنوب ووسط آسيا دونالد لو من السفير الباكستاني في واشنطن إلغاء الزيارة المخططة إلى موسكو، غير أنَّ الجانب الباكستاني تجاهل نداء واشنطن.ونقل الموقع عن عمران خان أنَّ مسؤولين أمريكيين قالوا إنَّ استمرار وجوده على رأس السلطة يُعَرِّضُ بلاده إلى مشاكلٍ خطيرةٍ، بينما أشارت جملة من التقارير إلى تورط أجهزة المخابرات البريطانية في المؤامرة التي حيكت ضد رئيس وزراء باكستان.
وبحسب الموقع الروسي، فقد كشفت قناة نيودلهي التلفزيونية الهندية في وقت سابق عن لقاء جمع بين مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز مع الجنرال باجوا في إسلام أباد، وخلال المحادثات أعرب باجوا عن أهمية العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة مستغربًا عدم إدانة الحكومة لممارسات روسيا في أوكرانيا.فبينما انتقد الجنرال باجوا تصرفات موسكو، رفض عمران خان توجيه أي اتهام لروسيا مشيرًا إلى اتباع الغرب سياسة الازدواجية في العلاقات.
وأكَّدَ عمران خان أنَّ مناشدة سفراء الدول الأوروبية إسلام أباد في العديد من المناسبات إدانة العملية الروسية في أوكرانيا، بينما لم يدعموا جهود باكستان في أفغانستان؛ حيث تُقدَّر الخسائر التي تكبدتها إسلام أباد جراء دعم الناتو في أفغانستان بثمانين ألف شخصٍ و150 مليار دولار، وهو ما علق عليه عمران خان بقوله: “هل أخذ الناتو تضحياتنا بعين الاعتبار؟ هل أرسل سفراء الاتحاد الأوروبي ولو برسالة واحدة تعبيرا عن تقدير جهودنا في أفغانستان؟”.
كل رؤساء الحكومات الباكستانية الذين اصطدموا مع الجيش تم إسقاطهم، منذ عهد علي ذو الفقار بوتو، ومثيل هذا الأمر واجهته بينظير بوتو إبنة ذو الفقار، فبعد فوزها في انتخابات العام 1988، تم إقصاؤها عن رئاسة الوزراء بعد سنتين، بفعل محاولتها العودة إلى العمل بأحكام دستور العام 1973 الذي أشرف عليه والدها ويحد من تدخل الجيش في السلطة، ولما عادت مرة ثانية إلى رئاسة الحكومة عام 1993، تمت إطاحتها بعد ثلاث سنوات بتهمة الفساد، ولكن دوافع إزاحتها عن السلطة جاءت على خلفية مواقفها الداعية إلى ضبط التفجيرات النووية وتبريد قضية كشمير وكبح نشاط المهاجرين الأفغان في باكستان، فأفضى ذلك إلى اصطدامها بالجيش.
فالجيش الباكستاني مؤسسة تمارس الإقطاع العسكري ،إذ يضمّ تحت قيادته 600 ألف رجل وامرأة، ونحو 50 رأسًا حربيًا نوويًا. وتحت رعاية الجنرال برويز مشرّف، أضحت هذه المؤسسة عملاقاً يسيطر على ما يمكن تقييمه بـ20 مليار دولار من الأصول، وعلى ثلث الصناعات الثقيلة، كما تتملّك 5 ملايين هيكتار من الأراضي. هذا،ولدى مئات الضبّاط العسكريين وظائف مدنيّة أيضاً في الوزارات ومؤسّسات الدولة. وتقوم وكالة الاستخبارات المسيّسة في العمق بتنظيم الانتخابات قبل استحقاقها وبتشكيل أو بحلّ التحالفات السياسية لمصلحة الجيش.
خاتمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:
في سياق الصراع العالمي المكشوف بين روسيا وأمريكا و حلف الناتو،وعشية بداية الجولة الثانية من الحرب الروسية في أوكرانيا،اصطفت إدارة الرئيس جو بايدن الأمريكية في مخاطبة المجتمع الدولي على نفس الأرضية السياسية والإيديولوجية لإدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن عندما قال في 20 سبتمبر2001 عشية حرب أفغانستان: “على الدول أن تقرر الآن إما أن تكون معنا وإما ضدنا”.
هذا الخطاب السياسي والإيديولوجي تُكَرِّرُهٌ إدارة بايدن في الوقت الحاضر ، مع الصين ، والهند،وربما لاحقاً مع السعودية بضغط من الكونغرس،لعزل روسيا دوليًا ،وخنقها ماليًا واقتصاديًا حتى لا تمول آلتها العسكرية ، إضافة إلى المؤامرة التي حاكتها واشنطن مع قيادة الجيش الباكستاني من أجل إسقاط رئيس الحكومة عمران خان ، الذي رفض الانصياع للأوامر الأمريكية .
هل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في أداء دور مكشوف على الساحة الباكستانية، سياسيا وأمنيا ،وفي تحقيق المعادلة الصعبة المتمثلة في الحفاظ على إطالة عمر النظام السياسي الباكستاني الحالي المتحكم فيه من قبل الجيش،والدور الباكستاني في الاستراتيجية الأمريكية بشقيها الآسيوي والعالمي من جهة، مع توفير قسط الديمقراطية الذي يضمن لها ذلك القدر من الشرعية في الداخل بما يؤمن تحالفها مع واشنطن؟
يقال إن ثلاث كلمات تحدد مصير الحكومة الباكستانية : الله والجيش وأمريكا. ولكنَّ يمكن إضافة كلمة رابعة لفهم ما يجري داخل باكستان وهي “التغريب” فهذه الدولة مازالت تعاني بعمق آثار ولادتها الصعبة التي أتت من رحم التقسيم. ولا تزال تعاني “تغريبات” داخلية كثيرة ودرجات مختلفة من الانفصالية وضعتها في حالات من التناقض العنيف مع جيرانها ومع ذاتها.
باكستان لها مشكل واحد هو الجيش حسب توصيفات النخبة المدنية، حين تشخص أسباب الأزمة الحالية التي تعصف بالبلاد. فباكستان ليست منقسمة بين الليبراليين والمتشددين الإسلاميين، بل على العكس من ذلك، هي منقسمة بين الشعب من جهة، والجيش من جهة أخرى. الاخفاق في خلق دولة مدنية تستمد قوتها من المشاركة السياسية، ومن توافق الشعب، واحترام سيادة القانون، هو الذي يفسر لنا الحالة الراهنة التي عليها البلاد.
بعد باكستان، يأتي الدور على الصين التي تُعَدُ الشريك التجاري الأول مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي باتت ترفض الحياد في الحرب الروسية بأوكرانيا. ففي ظل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ومع ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم والنقص المرتقب في السلع الأساسية، خاصة القمح ، أصبحت الإدارة الأمريكية تحذر من عواقب “أي موقف يمكنه أن يقوّض العقوبات”، والتشديد على أهمية انضباط الساحة الدولية وتقيّدها بمقتضيات تطبيقها ضد روسيا، ولا سيما الصين،حيث تطالبها واشنطن بموقف واضح من روسيا، “إذا ما رغبت بكين في مواصلة تكاملها الاقتصادي مع العالم”. وضمناً، يعني إذا ما أرادت الاستمرار في علاقاتها التجارية مع أمريكا وأوروبا، والتي تشكّل الرافعة الأساسية لصعودها الاقتصادي، “فمصالحنا مع الصين قد يصبح من الصعب فصلها عن أمننا القومي لو اختارت بكين دعم موسكو”، كما قالت وزيرة الخزانة الأمريكية (البنك المركزي الفيدرالي الأمريكي)جانيت يلين، يوم الأربعاء13أبريل 2022، في خطابها أمام “مجلس أتلانتيك” للدراسات بواشنطن ، الذي جاء قبل أسبوع من اجتماع الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن بحضور وزراء المال من كافة الدول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى