ثمانية وعشرون عاما فوق درب الهوى

بقلم: إنصاف قلعجي

فلئن كان درب نزار قباني ما زال مجهولا، فإن درب المجد أو درب “أبي المظفر” أو درب الهوى العروبي، كان وما زال ماثلا في كل سطر خُطّ في المجد عبر سنيها الطويلة. ولئن سئلنا لماذا نكتب في المجد، وأنا التي قررت منذ سنين أن أتوقف عن الكتابة، لعبثية الكتابة أمام الأحداث المهولة التي تشهدها أمتنا المجيدة، لكن شيئا ما يشدني إلى هنا هناك، والمثل يقول:” الرِجل ما بتدبّ إلا مطرح ما بتحبّ”.
حين تتسلل خاشعا إلى مكتب أبي المظفر، تطربك الجدران والمقاعد وأصص الأزهار وهي تعبق بعطر ستينيات القرن الماضي، وصورة عبد الناصر العظيم تحتل جدارا في الغرفة وجدارا في القلب. يا لذاك الزمن الجميل المتألق في كل زاوية من زوايا الغرفة. ” الخائفون لا يصنعون الحرية، والمترددون لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء”… وكما قال فهد الريماوي في إحدى مقالاته:” إن الناصرية بوصفها حركة أمة تمتشق سيف النضال، وتبحث عن مستقبل أفضل، لن تتقاعد عن العمل، أو تندرج في عداد الامس الغابر، أو تنتسب إلى “خبر كان”، بل ستظل راية تخفق في فضاء الزمن الراهن، وجمرا يتقد تحت طيات الرماد، وشمسا تتحين فرصة الشروق بعد كل غروب”.
الجمر ينبض ويتقد تحت طيات الرماد، لكنه في كل حزن يغشى الأمة ، ينفض عنه الرماد، ليسير في مواكب الشهداء ومواكب الذين آمنوا بأن هذه الأمة المجيدة لن تقف على رجليها إلا بفعل السلاح والمقاومة. وكل ما عدا ذلك هو هراء وكذب واستجداء المحتلين ومضيعة الزمان الذي ينتظر عودة أبطال يتجسدون في شكل جماعة مقاومة لا تؤمن إلا بأن” ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”.
لقد استطاعت المجد، يسندها كتّاب كبار رافقوا مسيرتها العروبية، أن تقف في وجه كل من حاول غلق باب الحرية في وجهها، وحاول ليّ أصابعها وأحيانا كسرها، وأن يجعل سقفها ملاصقا للأرض، وأن يطوي رئيس تحريرها خلف قضبان ما كسرته ولا حجبت شمس مبادئه عن أن تبقى متوهجة حتى في عتمة الغياب. لقد فتح أبو المظفر باب حديقته العروبية، أو بيته العروبي، لنغرس شتلات انتمائنا عسى أن تورق ومضا في نفوس الذين ما يزالون يترددون، فتراهم رِجلا هنا ورِجلا هناك، يتحسسون جيوبهم التي لم تمتلئ بعد.
أدين لجريدة المجد، بأن شحذتني باستمرار، وأغلظت قيدي حتى لا أهرب من عالم الكتابة، و”آه من قيدك أدمى معصمي” لكنه وضعني في آتون الاشتعال الدائم للكتابة.
المجد عروبية حتى النخاع (هل هناك مكان أبعد من النخاع)، عاشت أيام الحصار الجائر على العراق، ووقفت مع الشهيد صدام حسين، وكتب أبو المظفر أجمل مقالاته في رثاء الشهيد، ووقفت تدعم المقاومة العراقية الباسلة في العراق بعد أن غاب وجه العراق ولو مؤقتا. ووقفت مع ثورة مصر العظيمة، ومع انتفاضة شعب فلسطين الأبي، ومع شعب غزة الذي قاوم العدوان الصهيوني الغادر عام 2008 ومع (سيف القدس) العام الماضي وكل مقاومة تحقق للأمة آمالها.
وجاء دور الدولة الوطنية السورية لإلحاقها بمسلسل الخريف العربي، وهزائمه المتلاحقة على أيدي من رسموا المخطط الجديد لسايكس بيكو خدمة (كالعادة) للكيان الصهيوني، لكنهم، ومنذ عشر سنوات يقارعون الوهم، ويخططون في الهباء، والدولة الوطنية سائرة بخطى واثقة على درب النار حتى تحرق آخر من تبقى من الكافرين بالوطن والمرتزقة الذين قال أحدهم يوماً إنه هنا يحارب في فلسطين، اعتقادا منه، كما أخبره من دفع له المال، أنه يجاهد في فلسطين.
ستنتصر سورية يا أبا المظفر، وهذا ما نشهده على الأرض وما نقرؤه في سطورك. سيغير الأعداء في الخارج والداخل تكتيكاتهم، ولكن كل مخططاتهم ستذهب أدراج الرياح، لأن القيادة والشعب والجيش هم جسد واحد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
ثمانية وعشرون عاما، يا أبا المظفر، فوق درب الهوى، وسنبقى على الدرب حتى تحرير الأمة ونرى وحدتها قبل أن يطوينا الثرى. ولك كل المجد في العام الثامن والعشرين للجريدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى