نظرة الغرب إلى العلاقات الصينية الروسية في زمن الحرب الأوكرانية
بقلم: توفيق المديني

في المقاربة الجيواستراتيجية ، هناك شراكة قوية بين الصين القوة الاقتصادية العالمية الصاعدة وروسيا القوة العسكرية العظمى والخصم الجيوسياسي الرئيسي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تمثل صمودًا حقيقيًا في وجه النظام العالمي الليبرالي بقيادة أمريكا، لكنَّ هذه الشَرَاكَةِ لم ترتق بعد إلى مصاف التحالف الاستراتيجي لخوض الحرب المشتركة على الصعيدين الإقليمي و العالمي.
غير أنَّه في ظل الحرب الأوكرانية المشتعلة منذ أكثر من أسبوعين،يتساءل المحللون و الخبراء في الغرب،هل تؤسس هذه الحرب لتحالف استراتيجي عسكري و سياسي واقتصادي محتملٍ بين روسيا و الصين يقوم على القيم الإيديولوجية والمصالح المشتركة لمواجهة العدوانية التي ينتهجها الغرب ضد الطرفين، لا سيما أنَّ روسيا تعوّل على الدعم الاقتصادي الذي تقدمه لها الصين كورقة ضغط ضد الدول الغربية (الاتحاد الأوروبي و أمريكا).
أمريكا و استغلال توتر العلاقات بين الصين و الاتحاد السوفياتي
لعبت الحروب الأهلية التي عاشتها الصين ما بين 1839 و1949 ،وحصدت الملايين من الأرواح، دورًا كبيرًا في التقارب الروسي الصيني الملحوظ، لا سيما بعد انتصار الحزب الشيوعي الصيني في الحرب الأهلية عام 1949، واستلامه السلطة في بيكين ،إذ تأسست علاقات تحالفية بين الاتحاد السوفياتي آنذاك قائد المعسكر الاشتراكي على الصعيد الدولي، والصين الشعبية بزعامة ماوتسي تونغ عام 1950 ، في ظل اعتناق العملاقين الشيوعيين إيديولوجيا واحدة مناهضة للإمبريالية الأمريكية القوة العظمى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، والقائدة بلامنازع للمعسكر الرأسمالي الليبرالي الغربي.
لكنَّ العلاقات بين الاتحاد السوفياتي و الصين تدهورت في ستينيات القرن الماضي من جراء الخلافات الإيديولوجية حول سبل تطبيق الاشتراكية على صعيد عالمي ، فدخل قطبا الاشتراكية في صراع مفتوح، تخللته اشتباكات حدودية بين البلدين في العام1969..
استغلت الولايات المتحدة تدهور العلاقات بين الاتحاد السوفياتي و الصين آنذاك، فقام الرئيس السابع والثلاثون للولايات المتحدة، ريتشارد نيكسون، بزيارة للصين في 21 فبراير/شباط 1972، في خطوة تاريخية أسست لاحقاً لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1979.فاستمرت الزيارة لمدة أسبوع، عُرف فيما بعد بـ”الأسبوع الذي غيّر العالم”، نظراً لتأثير تداعيات الزيارة بميزان القوى بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي آنذاك.
لكنَّ خطط نيكسون فشلت في استمالة الصين من أجل الضغط على حليفها فيتنام الشمالية التي يحكمها الحزب الشيوعي الفيتنامي بزعامة فان فان دونغ، ويقود حربها التحررية الوطنية ضد الإمبريالية الأمريكية الجنرال جياب من أجل تحرير فيتنام الجنوبية التي كانت عاصمتها سايغونغ،وبعد تحريحها في عام 1975، تغير اسمها وأصبحت تسمى هوشي منه على اسم الزعيم الوطني الكبير مؤسس الدولة الفيتنامية الحديثة.
وكان القادة السوفييت يخشون، في حينه، من أن يؤدي التقارب الأمريكي –الصيني إلى تشكيل جبهة موحدة تستهدف الاتحاد السوفياتي ، وخصوصاً بعد انهيار العلاقة بين قطبي الشيوعية في ستينيات القرن الماضي.
وبالمقابل كان الاعتقاد السائد لدى إدارة الرئيس نيكسون، ومستشاره للأمن القومي ، ثم لاحقا وزير خارجيته هنري كيسنجر ،مؤسس التقارب بين واشنطن وبيكين،نابعٌ بأنَّ ذلك من شأنه أنْ يُكْسِبَ الولايات المتحدة حليفاً لديه نفوذ كبير في جنوب شرق آسيا، وبالتالي يمكن اللجوء إليه للعب دورٍ رئيسيٍ في المحادثات الخاصة بالحرب الفيتنامية، وكذلك في ضبط وإدارة المفاوضات مع الاتحاد السوفياتي المتعلقة بالحد من انتشار الأسلحة النووية.
ما من شكٍ أنَّ التقارب الأمريكي –الصيني، في سبعينيات القرن الماضي، ومجيء الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ إلى السلطة عام 1978، وطرحه نظرية التحديثات الأربعة، وقيامه بالثورة الصناعية في الصين عبر استغلال تدفق الاستثمارات المالية الضخمة للدياسبورا الصينية(البرجوازية الصينية التي هربت إلى الدول الغربية واليابان وأسست دولة تايوان)،وتوظيف التقارب مع أمريكا ، الذي مهد الطريق أمام انفتاح الصين على المجتمع الدولي، وصعودالصين كقوة اقتصادية وسياسية باتت تهدد مكانة الولايات المتحدة ،كل هذه المؤثرات جعلت المحللون في الغرب ،يطرحن السؤال التالي:هل يسير الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن على خطى نيكسون، ويقوم بزيارة مماثلة لكسر الجمود، وقطع الطريق أمام تحالف استراتيجي غير مسبوق بين روسيابوتين والصين على وقع الحرب الأوكرانية الأوكرانية؟
حدود التحالف بين الصين وروسيا
إنَّ الصين التي كانت تقول في الماضي إنَّ “صداقتها مع روسيا لا حدود لها”، أجبرتها الحرب الأوكرانية على إعادة ضبط سياستها الخارجية مع ما يتوافق مع مصالحها الاقتصادية ، لا سيما أنَّ السوق الأمريكية تُعَدُّ السوق الرئيسة لبيع المنتجات الصينية،فضلاً عن أنَّ الصين لديها فائض تجاري مع أمريكا بمئات المليارات من الدولارات.ويرى الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أنَّ هدفه من الاصطفاف مع الرئيس الروسي فلادمير بوتين، يكمن في تشكيل جبهة موحدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية.ويعتقد الخبراء أنَّ الصين ستحاول الإبقاء على علاقاتها مع روسيا حتى لو لم تكن حليفة مباشرة لها، لكنَّ ذلك سيتطلب من الصين أن تستمر في تطوير موقف دبلوماسي صعب للغاية.
ومنذ أن دخلت القوات الروسية إلى أوكرانيا يوم 24 فبراير2022، تسير الصين على ما يسميه العديد من خبراء السياسة الخارجية “حبلاً دبلوماسيًا مشدودًا”، فهي لا تريد رؤية روسيا تنهار اقتصاديًا، لكنَّها في المقابل لا ترغب في التمسك بسياستها الخارجية وتجنب تدهور علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا.فقد امتنعتْ الصين عن تقديم المساعدة لروسيا، وتمتثل للعقوبات المالية التي فرضت عليها خوفا من فقدان القدرة على الوصول إلى النظام التجاري العالمي الذي يهيمن عليه الدولار.ونقلت وكالة “بلومبرغ” أنَّ مصرفين تمتلكهما الدولة الصينية أوقفا إصدار “اعتمادات مالية” بالدولار الأميركي لشراء سلع روسية جاهزة للتصدير.
لهذا السبب ،من غير المتوقع أن تقف الصين إلى جانب روسيا ضد أي عقوبات دولية تستهدف الأخيرة، لأنَّها لا ترغب في أن تظهر وكأنها شاذة عن الإجماع الدولي، وهي التي تدعو إلى نظام قائم على القواعد والتعددية. وتدرك روسيا ذلك، وتعلم أنَّ ما يضعها في خندق واحد مع الصين هو تحدي الهيمنة الأميركية ليس أكثر، في حين أنَّ هناك الكثير من الملفات الشائكة والمصالح المتضاربة بينهما.
بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه الصين ،فهي تقوم تاريخيًا على ابتزاز بيكين في ما يتعلق بملف تايوان،من أجل الحدِّ من نهوض الصين كقوة اقتصادية وعسكرية عالمية ، وهناك إجماع من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة سواء أكانت جمهورية أو ديمقراطية حول موضوع تايوان، بوصفه القاسم المشترك الوحيد بين أكبر حزبين أمريكيين.
