السودان من العداء التاريخي للكيان الصهيوني إلى الصداقة معه
بقلم: توفيق المديني

بعد أن كرست قمة الخرطوم في أغسطس/آب 1967،اللاءات الثلاث،الرفض العربي لإسرائيل،إذالتزمت الدول العربية بعدم توقيع الصلح مع دولة الكيان الصهيوني،وبعدم التفاوض معها،وبعدم الاعتراف بها،وبعد أن كان السودان جزءًا من محور المقاومة بتحالفه مع إيران، وبتحوله إلى مكان الملتقى للحركات الإسلامية الجهادية التي تقاتل الكيان الصهيوني والعاملة في قطاع غزة ومصر،وكل قارة إفريقيا،لا سيما في ظل حكم الإنقاذ بقيادة الرئيس المخلوع عمر البشير،وكنقطة انطلاق للعمل الجهادي الموجه ضد الكيان الصهيوني،والدول العربية الموالية للغرب وأهمها مصر.
هاهو وزير الاستخبارات في دولة الكيان الصهيوني،إيلي كوهين الذي قاد وفدًا إسرائيليًا ضمّ عشرة من كبار المسؤولين في ديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومجلس الأمن القومي الصهيوني،وزار السودان يوم 25 يناير/كانون الثاني الجاري،و”استقبل بحفاوة بالغة” في الخرطوم، يُعْلِنُ في مقابلة أجرتها معه صحيفة “يسرائيل هيوم” الأوسع انتشارًا في الكيان الصهيوني ، ونشرها موقعها، يوم الأربعاء 27يناير/كانون الثاني الجاري،عن أنَّه لاحظ أنّ السودانيين “معنيون بالتقدم (في مسار التطبيع) بسرعة وفي كل المجالات”.وأردف قائلاً عن زيارته إلى الخرطوم:”وصلنا تسيطر علينا مخاوف وعدنا راضين تمامًا،فقد تحول الأعداء إلى أصدقاء، فمن المهم أنَّ السودانيين معنيون وبمبادرتهم،بتطوير التطبيع مع إسرائيل حتى بعد تغيير الإدارة في الولايات المتحدة”.
ترحيب سوداني رسمي بزيارة الوفد الإسرائيلي
و أضاف كوهين:”بالنسبة لي وكوزير قام بزيارات سياسية،هذه ليست مجرد زيارة،إنَّها لحظة تاريخية،بعد 72 عامًاعلى تأسيس الدولة،أنا كنت المسؤول الأول الذي يصل إلى الدولة التي أعلنت فيها اللاءات الثلاث،وشاركت في الحروب ضدنا”،على حدِّ تعبيركوهين،في إشارةٍ إلى اللاءات الثلاث التي رُفعت في الخرطوم في مؤتمر القمة العربية عام 1967 عقب هزيمة حزيران /يونيوفي عام 1967
وقال كوهين في بيان بعد العودة إلى تل أبيب:”لدي ثقة أنَّ هذه الزيارة تضع الأسس للعديد من أوجه التعاون المهمة التي ستساعد كلا من إسرائيل والسودان،وستدعم كذلك الاستقرار الأمني في المنطقة”.
وقالت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية،الثلاثاء الماضي:”قام الوزير كوهين،بزيارة تاريخية للسودان أمس، التقى خلالها رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان،ووزير الدفاع ياسين إبراهيم، ومسؤولين آخرين،وناقش معهم عددا من القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية”.وأوضحت أنَّ من بين المواضيع التي طُرحت على بساط البحث “إمكانية ضم إسرائيل إلى مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن”.وقال مصدر حكومي سوداني لوكالة الأناضول،إنَّه جرى الاتفاق خلال الزيارة على تبادل فتح سفارات بين السودان والكيان الصهيوني في أقرب وقت.
ولفت كوهين إلى أن السودان وإسرائيل اتفقتا على تدشين سفارتين في كل من الخرطوم وتل أبيب،إلى جانب الشروع في التعاون في المجالات الاقتصادية والزراعية،مشيراً إلى أن الخرطوم وافقت على السماح للطيران الإسرائيلي “بالتحليق بحرية” في الأجواء السودانية.
وقد كان اللقاء بين كوهين ووزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين عبد الهادي،الذي سبق اللقاء مع البرهان،”مفاجئاً” للمسؤولين الإسرائيليين،حيث لفتت الصحيفة إلى أن الوزير السوداني هو الذي بادر بتقديم مشروع للتعاون الاستخباري للوفد الإسرائيلي.
وانضم السودان إلى الإمارات والبحرين والمغرب العام الماضي في التحرك نحو تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني .ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2020، أعلن السودان تطبيع علاقته مع إسرائيل،لكنَّ قوى سياسية وطنية عدة، أعلنت رفضها القاطع،من بينها أحزاب مشاركة في الائتلاف الحاكم.
وبحسب موقع واللا الإسرائيلي، فقد حاول البيت الأبيض في الأسابيع الأخيرة من عمر إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تنظيم حفل توقيع رسمي بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان.
