الجاسوس بولارد وطبيعة العلاقة بين اليهود الأمريكيين وإسرائيل

بقلم: توفيق المديني

استقبل رئيس رئيس وزراء الكيان الصهيوني،بنيامين نتنياهو فجر يوم الإربعاء 30ديسمبر 2020،في مطار تل أبيب الجاسوس الأمريكي اليهودي جوناثان بولارد،الذي قضى حكمًا بالسجن 35 عاما،في الولايات المتحدة،بعد شهر من انتهاء قيود الإفراج عنه.وكان بولارد سببًا في خلاف إسرائيلي أمريكي، حيث كان عنصرًا في استخبارات سلاح البحرية الأمريكية، وكشف عن قيامه بالتجسس في العام 1985، لصالح إسرائيل، وحكم عليه بالسجن لمدة 35 عاما.
وفور نزول بولارد من الطائرة، برفقة زوجته، قدم له بنيامين نتنياهو بطاقة الهوية الإسرائيلية، وقال:”أهلا بكم من جديد.. من الرائع أنك عدت أخيرًا إلى المنزل،الآن يمكنك أن تبدأ الحياة من جديد،بحرِّيةٍ وسعادةٍ”.بدوره قال بولارد: “نشعر بسعادة غامرة في العودة إلى الوطن بعد 35 عامًا،لا أحد يفخر بهذا البلد أكثر منَّا،هنا مستقبل الشعب اليهودي ولن نذهب لأي مكان”.
أثارت قضية تجسس اليهودي الأمريكي (جوناثان بولارد ) على الجيش الأمريكي لمصلحة الموساد ..دهشة و تساؤل العالم كله .. إذ كيف يمكن أن يتجسس الكيان الصهيوني على وَلِّيِ أَمْرِهِ،وما الذي يدعوه إلى ذلك،ولا سيما أنَّ أمريكا توفرلدولة إسرائيل كل أسباب الوجود والاستمرار،بما في ذلك المعلومات السرِّية ..
وقد رفضت الولايات المتحدةالأمريكية الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد الذي يحمل الجنسية الأمريكية،والذي حُكِمَ عليه في الولايات المتحدة الأميركية أيضا حكمًا بالسجن مدى الحياة منذ عام 1985؛إثر إدانته بالتجسس لصالح إسرائيل أثناء عمله كمحلل سابق بمخابرات البحرية الأمريكية، وتزويدها بمعلومات عسكرية حساسة للغاية.
كما رفض “ريتشارد شيلبي” رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي السابق العفو عن بولارد،وسبق أن حذر الرئيس الأمريكي السابق كلينتون من الخضوع للضغوط الإسرائيلية،وبعث برقية إلى كلينتون في يناير 1999 قال فيها: “آمل ألا تعدلوا عن قراركم السابق ببقاء بولارد في السجن”، وأرفق شيلبي رسالة وقعها 58 عضوا من أعضاء الكونجرس.
وقد راح المحللون يشرّقون تارة، وى يغرّبون أخرى، في محاولة لفهم دوافع و أسباب هذه(فضيحة التجسس)دون أن يقتربوا من جوهر المسألة خوفًا من أن يتهموا “بمعاداة السامية”!
أما حقيقة الأمر، فهي أنَّ بولارد يهودي ملتزم بعقيدته الصهيونية ، قبل أن يكون أمريكي الجنسية، أو محللاً في جهازتحليل المعلومات التابع للجيش الأمريكي، أو عضوًا في الموساد. وعقيدته تلك التي يستقيها من كل أسفار التوراة المتداولة(والموضوعة من قبل الفرنسيين)، ومن (بروتوكولات حكماء صهيون) ، والتي يترنم بتعاليمها في الكنيس اليهودي الأمريكي و كل الكنس في العالم، تعلّمه بأنه من “شعب الله المختار”، وأنَّ شعوب وأمم الأرض الأخرى غير اليهودية (الغوييم)، إنما وجدت لتكون في خدمته،و أنَّ إلهه المطلق(يهوه) سيغضب عليه غضبًا شديدًا إِنْ لم يعلمْ على تدميرهذه الأمم من أجل سيادة أبناء(شعبه) أملاً بتحقيق (الوعد) في سيادة اليهود على العالم كله (وليس على أمة العرب فحسب)، وسحق كل (الغوييم) بمن فيهم الأمريكان.