ورغم أنَّ الإمبريالية الأمريكية أعطتْ الأولوية منذ بداية العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين للمواجهة مع الصين ، فإنَّ الحرب الأوكرانية جعلتْ إدارة الرئيس جو بايدن تُعِيدُ حساباتها ، لأنَّها لا تستطيع أن تواجه الصين وروسيا معاً، وهو ما يدفع باتجاه إعادة نسج العلاقات وفق المصالح المشتركة، في تكرار لسيناريو نيكسون قبل نصف قرن.
كما أنَّ الصين أكثر براغماتية، لأنَّها لا تريد أن تدخل في حربٍ إقليميةٍ مع أمريكا بسبب ملف تايوان،بعكس روسيا بوتين التي دخلت الحرب في أوكرانيا، وتاليًا في مواجهة مع الغرب بزعامة أمريكا .أما الولايات المتحدة، فنظرًا للعلاقات الاقتصادية الوثيقة التي تربطها بالصين، فضلاً عن نفوذها الكبير في مناطق حيوية لا يمكن تجاوز الصين فيها أو غضّ النظر عنها،فإنَّها تخشى مثل هذه المواجهة مع الصين، وبالتالي فإنّ الأضرارَ الناجمةَ عن استعداء بكين تتجاوز أضعاف ما يمكن أن ينجم عن أي صدامٍ محتملٍ بين موسكو وواشنطن في المستقبل.وهذا ما جعل العديد من الخبراء الغربيين الملمين بالعلاقات الأمريكية-الصينية، يَرَوْنَ أنَّ السياسة الأمريكية في ظل إدارة بايدن تتجه نحو الصين لمساعدة أمريكا في الضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل حل الأزمة الأوكرانية.
ويسود القلق في واشنطن،من إقدام الرئيس الصيني تقديم الدعم لموسكو،في ضوء العقوبات الغربية القاسية المفروضة على روسيا.فعندما فرضتْ أمريكا عقوباتٍ مماثلةٍ في عام 2014 بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، لجأ بوتين أيضا إلى الصين كمصدرٍ بديلٍ للاستثمار والتجارة، مما قلل من التأثير، على الأقل إلى حد ما.
وفي ذلك العام، مضت الصين قدما ووقعت صفقة غاز بقيمة 400 مليار دولار مع روسيا، على الرغم من أنَّ المسؤولين الصينيين تفاوضُوا بشأن أسعارٍ مواتيةٍ لشركاتهم لأنَّ بوتين كان في مأزقٍ.إنَّ أحداث 2014 دفعتْ روسيا إلى الاقتراب من الصين.
والحال هذه ،سوف تُسَاعِدُ الصين مرَّةً أخرى في تخفيف حدة تأثير العقوبات الغربية المفروضة على روسيا ، لا سيما أنَّ الصين في الوقت الحاضر تُعَدُّ المشتر الكبير للأسلحة والأسماك والأخشاب الروسية، وفي عام 2020 كانت أكبر مستورد للنفط الخام والغاز الطبيعي من روسيا.
وأعلنت الصين الشهر الماضي أنَّ التجارة مع روسيا وصلت إلى قرابة 147 مليار دولار، مقارنة بـ 68 مليار دولار في عام 2015، بعد عام من ضم شبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا.وقال سفير روسيا لدى الصين، أندريه دينيسوف، إنَّ البلدين يمكن أن يكملا قريبا صفقة لخط أنابيب ثان للغاز الطبيعي مثل الخط المسمى باور أوف سيبيريا، والذي بدأ بالتدفق في عام 2019.
إلى جانب المصالح الاقتصادية المشتركة بين الصين وروسيا ، وجد ت بيكين في الحرب الأوكرانية سببًا مشتركًا مع موسكو في محاولة إضعاف القوة والنفوذ الأمريكيين.
لم تعترف الصين أبدًا بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وبينما تجري الدولتان عمليات عسكرية مشتركة، فلم تدعم الصين صراحة التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا.فقبل أسابيع فقط، احتفلت الصين بالذكرى الثلاثين لاستقلال أوكرانيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. وتتمتع الدولتان بعلاقات تجارية قوية، بما في ذلك في صناعة الدفاع.
