محمد حسنين هيكل.. أسطورة من خارج السلطة

بقلم: عبد الهادي الراجح

في السابع عشر من شباط فبراير الجاري تمر الذكرى الخامسة لرحيل الصحفي العربي المصري الأشهر محمد حسنين هيكل الذي كان فارس الكلمة بلا منازع، وبقي أسطورة حية تتحدى الرحيل وتتحدث عن نفسها، فهو أبرز من صان الكلمة وصنع الحروف وصاغها بأجمل وأبلغ العبارات ، وهو الذي تتشرف كل الألقاب المحترمة بالانتساب إليه، فهو من أثرى حياتنا الإعلامية ومن حفظ لنا ذاكرتنا من الهجمة الصهيوأمريكية النفطية الإعرابية البربرية على ذاكرة أمتنا منذ الرحيل القائد المعلم جمال عبد الناصر .

تمر اليوم الذكرى الخامسة لرحيل هذا الأستاذ الذي تجاوز رحمه الله الثالثة والتسعين من العمر بينما ظلت ذاكرته بقيت فولاذية، وكان يثير استغراب وإعجاب الأعداء والأصدقاء على السواء وذلك لدقة ما يكتب ويقول.. إنه تاريخ أمة يمشي على الأرض والمؤسف أنّ الأستاذ الكبير ورغم كل الشهرة والأضواء التي سلطت عليه إلا أنه لم يأخذ ما يستحقه في وطنه وأمته ، فقد كان المعارض والمشاكس لكل السلطات الحاكمة في الوطن العربي ومصر بشكل خاص منذ نهاية حرب أكتوبر المجيدة التي كان هو من كتب توجيهها العسكري وصاغه كآخر علاقة له بالسلطة، وبعد ذلك بعقود طويلة كان على خلاف مع السلطة ولم يكتف المرتد أنور الساداتي بإخراجه من قلعته الأهرام التي يعتبر المؤسس الثاني والحقيقي لها، وانما منعه أيضاً من الكتابة بكل الصحف المصرية وكان ذلك أحد أسباب التحدي التي فرضت نفسها على الأستاذ وأبدع في ذلك بعد بعده عن السلطة حتى أن مراكز الاستطلاع في الغرب صنّفته بأنه واحد من أشهر ثلاثين كاتباً وصحفياً في العالم، الأمر الذي سبب له الكثير من المضايقات في مصر بشكل خاص حتى وصل الأمر بالخائن الساداتي أن يذكره بالاسم بالكثير من هجومه على المعارضة الوطنية المصرية الرافضة لسياسة الصهينة والأمركة التي أرسى قواعدها الخائن قبل قتله .
ولقد شاءت الأقدار أن يكون هذا الاستاذ أحد أبرز السجناء السياسيين في اعتقالات سبتمبر الشهيرة عام 1981م التي أسماها المتصهينون أمثال أنيس منصور وموسى صبري وجلال الدين الحماصي وغيرهم من كتبة كل زمان ومكان بثورة سبتمبر، حيث اعتقل بها كل من لديه فكر سياسي أو مستقل من اليمين لليسار وما بينهما ، وبعد خروج الأستاذ الكبير من السجن عقب مقتل الساداتي قرر أن يسجل للأجيال القادمة التاريخ كما هو عاصره، وكانت صرخته الشهيرة الوطنية القومية في كتابه (خريف الغضب بداية ونهاية أنور الساداتي) والذي ترجم لأكثر من ثلاثين لغة في العالم، وعرف الكثيرون في الغرب أن ذلك البهلوان الذي نال إعجابهم بزيارته لفلسطين المحتلةكان مكروها من نصف شعبه وأمته، ومحتقرا من النصف الآخر .
وبعد ذلك ساهم الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل في كتبه الكثيرة ومقالاته وحواراته الصحفية المتعددة، وآخرها حديثه المطول مع الإعلامية لميس الحديدي في إذكاء ذاكرة الأمة وسرد الحقائق وتصويب الكثير من التشويه لذاكرة الأمة التي ساهمت فيه للأسف كل الأنظمة بعد الساداتي واستخدمت القوة الناعمة قبل الخشنة بدعم أمريكي وتمويل نفطي من الصحافة للسينما والمسرح والتلفزيون، وكان رد الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل وثائقياً بشهوده وناسه على كل تلك الأكاذيب وحفظ ذاكرة الأمة وأعاد إليها الكثير من التوازن والثقة في نفسها والمستقبل ، ولا تزال كتبه الأكثر مبيعاً والأغلى ثمناً في الوقت التي وصلت كتب الأرصفة إياها للساقطين إياهم الى الحضيض.
رحم الله الأستاذ الكبير وذاكرة الأمة التي لا تموت محمد حسنين هيكل الذي كان وسيبقى مدرسة يستفيد منها كل من يؤمن بأن العرب أمة واحدة، وأن الشاذ وغير الطبيعي هو حدود سايكس بيكو ومن يحرسها من النواطير والطراطير العرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى