ترجل اخر الفرسان واقفاً.. جودت موسى سليمان المحيسن
بقلم: د. زيد احمد المحيسن

( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )
غيب الردى اليوم الخميس 4-2-2021 قامة وطنية وسنديانه قومية عصية على الترويض طلعت من مدينة الطفيلة …ارض المجد والكبرياء والشموخ الوطني والقومي والاممي.. مدينة الصالحين والشهداء الصادقين مدينة العمال والفلاحين والجنود والموظفين.. مدينة الشعراء والمفكريين والمثقفين، وقبل هذا وذاك مدينة الاحرار والشرفاء.
من رحم هذه التراكمية الوطنية والفكرية والثقافية ولد جودت المحيسن عام 1932 – صاحب القامة والقيمة العالية تاريخا وارثا حضاريا انسانيا – ومن على جوار قلعتها التاريخية الخالدة نشأ، وبين جبالها وسهولها وهضابها تنقل طفلا يافعا ودارسا ومعلما ونائبا وسفيرا وعينا، وقبل هذا وذاك مناضلا وطنيا قوميا – ففي مدينة الطفيلة يولد الطفل وطنيا بالفطرة وقومي الهوى والتفكير.
انتقل الى سوريا عام 1948 لاكمال تعليمه الجامعي ومن جامعة دمشق، حيث نال الشهادة الجامعية الاولى في الحقوق واصبح بعد سنوات محاميا، الا ان الهم العام كان يحرك جوانحه فانخرط في العمل الوطني والسياسي مبكرا ،فقد امن بوحدة الامة العربية وبمشروعها النهضوي واخلص له حتى ايامه الحاضره.. لم يتبدل ولم يتلون كما هم ساسة هذا العصر ، فالولاء والانتماء لديهم بقدر العطاء !!
على مدى عمره الوظيفي والنضالي ظل وفيا للقيم التى تربى عليها، فهو يؤمن بالعمل الجماعي وليس التنظير.. يؤمن باهمية المواطن وقدسية الوطن معا – لهذا فهو من اوائل من طبق نهج سياسة الباب المفتوح مع المواطن فهو يؤمن ان الموظف وجد لخدمة المواطن وليس سيدا عليه.. مارس هذا النهج معلما ونائبا وسفيرا وعينا ، وحتى قبل ايام من وفاته ظل حاضرا للفعل الوطني والاجتماعي جيث يسير في حوائج الناس دون تمييز، فتجده يتنقل بين عمان ومدن المملكة من شمالها الى وسطها الى جنوبها سعيا في اصلاح ذات البين وحل النزاعات الاجتماعية.
كان سياسيا من الطراز الاول اذا كان المقام يتطلب الحديث السياسي والفكري الملتزم ، وشيخ عشيرة اذا كان المقام لمثل هذا الكلام – لهذا فهو جامع للاصالة والمعاصرة، ومحافظ على القيم العربية الاصيلة ومحب للناس ليس لغاية.. ملك قلوب كل من تعامل معهم وانا واحد من هؤلاء .. لم يتاجر بالسياسة كما هم انتهازيو هذا العصر واصحاب الدكاكين الحزبية الذين حولوا كل شى جميل في الحياة وفي ديارنا الى تجارة ، فالانتماء والولاء لديهم بقدر العطاء.
وبالرغم من العقوق الذي يتعرض له الشرفاء احيانا من قبل الحكومات المتعاقبة، الا انه بقى الوفي للوطن والمواطن ولم يفرط بالمبادى التى امن بها وتربى عليها من معايير النزاهة والامانة وعدم مد اليد للمال العام بل المحافطة عليه بشتى الطرق.. فهذه هي المدرسة الوطنية التي تخرج منها الكثيرون من ابناء الطفيلة ومن ابناء الاردن ومازالوا على عهدهم بالوفاء والولاء لبلدهم ومواطنيهم.
تغادرنا هذه القامة الكبيرة في هذه الاوقات القاسية الى ارض الخلود بعد مسيرة حافلة بالعطاء والانجاز، تاركا ارثا وطنيا وقوميا وانسانيا وقيما ومبادىء سامية ستظل على مدى الدهر خالدة لتشكل للاجيال منارة هدى وهداية تستذكرها بعناية واهتمام واقتداء كلما المت بها الخطوب و تعرجت بها الدروب و داهمتها الازمات والليالي المظلمات.
–رحمك الله يا اخر الفرسان وانبلهم شهامة قامة وقيمة، وعلى مثلك ايها الفارس الاصيل تذرف الدموع مدرارا .. وحقا ان العين لتدمع وان القلب ليحزن وانا على فراقك – ياعماه – لمحزونون.. ولا نقول الا ما يرضي ربنا : انا لله وانا اليه راجعون .
البريد الإلكتروني: [email protected]
الوقت: 4 فبراير,2021 at 11:17 ص



