تقسيم أوكرانيا وولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب
بقلم: توفيق المديني

في قرارٍ تاريخيٍّ ،أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساء الإثنين21شباط/فبراير2022 اعتراف موسكو باستقلال منطقتي دونيتسك ولوهانسك الانفصاليتين عن أوكرانيا.وقال بوتين “أعتقد أنه من الضروري اتخاذ قرار تأخر كثيرا بالاعتراف فورا باستقلال وسيادة كل من جمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوهانسك الشعبية.
وفي خطاب تلفزيوني مطول، صرح بوتين أنَّه واثقٌ من أنَّ المواطنين الروس يؤيدون هذا القرار، متجاهلاً التحذيرات الغربية بأنَّ مثل هذه الخطوة ستكون غير قانونية وستقضي على مفاوضات السلام.كما اتهم بوتين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بتحويل أوكرانيا إلى مسرح حرب.
وقال إنَّ موسكو تخشى نشر قوات الحلف هناك وتشعر بالقلق من تجسس الطائرات المسيرة الأمريكية عليها.وأضاف الرئيس الروسي أنَّ مراكز تدريب الحلف في أوكرانيا ترقى إلى مستوى القواعد العسكرية للحلف وأن موسكو تعتبر انضمام كييف المحتمل إلى الحلف تهديدا مباشرا لها.
وكان زعيما المنطقتين الانفصاليتين في شرق أوكرانيا طالبا بوتين في وقت سابق الإثنين بالاعتراف باستقلال “جمهوريتيهما” وإقامة “تعاون دفاعي”.وأطلق هذه الدعوة المنسقة والتي بثت عبر التلفزيون الروسي، رئيس “جمهورية دونيتسك الشعبية” دينيس بوشيلين ورئيس “جمهورية لوهانسك الشعبية” ليونيد باسيتشنيك.
وسارع بوتين إلى الردِّ على الدعوة حين أعلن في كلمة متلفزة قبيل الساعة الثالثة فجر الخميس 24شباط/فبراير الجاري ، عن عملية عسكرية في أوكرانيا؛ دفاعًا عن الانفصاليين الموالين لموسكو في شرق هذا البلد،حسب ما أعلنته وكالة الأنباء الفرنسية. وأكَّدَ بوتين، بحسب الوكالة، أنَّ موسكو لا تخطط لاحتلال أراض أوكرانية، لكنَّه قال إ”روسيا لا يمكنها القبول بالتهديدات الآتية من أوكرانيا”.وطالب بوتين الجنود الأوكرانيين بإلقاء أسلحتهم على الفور، والذهاب إلى ديارهم، قائلا إن مسؤولية أي إراقة دماء ستقع على عاتق النظام الأوكراني.وتعهد بوتين بالرد على كل من يتدخل في العملية العسكرية في أوكرانيا.
وقال بوتين إنَّ الدول الرائدة في حلف “الناتو” تدعم النازيين الجدد في أوكرانيا”، مضيفا أنه “ليس لدي روسيا فرصة بخلاف الدفاع عن نفسها، وسوف تستخدمها”.
وجاءت كلمة بوتين بالتزامن مع اجتماع طارئ لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن الأزمة في أوكرانيا، وهو الاجتماع الرابع في غضون أسابيع، “بسبب التطورات العسكرية” على الأرض.
دواعي روسيا لاجتياح أوكرانيا
كانت روسيا ولا تزال، متخوفة تجاه توسع الحلف الأطلسي شرقا، وعلى الحدود المتاخمة لروسيا. وأكثر من أي وقت سبق، يزداد القلق الروسي من توسع الحلف الأطلسي، المنظور إليه كمحاولة لتطبيق استراتيجية التطويق والمحاصرة. فقد قال الرئيس بوتين في اجتماع مجلس روسيا/الأطلسي الذي عقد في 4 أبريل 2008: “إن ظهور كتلة عسكرية قوية على حدودنا حيث أن عملياتها تحددها المادة الخامسة من معاهدة واشنطن لعام 1949 حول التضامن الدفاعي بين الدول الأعضاء، يشكل تهديداً لأمننا القومي”. وقد طبقت الولايات المتحدة الأمريكية هذه المادة في حرب أفغانستان التي شكلت إذلالاً حقيقيا لـ”الحلفاء الأطلسيين”.
وعلى الرغم من فشل الحلف الأطلسي في تأييد الإلحاح الأمريكي بالتجهيز لانضمام أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، فإنَّ أمريكا مستمرة في دعوتها لضمان تمدد التحالف الأطلسي إلى حدود روسيا ذاتها. وتعترض روسيا الآن حين تدعو الولايات المتحدة إلى تمهيد الطريق لضم جورجيا وأوكرانيا إلى هذا التحالف الذي أصبح أكبر حلف عسكري في التاريخ. فالأمر قد بات واضحاً بالنسبة إلى الكرملين. إنّ الخيار الأوكراني والجيورجي هو خيار نفوذ، وهو مناورة دبلوماسية لتطويق روسيا التي تعتبر أن الشقّ المركّز على الخطر الروسي لغزو أوكرانيا هو مجرّد ذريعة.
إن وجود القوات العسكرية الأميركية في قلب الاتحاد السوفييتي السابق قد نزع الأهمية عن القرار الذي اتخذه حلف الأطلسي في قمة بوخاريست بتأجيل انضمام أوكرانيا وجيورجيا العضوين السابقين في حلف وارسو البائد. ولكن مع ظهور الأزمة في أوكرانيا ، فقد اضطرّت روسيا إلى مواجهة الضغط مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه.
هكذا أصبح الصراع الأمريكي الروسي على أوكرانيا على أشدِّه، لما تمثله هذه الجمهورية من أهمية استراتيجية، بوصفها نقطة الالتقاء بين حلف شمال الاطلسي وروسيا، فضلا عن عامل الغاز،على الرغم من أنَّ أوكرانيالا تملك منه الكثير، لكنَّها تشكل طريقا لعبوره من حقول الغاز الغنية في روسيا إلى الأسواق الأوروبية.
ويرى المحللون أنَّ الدعم الكبير الذي تقدمه روسيا للجمهوريتين الانفصاليتين في دونيتسك ولوهانسك ،هو ناجمٌ بالفعل من عملية تسريع انضمام أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي. فروسيا اليوم ليست روسيا المفككة التي أعلن رئيس وزراءئها السابق فيكتور تشؤرنومردين إفلاسها في عقد التسعينيات من القرن الماضي. و قيصر روسيا اليوم فلاديمير بوتين ، غير سلفه بوريس يلتسين الذي قدم التنازلات كلها للولايات المتحدة الأمريكية. إنَّ روسيا فلاديمير بوتين الجديدة تَحِنُّ إلى زمن القوّة، إذْ يُحاولُ بوتين أنْ يُعيدَ إلى روسيا موقعها كقوةٍ عظمى، و أن يُعيدَ إحياء الكبرياء الوطنية .
و جاءت الحرب الباردة الجديدة التي فجرتها الأزمة الأوكرانية على طبق من ذهب لكي يحقق الرئيس الروسي أهدافه الجيوبوليتيكية و النفطية في آنٍ معًا.
أولا: السيطرة الكاملة على شرق أوكرانيا من خلال الاعتراف بالجمهوريتين الإنفصاليتين ،وإخراجهما من معادلة الحرب الروسية – الأمريكية ، وتقسيم أوكرانيا، وإسقاط نظام الرئيس فولوديمير زيلينسكي،الذي فاز في انتخابات 2019 ،المتهم في موسكو بأنه موالي للولايات المتحدة الأمريكية.و إذا لم تحقق موسكو هذا الهدف بالكامل ، فإنَّ تغيير موازين القوى عبر توغل قواتها في العمق الأوكراني يسمح لروسيا بتأكيد هيمنتها الإقليمية على أوكرانيا، للتفاوض من موقع القوة مع الغرب مستقبلا،تمكنها من فرض شروطها على أوكرانيا ،التي باتت على يقين أنَّ تحالفها مع أمريكا غير مفيد في تحديها لجارها الشرقي ، الذي لا يزال يريد استعادة هيبته كقوة إقليمية و دولية يحسب لها ألف حساب في معادلات الصراع الإقليمي والدولي المحتدم في منطقة آسيا الوسطى و القوقاز وأوروبا الشرقية التي كانت في السابق فضاءًا سوفياتيًا مغلقًا لموسكو،
ثانيا:الردّ على الضغوطات الأمريكية التي تمارس على الدول المعترضة على سياستها في أوروبا،ومنطقة الشرق الأوسط ، و لاسيما إيران ،وإرسال رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية أنَّ روسيا التي استفاقت من سباتها العميق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مستعدة من الآن فصاعدا لمواجهة استراتيجية التطويق و الحصار الأمريكية بخوض الحروب الإقليمية على “الخارج القريب” الذي كان يوماً حدود الإمبراطورية السوفياتية، و لاسيما تجاه أوكرانيا التي تحدَّتْ الهيبة الروسية من خلال الاستقواء بالغرب، و هي الساعية إلى عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) بتأييد أميركي قوي . إنَّه الردُّ على طموح أوكر انيا للانضمام الى حلف الأطلسي، والذي “ينبع من محاولة لِجَرِّ دول وشعوب أخرى الى مغامرات دموية”.
ثالثًا: من الواضح أنَّ روسيا و أمريكا لا تريدان الحرب، لكنّهما لا تخشيانها. فلما كانت أوكرانيا و لا تزال تمثل أمناً قومياً لروسيا، وهي مستعدّة للذهاب في أيّ مواجهة إلى خط النهاية، حتى لو وصلت إلى حرب نووية. فروسيا تريد أن تدافع عن مجالها الاستراتيجي الحيوي،وتحقق مطالبها القومية الأمنية ، بوقف تمدد حلف الناتو، من خلال ضم دول مثل أوكرانيا وجورجيا المجاورتين إليه، وعدم نشر صواريخ استراتيجية على حدودها .
رابعًا:لا شك أنَّ إحداث تغيير راديكالي في السياسة الخارجية لجهة التحاق أوكرانيا بالاتحاد الأوروبي والانضمام في عضوية الحلف الأطلسي، أدَّى إلى ردة فعل من جانب روسيا، وإلى اطلاق ديناميكية انفصال قد تقود الى حرب أهلية وتقسيم أوكرانيا. فالهدف المركزي لسياسة بوتين الخارجية يتمثل في توسيع دائرة نفوذ موسكو، لا سيما أنَّ تضاعف عدد الدول الأوروبية في حلف الناتو أثارت استياء بوتين، باعتبارها خطوات تشكل تعدِّيًا على الأمن القومي التقليدي لروسيا.فقد أراد بوتين إبقاء أوكرانيا كدولة عازلة بين روسيا وحلف الناتو، ثم ضم شبه جزيرة القرم، وهو يسعى الآن لغزو شرق أوكرانيا، وذلك رغم مطالبة أوكرانيا بالانضمام إلى حلف الناتو في سنة 2008.
أوكرانيا أمام مسألة الوحدة وأزمة الهوية
في أوكرانيا، التي هي جزء من الكيان السلافي في الامبراطورية السوفياتية القديمة، ما زال نصف السكان يتماهون مع روسيا من الناحيتين الإثنية والوطنية. وهكذا، من السخيف الاعتقاد بأنَّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قادر بمفرده على نقل أوكرانيا الى المدار الغربي. إذ لم يتوقف التدخل في السياسة الأوكرانية على روسيا بل تعداه الى أوروبا التي هي أكثر اهتماماً بالغاز الروسي منه بالديموقراطية الأوكرانية.
وتعيش أوكرانيا على نسق الأزمات السياسية التي تشل عمل مؤسسات الدولة منذ “الثورة البرتقالي” 2004 – 2005. إنَّ المقاربة الموضوعية للأزمة الأوكرانية تقتضي الابتعاد عن رؤية الأمور من زاوية عودة المقولات الايديولوجية المرتبطة بحقبة الحرب الباردة. فالمسألة الجوهرية تتمثل بمشكل القوميات القديم، الذي كان خزان البارود الكبير للقرنين الماضيين، وليس آخره، ما حصل من تشظٍّ للقوميات في يوغوسلافيا. وبشكل أدق بطبيعة العلاقة بين أوكرانيا وروسيا، وما ابعد من ذلك، مكانة وموقع روسيا في إدارة شؤون العالم. وكما قال مستشار الرئيس كارتر السابق للأمن القومي الأميركي زبيغينو برجينسكي: “إنَّ روسيا من دون أوكرانيا تكف أن تكون امبراطورية” ولكنَّها “تصبح امبراطورية اوتوماتيكياً مع وجود أوكرانيا تابعة، ثم تابعة”.