وطرحت قضية بولارد مسألة اندماج اليهود في المجتمع الأمريكي،الذين عملوا على تشكيل منظماتهم قبل نضوج الحركة الصّهيونيّة في مؤتمر بال في سويسرا عام 189،وعلاقة يهود أمريكا بإسرائيل.
الجاسوس بولارد وقضية العلاقة بين إسرائيل و يهود أمريكا
عندما قامت إسرائيل عام 1948،طرحت نفسها أنَّها “الوطن القومي لليهود”،وأنَّها أصبحت الدولة اليهودية،التي باتت تطالب بتهجير يهود العالم لتوطينهم في فلسطين.إلاأنَّ الجهد الذي بذلته الوكالة اليهودية،والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة،لم يقابله حماس موازمن جانب الجاليات اليهودية المنتشرة في العالم،ولا سيما في الدول الرأسمالية الغربية،وبالتالي لم يهرع يهود الشتات إلى المهاجرة تحت لواء الصهيونية .
ويقول أحد قادة اليهود الأميركيين،آرثر هيرتسبرغ، الذي يحرص على بقاء يهود الشتات، ويدين موقف إسرائيل منهم ، مايلي:” لقد تكلم دافيد بن غوريون بهذا الخطاب اللفظي بعد الإعلان عن قيام إسرائيل مباشرة، وقد أصر على أن مصطلح “صهيوني” يمكن أن ينطبق فقط على أولئك اليهود الذين أصبحوا في إسرائيل أو هم في طريقهم إليها. وجميع الاخرين، بصرف النظر عن مدى عمق اهتمامهم و مساعدتهم للدولة اليهودية،فإنَّهم “أصدقاء إسرائيل”، وهم من مستوى أدنى في تراتبية القيم اليهودية”.
لقد تميز موقف إسرائيل من الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية ،بالازدواجية. فهي تريد من اليهود الأمريكيين أن يقدموا الدعم المادي لها ، بوصفه فريضة جبرية، لكنها تنظر إليهم في الوقت عينه بشيء من الازدراء، معتبرة إياهم مقصرين في أدائهم لدورهم التاريخي في سبيل صيانة بقاء “الشعب اليهودي”.وقد تكرّس هذا المنظور في الرواية الرسمية للتاريخ اليهودي الحديث، كما صيغت في إسرائيل. ويقول هيرتسبرغ: “إنَّ القناعة بأن الاستيطان الصهيوني، والدولة التي نشأت عنه، كانا أسمى من المهجر قد أصبحت مبكراً جداً مركزية في الرواية الصهيونية للتاريخ اليهودي”.
لقد ركّب بن ـ تسيون دينور، الذي كان أستاذاً للتاريخ اليهودي في الجامعة العبرية، ووزيراً للثقافة في الحكومة الإسرائيلية الأولى، تفسيراً لمجمل التاريخ اليهودي بمفاهيم قومية. فالشعب اليهودي قد مرّ بثلاث مراحل كبيرة. كانت الأولى خلق وجوده القومي في أرضه الخاصة في زمن التوراة، والثانية، كانت بقاءه في الدياسبورا(الشتات)، ليس بسبب ديانته في المكان الأول، وإنَّما لأنَّه نظر إلى نفسه على الدوام كشعب في المهجر، والثالثة، وهي المرحلة الأخيرة في الحاضر، عودة الشعب المهجر إلى أرضه الخاصة. وقد جرى الاعتراض على هذه الرواية حتى في إسرائيل، ولكنَّها ظلت المهيمنة على تعليم التاريخ في المدارس. وقد انطوت أطروحة دينور بوضوح على فكرة أنَّ أولئك الذين يختارون عدم القدوم إلى أرض إسرائيل، في هذا الوقت الذي يبلغ التاريخ اليهودي مرحلة الذروة، إنما يتهربون من أداء واجبهم.
لاشك أنَّ هذه المواقف التي تتبجح بها إسرائيل لجهة أنَّها أصبحت وصية على الجاليات اليهودية في الغرب،جعل العديد من اليهود الأمريكيين يطرحون أسئلة عدة ، مثل: هل ستكون إسرائيل المكان الطبيعي لليهود في العالم؟و هل هي حقيقة المركز الروحي لليهود؟
كان اليهود الأمريكيون يرفضون الأطروحات الصهيونية التي تروج لها دولة إسرائيل،مخافة من أنَّ المعادين للسامية سيدفعون اليهود نحو إسرائيل التي أضفتْ على نفسها صفة الدولة اليهودية،وبالتالي تتم معاملتهم على أساس ازدواجية الولاء وعدم الثقة. وكانت الجمعية اليهودية الأميركية- التي تضم اليهود غير الصهاينة في الوكالة اليهودية- رغم تأييدها لخطة تقسيم فلسطين، من بين الذين أعربوا عن قلقهم من إنشاء إسرائيل لما سَيُسَبِّبَهُ من مشكلات لليهود الأمريكيين.
الحركة الصهيونية التي أقامت مشروعها الاستيطاني عبرإقامة دولة إسرائيل،باتت ترى أنها بحاجة ماسة لمساعدة الجاليات اليهودية في الغرب،و لاسيما الأميركية.وهذا ماقاد إلى توتر في العلاقات بين إسرائيل و الجالية اليهودية في أمريكا التي رفضت الهجرة تحت لواء الصهيونية.
مدى الأوهام عن دولة إسرائيل كدولة ملجأ
فيما عملت إسرائيل منذ قيامها على استقطاب الطوائف اليهودية في العالم بهدف تهجيرها إلى فلسطين،مؤكدة لها أنَّه لا مستقبل لها خارجها بصرف النظر عن البلدان الغربية التي تعيش فيها ،فإنَّ اليهودَ الأميركيين لم يشاطروا إسرائيل قناعتها هذه،بل اختاروا أنْ يكونُوا مواطنينَ أميركيين صالحين .ويعتبر اليهود الأمريكيون أفضل تعليماً من نظرائهم الإسرائيليين،وهناك دلالات على وجود إنجاز يهودي خلاق في أمريكا أكثر منه في إسرائيل،ناهيك عن أنَّ وجود تيارات يهودية مختلفة يسمح بمزيد من الانفتاح أكثر مما تسمح به الأصولية الاحتكارية في إسرائيل، وإن كان هذا لم يمنع يهود أمريكا من التبرع لمصلحة إسرائيل.
لاشك أنَّ إسرائيل لا توافق على ما يعتقده كثير من اليهود الأمريكيين أنَّ استمرارَ وجودهم في أمريكا أمر مطلوب لتأمين الدعم السياسي والمالي الضروريين لإسرائيل. فهي تريد أنْ تتواجدَ هذه الثروة المالية والاقتصادية والإعلامية التي تمتلكها الجالية اليهود في أمريكا في الدولة اليهودية.
الخبراء الملمون بشؤون الطائفة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية يقرون بعدم وجود عداءٍ للصهيونية العالمية من جانب يهود أميركا و السبب في ذلك يعود إلى غياب ذلك التأثير القوي للحركة الصهيونية العالمية داخل الولايات المتحدة نفسها.وعلى الرغم من أنَّ المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد إسرائيل سياسيا ،وتقدم لها المساعدات المالية من خلال التبرعات التي تجمعها- وهي تبرعات تخصم من الضرائب المترتبة على المتبرعين، وبالتالي فإنَّ أي تبرع هو عبارة عن تبرع تقوم به الخزينة الأمريكية، وذلك لأنَّ المبلغ الذي جرى التبرع به هو من حق الخزينة الأمريكية، وخاصة في حالة كون المتبرع مليونيراً-، بيد أنها ترفض رفضًا قاطعًا تشجيع الجالية اليهودية الأمريكية لكي تهاجر إلى فلسطين المحتلة.