هل تشكل الصين طوق النجاة لروسيا؟
من جراء الحرب في أوكرانيا تعرضت روسيا لعقوبات اقتصادية شديدة من قبل القوى الغربية ما يثير تساؤلات عن الدور الذي ستلعبه الصين في خرق العقوبات عنها.فقد أكدت الصين مرارًا وتكرارًا أنَّها ستواصل “التعاون التجاري الطبيعي” مع روسيا، منوهة إلى أنَّ بكين، اضطرتْ إلى خفضِ بعضِ مشترياتها من روسيا، بسبب الصعوبة التي وجدها التجار في التعاملات المالية، نتيجة الحظر الذي حصل مؤخرَا.
فعملت كل من روسيا والصين، على تطوير أنظمة الدفع البديلة الخاصة بهما، بغية تقليل اعتمادهما على الأنظمة القائمة على الدولار مثل سويفت،لكنَّ أنظمة الدفع المحلية لدى روسيا، ليست بديلاً عن نظام سويفت، ففي عام 2021، انضم بنك صيني واحد فقط إلى نظام الدفع والحوالات المالية الروسي، في حين ارتبطتْ العديد من البنوك الروسية والمؤسسات المالية العالمية بالنظام الصيني.وفي الوقت الحالي، يعتمد 17 في المئة فقط من التجار بين روسيا والصين على العملة الصينية اليوان، في حين يعتمد تجار الطاقة الخاصة في الغالب على الدولار الأمريكي.
خلال العام 2021، وصل حجم التجارة بين البلدين إلى مستوى مرتفع جديد بنحو 147 مليار دولار أي ما يقرب من 36 في المئة مقارنة بالعام السابق – وشكل حوالي 18 في المئة من إجمالي التجارة الروسية في عام 2021.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أشار خلال زيارته الأخيرة إلى بكين، إلى أنَّ البلدين يخططان لتعزيز تجارتهما ليبلغ حجمها 250 مليار دولار بحلول عام 2024، مؤكدا أنَّ الصين تُعَدُّ حاليًا أكبر سوق منفرد للصادرات الروسية، مثل النفط والغاز والفحم والمنتجات الزراعية.
ورغم أنَّ روسيا بدأت في تصدير المزيد إلى الصين في السنوات الأخيرة، بصورة أكبر مما كانت عليه في السابق، فإنَّه يظل الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأكبر مع روسيا، إذ بلغ إجمالي التجارة بين روسيا والاتحاد الأوروبي عام 2021 ،حوالي 300مليار دولار.
بيد أنَّ العلاقات التجارية بين أوروبا وروسيا تغير خلال الحرب الأوكرانية ، في ضوء العقوبات الأخيرة ، حيث إنَّ الأزمة الحالية عززتْ التركيز داخل الاتحاد الأوروبي على الحاجة إلى تنويع الإمدادات ومصادرها من النفط و الغاز.علمًا أنَّ الاتحاد الأوروبي، لا يزال أكبر سوق للطاقة بالنسبة لروسيا، إذ تُزَوِّدُ موسكو الاتحاد بنسبة 40 في المئة من غازه وحوالي 26 في المئة من نفطه.
لقد كشف الرئيس الروسي بوتين مؤخرًا عن صفقات نفط وغاز روسية جديدة مع الصين تقدر قيمتها بنحو 117.5 مليار دولار.وكانت روسيا ثاني أكبر مورد للنفط للصين وثالث أكبر مورد للغاز، حيث بلغت الصادرات 41.1 مليار دولار و 4.3 مليار دولار على التوالي.
خاتمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:
تدعم الصين مخاوف روسيا لكنَّها تريد أن تبقى محايدة في الحرب، وتدعو في الوقت عينه إلى معالجة المظالم الأمنية التي تشكو منهاموسكو.وتنتقد الصين الدور القذر الذ ي يقوم به الحلف الأطلسي في أورووبا،مؤكدةً في لقاءاتها الديبلوماسية مع المسؤولين الأمريكيين أنَّ أوروبا بحاجة إلى منظمة أمنية جديدة “متوازنة”، موضحًا أنَّ حلف الناتو لا يخدم هذا الدور.
وكانت لدى بكين شكاويها الخاصة مع الناتو، متجذرة في قصف السفارة الصينية في بلغراد، صربيا، خلال حرب الناتو في عام 1999 لحماية منطقة كوسوفو الانفصالية. تعمقت هذه الشكوك عندما بدأ الناتو في عام 2021 في وصف الصين بأنَّها تحدٍ ناشئِ للحلف.