من المفارقات في هذه الأزمة، أنَّه في عام 1991، لم يتردد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين من الاعتماد على الانفصاليين الأوكرانيين للتخلص من غورباتشوف والاتحاد السوفياتي في آن معاً. أما مع الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، تبدو الأمور معكوسة. فهو يعلم جيداً أنَّ الغالبية الساحقة من الروس يحنون بقوة إلى المرحلة التي كانت فيها روسيا قوة عظمى، سواء أكانت قيصرية أم بلشفية. وكان توكفيل قد تنبأ في زمانه، أنَّها ستتقاسم النفوذ والسيطرة على العالم مع الولايات المتحدة الأمريكية. بيد أنَّ الرئيس بوتين الطامح بتعزيز سلطته الأتوقراطية في روسيا، والذي قدم تنازلات للولايات المتحدة الامريكية خلال السنوات الماضية – إذ أصبحت القواعد الامريكية موجودة على حدود روسيا، كما أنَّ دول أوروبا الشرقية التي كانت خاضعة للهيمنة السوفياتية إبان الحرب الباردة، دخلت في معظمها الى الاتحاد الأوروبي، واصبحت منضوية تحت لواء الحلف الأطلسي . فروسيا الدولة الأكثر امتداداً في العالم بمساحتها القارية(17مليون كيلومتر مربع )، والتي موانئها مجمدة ستة أشهر في السنة بسبب الجليد، ترى في خروج أوكرانيا من دائرة نفوذها استكمالاً لمسلسل إطباق الحصار عليها.
ويرى المحللون الاستراتيجيون في الغرب أنَّ أوكرانيا دخلت مرحلة الزوابع الخطرة مع في ظل واقع التقسيم الذي تشهده، إذْ إِنَّ الدولة الأوكرانية عينها مهددةٌ في وجودها. فهذه الأخيرة عبارة عن كيانٍ سياسيٍّ هشٍّ، مثل العديد من الكيانات السياسية الهشة الموجودة في العالم. وبالنسبة الى العديد منها، فهو حافظ على وحدته السياسية إبان الحرب الباردة بفضل التوازن الاستراتيجي الذي كان قائماً بين الشرق والغرب. أما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد استعادت حركة التاريخ دورتها، نحو الأفضل أو نحو الأسوأ. فهناك دول اوروبا الشرقية وكذلك دول البلطيق التي كانت جزءاً من المنظومة السوفياتية وجدت ضالة استقرارها السياسي من خلال نيل عضويتها في حل شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وهناك دولة يوغوسلافيا السابقة التي تبلقنت، وتشظت بفعل التناقضات الغربية مع بداية 1990.
وإذا كان المؤرخون وعلماء الجغرافيا يقرون بوجود أمة أوكرانية وهوية أوكرانية، إلا أنَّ البلاد مقسمة الآن إلى قسمين متوازيين تقريباً على الصعيد الديموغرافي: قسم غني يقطنه السكان من أصل روسي وموال لروسيا، وقسم آخر اقل ثراء، بسبب تدمير الزراعة في ظل النظام الشيوعي السابق، وهو غير متجانس، وموال للغرب. والحال هذه، يمكن القول ان اسمنت الهوية الذي يلحم الكيان السياسي الأوكراني هش. فهذه الهوية الرخوة تأسست خلال تاريخ اتسم بالسيطرة الأجنبية الشديدة في معظم الأحيان، البولندية – الليتوانية، الروسية، أو أيضا النمسوية – الهنغارية، وحتى العثمانية، اضافة الى الاحتلال النازي في عهد هتلر. وشهدت حدود البلاد ترسيمات عدة كما هي الحال في بولندا.
إضافة إلى أزمة الهوية، فإنَّ “الثورة البرتقالية” التي تبنت الديموقراطية الغربية، وأرادت استنباتها في التربة الأوكرانية لم تكن شروطها متوافرة كفاية في الثقافة والاقتصاد والسياسة لكي تحقق النجاح المطلوب. وتعكس الأزمة السياسية الراهنة الانقسامات العميقة في أوكرانيا بين المناطق الشرقية الصناعية من البلاد والناطقة بالروسية، التي تفضل تطوير العلاقات التقليدية مع روسيا، والمناطق الزراعية الناطقة بالأوكرانية، وهي تفضل تطوير العلاقات مع الغرب بما في ذلك الانضمام إلى حلف شمال الأطسلي.
خاتمة:نحو تشكل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب
إذا كانت حرب يوغوسلافيا خلال أعوام 1991-1999، وتقسيمها إلى ست دول ،قد أسهمت في ولادة النظام الليبرالي العالمي الجديد أحادي القطبية، الذي تشكل بعد هزيمة الشيوعية السوفييتية قبل ثلاثة عقود، فإنّ تقسيم أوكرانيا مع بداية العام 2022، سيسهم في ولادة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يحرّكه الخوف من الصين وروسيا.فالنظام الليبرالي المتوحش الذي تقوده الإمبريالية الأمريكية يشهد في الوقت الحالي تقهقرًا لا يمكن إنكاره، رغم ادعاء البعض أنَّه يمكن إصلاحه.