و كان أحد الخيارات،هو إقامة الحفل في العاصمة الإماراتية أبو ظبي هذا الأسبوع، لكن الإغلاق في إسرائيل الذي تفرضه الحكومة للحد من تفشي وباء كورونا والتوترات الأمنية بين السودان وإثيوبيا أزالا الفكرة من جدول الأعمال، وفق ذات المصدر.
التطبيع السوداني يصطدم بقانون مقاطعة إسرائيل
رغم هذه الهرولة المجنونة من جانب قادة السودان العسكريين نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني،والاقتراب من تبادل السفارات مع تل أبيب، فإنَّ المراقبين لا يزالون يرون أنَّ التطبيع بين السودان و الكيان الصهيوني يصطدم بقانون مقاطعة إسرائيل الذي صدر في العام 1958 أثناء حكم رئيس الوزراء،عبد الله خليل الموالي لحزب الأمة القومي،وذلك في ظل تنامي تيار القومية العربية والدعم العربي للقضية الفلسطينية،وقبل أن تبرز إلى الساحة دعوات المصالحة والاعتراف بالكيان الصهيوني.
ويتكون القانون من 7 مواد أساسية تحظر جميعها كافة أشكال التواصل مع إسرائيل، بما يشمل عقد، بالذات أو بالوساطة، اتفاق من أي نوع مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل، أو مع هيئات أو أشخاص يعلم أنهم ينتمون بجنسيتهم إلى إسرائيل أو يعملون لحسابها.
كما يحظر القانون التعامل مع الشركات والمنشآت الوطنية والأجنبية، التي لها مصالح أو فروع أو توكيلات عامة في إسرائيل،ومنع دخول البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية وما في حكمها من السلع والمنتجات التي يعاد شحنها من إسرائيل أو التي تصدر من دولة أخرى لصالح إسرائيل،وبالمقابل،منع القانون تصدير السلع والمنتجات السودانية إلى إسرائيل والبضائع التي تدخل أراضي السودان أو تمر عبرها.وحدَّدَ القانون عقوبات لمن يخالف تلك المحاذير بالسجن لمدة تصل إلى 10 سنوات أو بالغرامة التي تحددها المحكمة، أو بالعقوبتين معاً، إضافة لمصادرة الأشياء المضبوطة.
من الواضح أنَّ رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الخارج للتوِّ من ثورة شعبية الفريق أول عبدالفتاح البرهان،هو الذي دشن عملية التطبيع بلقاء جمعه برئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو،في مدينة عينتبي الأوغندية في فبراير/ شباط 2020،وذلك بقوة دفع أمريكية إماراتية،قبل صدور إعلان سياسي مشترك أشرف عليه الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، وقبل أن توقع الخرطوم في السادس من الشهر الجاري على اتفاق إبراهام.
ويضغط رئيس مجلس السيادة في السودان إلى إعادة النظر في قانون مقاطعة الكيان الصهيوني، لتمرير صفقة التطبيع،وبدأت خطوة دراسة القانون من جديد، داخل وزارة العدل،التي يدور فيها نقاش حول خيارين،الأول هو إجراء تعديلات على التشريع،والثاني إلغاؤه بالكامل،والرأي الأرجح، حتى الآن، إلغاء القانون كلياً، على أن تترك المواقف الدبلوماسية بالتطبيع أو المقاطعة لتقديرات الدول السياسية،دون تقييدها بنصوص قانونية، على أن يودع مشروع الإلغاء في دورة الانعقاد الأولى للمجلس التشريعي، المنتظر تكوينه خلال الأيام المقبلة، من تحالف الحرية والتغيير وحركات الكفاح المسلح وآخرين يرشحهم المكون العسكري.
وسبق أن هددت أحزاب سياسية مناوئة للتطبيع، مثل حزب الأمة القومي،بتحريك إجراءات قانونية ضد كل الشخصيات السياسية التي تواصلت مع الكيان الصهيوني ،بينما طالب محامون، من مكتب الاعتصام للمحاماة والاستشارات القانونية، من النيابة العامة تقييد دعوى قضائية ضد البرهان ورفع الحصانة عنه تمهيداً لمحاكمته.
فالحقيقة الماثلة أمامنا من زيارة وزير الاستخبارات الصهيوني إئيلي كوهين،ومناقشته ملفات أمنية واقتصادية مع المسؤولين السودانين، تؤكِّدُ على اختراق الحكومة السودانية لقانون مقاطعة الكيان الصهيوني بواسطة مسؤوليها،وعلى وجود علاقات أمنية تتجاوز العلاقات الدبلوماسية،لا سيما أنَّ الحكومة السودانية تستجيب للإملاءات والوعود الإماراتية وهو ما ورَّطّ السودان في تلك الخطوات دون أن يجنيَ سِوَى السرابِ.
انتصار الاستراتيجية الصهيونية في السودان
بعد أن كان السودان في عقد التسعينيات من القرن العشرين يقيم علاقات وثيقة مع محور المقاومة،ولا سيما مع العمود الفقري لهذا المحور أي إيران،علاقات في المجال السياسي الأمني والإيديولوجي الديني منذ تولي عمر البشير زمام السلطة في عام 1989،حيث أقامت إيران تحالفًا استراتيجيًا مع السودان ، الذي كان معاديًا لأمريكا وإسرائيل,واستطاع هذا التحالف بين الدولتين الإيرانية و السودانية،أن يبقى قائما بعد التصدع الذي حدث بين نظام البشيروحسن ترابي في نهاية التسعينات.