و لا تتبنى الصين الخطاب السياسي و الإعلامي الغربي بشان ما يُرَوِّجُ له “الغزو الروسي” لأوكرانيا، إذ تتحدث بيكين عن غزو أمريكا للعراق في عام 2003. وفي 23 شباط / فبراير الماضي، اتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون ينغ، واشنطن بـ”إثارة الذعر”.
ولغاية الآن تجّنبتْ الصين وصف تصرفات بوتين بأنها “غزو” في خطابها السياسي والإعلامي. لكنَّ في الأيام الأخيرة، بدأت لغة بكين في التحوّل، مما يعكس الرغبة في تجنب الاقتراب الشديد من بوتين، بحسب زعم صحيفة “نيويورك تايمز”تاريخ 8مارس 2022. فقد عدّل المسؤولون الصينيون دعواتهم للاستجابة لأمن روسيا، مؤكدين أنَّه “يجب احترام المخاوف الأمنية المشروعة لأي دولة”. فهم لا يزالون لا يستخدمون كلمة “غزو”، لكنهم أقروا بوجود “نزاع بين أوكرانيا وروسيا”.
كما سعت الصين إلى وضع نفسها كوسيط محتمل، وإن كان ذلك حتى الآن بعباراتٍ غامضةِ. وصرّح وانغ، وزير الخارجية الصيني، للصحافيين يوم الاثنين الماضي ،بأنَّ بكين مستعدة “للعب دور بناء” في إجراء محادثات السلام.
في المحصلة النهائية تسعى الصين و أمريكا في عهد إدارة الرئيس الأمريكي جوبايدن،وفي ضوء الحرب الأوكرانية المشتعلة ،والأزمة البنيوية العميقة التي يعيشها النظام العالمي الليبرالي أحادي القطبية، إلى تعزيز تحالفاتهما ، واشنطن مع حلفائها الأوروبيين والآسيويين، وبكين مع إيران وكوريا الشمالية وروسيا.
من وجهة نظر الخطاب الإيديولوجي و السياسي والإعلامي الغربي ،العالم يتجه إلى نظام القطبين وحرب باردة جديدة بين من جهة الأخيار (الأنظمة الديمقراطية والغرب) والأشرار (الأنظمة الدكتاتورية والصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية). والجديد بالنسبة للولايات المتحدة هو أنَّها بحاجة إلى حلفائها لتشكيل ثقل مواز لمواجهة إمكانية تحالف استراتيجي جديد بين الصين وروسيا ، وبين الصين وإيران، خاصة بعد توقيع اتفاق تعاون استراتيجي على مدى25 عاماً بين البلدين عام 2021.
الأوساط القومية في الصين وروسيا وإيران وسورية،ترى أنَّ الولايات المتحدة والدول الغربية لا تمثل الرأي العام العالمي ، إضافة إلى قناعتها بعدم وجود شكل واحد فقط للديمقراطية.وحين يتحدث الغرب عن “الغزو الروسي “لأوكرانيا، وعن المحرقة اليهودية في ظل الحكم النازي، فإنَّ هذه الأوساط القومية الآنفة الذكر، تذكر هذا الغرب أيضا، بالمجازر في الجزائر التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وبتجارة الرق التي مارسها الأمريكيون و البريطانيون، والكنديون بمعاملتهم للسكان الأصليين، و بالغزو الأمريكي للعراق،والحرب الإرهابية الكونية على سورية، ونظام الأبارتايد الذي يمارسه الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة والجولان.
وفي المقابل تقوم استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية على تطويق الصين من خلال بناء تحالف “كواد” الرباعي غير الرسمي (أمريكا، أوستراليا،اليابان،الهند)الذي يهدف إلى إيجاد ثقل مواز للنفوذ الصيني في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ تجد الصين نفسها أمام “سياسة تطويق متعددة الأشكال” تنفذها واشنطن على الصعيد الاستراتيجي والتكنولوجي والتجاري.
وأمام هذا التهديد الاستراتيجي الأمريكي ، يشكل تحالف الصين مع روسيا وإيران وكوريا الشمالية ثقلاً موازياً لمواجهة التحالف الذي أنشأته أمريكا مع اليابان وكوريا الجنوبية جارتي الصين المباشرتين، إضافة إلى تحالفها الاستراتيجي مع الاتحاد الأوروبي في مواجهة الصين وروسيا.