لقد أصبحت الصين قوة عظمى وعبئًا على الولايات المتحدة وحلفائها لأنَّ الصين منغمسةٌ في كل جوانب النظام الليبرالي تقريبا، وهو ما يشكّل تهديدًا جديدًا. أما تصاعد الأزمة في أوكرانيا ،فهو يهدِّدُ بتقويض جهود الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي الرامية إلى لفت الانتباه إلى التهديدات التي تشكلها الصين. فانشغال الغرب بالقضية الأوكرانية قد يدفع الصين إلى اتخاذ إجراءات صارمة تجاه تايوان. ويعتقد الخبراء و المحللون في الغرب إلى أنَّ روسيا والصين لديهما رؤى متشابهة تجاه النظام العالمي الليبرالي الحالي .إنَّ مسألة إنشاء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب،بالنسبة لروسيا والصين لا تتعلق فقط بالقوة الغاشمة بل هي معركة أيديولوجية أيضا.
يضع تحدّي الهيمنة الأمريكية الصين وروسيا وإيران في خندق واحد، من أجل تشكيل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب ، خاصة بعد أن أثبتت الحرب السورية أن أمريكا “نمر من ورق”.كما ساهم الانسحاب الفوضوي للولايات المتحدة من أفغانستان في زعزعة صورة واشنطن، حيث إنَّ لقطات الفيديو التي صورت الأشخاص الفارين عبر مطار كابول ستسجل في التاريخ كرمز لنهاية عهد أمريكا، التي لن تستعيد مكانتها السابقة.
إن فلاديمير بوتين من خلال حشد ما يقارب 100 ألف جندي على طول حدود روسيا مع أوكرانيا، لا يقيّم الخيارات المتاحة أمامه نظير فرض سيطرته على أوكرانيا فحسب، بل يتحدَّى أيضا قوة الغرب التاريخية. علمًا أنَّ الولايات المتحدة و معها الدول الأوروبية اتخذت عدة عقوبات”ضخمة”و صارمة لفرضها على روسيا بعد الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا، لكنَّ لا واشنطن ولا أي من حلفائها الأوروبيين يقترحون استخدام القوة المسلحة لوقف الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا، الذي يريد من خلاله الرئيس بوتين أن يؤكد للجميع أنَّ النظام العالمي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة قد انتهى، وأنَّ الهيمنة الأمريكية قد انتهت.
في ضوء تقهقر قوة الإمبريالية الأمريكية المنهكة في العالم، بسبب حروبها العبثية في كل من أفغانستان و العراق وسورية ، تصاعدت قوة الصين الاقتصادية على صعيد الكوني ،وتنامت قوة روسيا العسكرية واحتلالها موقعًا متقدمًا في الشرق الأوسط من جراء انخراطها العسكري في الأزمة السورية، واجتياحها العسكري الحالي لأوكرانيا،الأمر الذي يؤكد لنا أنَّ روسيا والصين مصممتان على تحدِّي الهيمنة الأمريكية وزعزعتها، وتشكيل نظام سياسي ومالي عالمي جديد متعدد الأقطاب ،لا تهيمن عليه أمريكا والدولار.
وتراقب القيادة الصينية المواجهة بين روسيا وأمريكا بشأن أوكرانيا باهتمامٍ، مع تقارير في وسائل الإعلام الحكومية الصينية تسلط الضوء على الانقسامات بين حلفاء الناتو وتنتقد أمريكا، بابتهاجٍ في بعض الأحيان.وتنظر الصين للإجتياح الروسي لأوكرانيا على أنَّه اختبارٌ للنفوذ الأمريكي والعزم الذي يمكن أنْ يُصْرِفَ بايدن عن تركيز إدارته على الصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي البارز للقرن الحادي والعشرين. ويرى المسؤولون الصينيون أنَّ دافع روسيا للردِّ ضد الناتو هو موازٍ لجهودهم الخاصة لمنع أمريكا من بناء تحالفات وشراكات في آسيا لمواجهة الصين.فالاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا له صدى كبير في الصين، لا سيما أنَّ بيكين كثفت من تحذيراتها بأنَّ تايوان يجب ألا تسعى أبدا إلى الاستقلال عن الصين الموحدة في ظل حكم الحزب الشيوعي.