وتدفقت الاستثمارات الإيرانية إلى السودان،وكانت ناجحة رغم تعرضها للضغوطات الدولية والأزمات الداخلية في السودان,تلك الاستثمارات قد مكنت إيران من التأثير والنفوذ في الشرق الأوسط وأن يلمع اسمها حتى في داخل إفريقيا السوداء.وبناء على ذلك تقوم ما يشبه المنافسة بين إيران ودول عربية للوصول إلى قلب السودان،تلك المنافسة التي كانت إيران تحتل فيها موقعًا متقدمًا.
غير أنَّه بعد مرور عامين على الحراك الشعبي الذي قام به الشعب السوداني ضدَّ نظام عمر البشيرفي 18ديسمبر/كانون الأول 2018، ونيل الشعب السوداني الحرّية التي يطمح لها،لا سيما أنَّ المكسب الوحيد الذي تحقق في البلاد هو حرِّية التعبير،لكنَّه ما زال ينتظر الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي طالب بها،يعتقد الكثير من السودانيين أنَّ الجيش يهيمن على مجلس السيادة،وهو الهيكل الذي يحكم السودان منذ أغسطس/آب 2019.ويرى الشعب السوداني أنَّ الجيشَ يُعَرْقِلُ عملية التحول الديمقراطي،ويَحُولُ دونَ تَحْقِيقَ المطالب التي نادت بها،”الحرِّية والسلام والعدالة”.فالفاعلون الرئيسيون في النظام القديم ما زالوا يشغلون مناصب رفيعة المستوى في الدولة،وذلك رغم الجرائم التي ارتكبوها.
والقيادات المتنفذة في الجيش هيَ مَنْ تُؤَخِّرُ تشكيلَ المجلسِ التشريعيِّ الذي كان ينبغي تكونه في نهاية عام 2019،وذلك بسبب رغبتها في التفرد بالسلطة.ويواصل الجيش بسط نفوذه على معظم الشركات ومجال تعدين الذهب وإنتاج الأغذية والمنسوجات. وهذا الأمر يَحُولُ دون وضعِ حدٍّ للفساد الذي استفحل في ظل النظام القديم، وإيجادِ حلٍّ للنقصِ الفادحِ في الخبزِ والوقود،إذ يتحكم الجيش في حوالي 82 في المئة من ميزانية الدولة.
في هذا الوقت بالذات من مرور السودان بمرحلة الانتقال من عهد حكم البشري إلى نظام جديد غير محدّد الهوية،يعوّل الكيان الصهيوني على التطبيع مع السودان لتحقيق المزيد من التغلغل الصهيوني داخل بلدان القرن الإفريقي،وفي باقي البلدان الإفريقية الواقعة في وسط وشرق القارة،مستغلآ حالة الضعف التي يعاني منها السودان لالتقاط الأنفاس،لأنَّ السلطة فيه انتقالية ومكبلة بقيودٍ عديدةِ.
فالطبقة السياسية الحاكمة حاليًا في السودان تريد تكرارالنموذج المصري في التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى حين استشفاف أبعاد العلاقات في المستقبل،حيث حصرت القاهرة (تقريبا) ملف التطبيع في نطاق العلاقات الدبلوماسية،وفرغته من مضامينه الجوهرية،وحجمت الكثير من جوانبه الاقتصادية والأمنية،واستندت في ذلك إلى رفض شعبي عارم، رفع شعارات متباينة ضد التطبيع.
يصعب على السودان الوصول إلى صيغة مماثلة عقب حدوث تحولات كبيرة في النظرة للقضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني،وما أحاط بهما من فتور على الساحة العربية،ولم يعد هذا الملف ضمن أولويات الكثير من الشعوب.فقد أصبح تجاوز الأزمات الاقتصادية يسيطرعلى تفكير الطبقة الحاكمة، وشريحة كبيرة من القوى السياسية في السودان، والمزايدات فيه وعليه تراجعت كثيرًا، وبالتالي لن يكون تصاعده أو انخفاضه ذا بالٍ، وستحاول الخرطوم التجاوب معه وفقًا لما يحققه من فوائدٍ.
الكيان الصهيوني حقق اختراقًا استراتيجيًا بإخراج السودان من محور المقاومة،في ظل حرص القيادة العسكرية الحالية المستولية على السلطة المضي قدمًا في نهج التطبيع مع الكيان الصهيوني ،مستغلة ضعف القوى السياسية السودانية وتشرذمها وعجزها عن بلورة البديل الوطني والديمقراطي.والحال هذه،وضع الكيان الصهيوني علاقته مع السوان على قائمة أولويات منظومة أمنه القومي بهدف ترسيخ تفوقه العسكري والاقتصادي في المنطقة،والْهَيْمَنَةِ على القرن الإفريقي والبحرالأحمر والخليج العربي(جغرافيًا، واستراتيجيًا، وأمنياً).