إن المعيار الأول الذي يمكن اعتماده في كشف مدى تأييد الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية للحركة الصهيونية العالمية ، و بالتالي مدى الاصطفاف على أرضية برنامجها السياسي و الايديولوجي هو مدى إسهام هذه الجالية في الهجرة البشرية إلى إسرائيل .وبما أن الجالية اليهودية في الولايات المتحدة لم تساهم إلا بحدود هامشية في الهجرة إلى إسرائيل،بل إنها عموماً ترفض هذه الهجرة ، فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أن تأثير الحركة الصهيونية العالمية على الجالية اليهودية الأميركية هو ضعيف جدا.
ولكن إذا لم تكن هناك حركة صهيونية في الولايات المتحدة، فلا بد أنَّ جهة أخرى، غير اليهود هي التي تصوغ سياسة الولايات المتحدة تجاه منطقتنا العربية. وهذه الجهة لا يمكن أن تكون سوى الجهة التي تصوغ السياسة الأمريكية العامة في مختلف المجالات، وهي الحكومة الأمريكية نفسها وأجهزتها المختلفة.
خاتـــمة:
فيما درج الفكر السياسي العربي على إظهار الولايات المتحدة أمة تستحق الإشفاق,إذ إنَّ قرارات هذه الدولة العظمى وتوجهاتها وسياساتها تصنع على يد الطباخين اليهود,حيث تستثمر إسرائيل هذه الصورة المضخمة لتيئيس العرب و المسلمين من إمكانية التأثير في الرأي العام الأمريكي والسياسة الخارجية الأمريكية المنحازة إلى جانب الكيان الصهيوني،فإنَّه يهمنا من جانبنا أنْ نُؤَكِّدَ على أنَّ إسرائيل ليست إلا مجرد أداة أمريكية تقوم بدور وظيفي لحماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية فى الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط،ولاسيما بعد أن شيعت الولايات المتحدة مبدأ مونرو لتخرج من عزلتها التقليدية إلى معترك الصراع الدولي،وتعاظم دورالأداة لتتحول إلى عصا غليظة لإخضاع شعوب المنطقة وتنفيذ المخطط الأمريكى فى الهيمنة.
وتدحض الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان في سنة 2006 بما لا يقبله الشك نظرية اللوبي الصهيوني،لأنَّنا وجدنا بأنَّ أمريكا كانت أكثر حماسًا لخوض إسرائيل هذه الحرب،وكانت متمسكة بإطالة أمدها العدواني،وذلك من أجل تقديم مساعدة لما يسمى بحرب أمريكا على الإرهاب.فإسرائيل في تلك الحرب كانت تقوم بوظيفة حربية في خدمة استراتيجية الإمبريالية الأمريكية…
وعندما تبرز تناقضات بين إسرائيل وأمريكا الشريكين في المشروع الصهيوني،سواء أكانت تكتيكية،أو ثانوية،بالنسبة إلى أمريكا،أو استرتتيجية أو رئيسية بالنسبة لإسرائيل ،فإنَّه لا إسرائيل،ولا اللوبي الصهيوني،يستطيعان طرح سياسة بديلة تتعارض مع الاستراتيجية الأمريكية،لأنَّ الطرفَ الْمُحَدِّدَ والمهيمنَ في هذه العلاقة غير المتكافئة هي الإمبريالية الأمريكية.
إنَّ وجود إسرائيل قوية سيبقى مصلحة أمريكية على الصعيد العالمي مادامت الإمبريالية الأمريكية بحاجة إليها لأداء الدور الوظيفي المنوط بها، وبالمقابل تتلخص مطالب إسرائيل من أمريكا بتزويدها بالأسلحة المتطورة،والتكنولوجيا المتقدمة،والأموال والضمانات السياسية، ولا سيما فرض تسويات استسلامية على العرب بشأن الصراع العربي – الصهيوني، كما هو الحال في الوقت الراهن من خلال “صفقة القرن”، و التطبيع مع الدول العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى