متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا

بقلم: عبد الهادي الراجح

في العاشر من ديسمبر الجاري مرت بهدوء وتجاهل شبه تام الذكرى الــ71 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر كنوع من الإجماع ألأممي ، وتكون ذلك الإعلان من (31) بندا شكلت توافق العالم وإجماعه ، ليكون ذلك الإعلان ميثاقا أمميا ومرجعا بعد أن خسرت الإنسانية في العالم الذي يدعي الحر ملايين البشر ما بين قتلى وجرحى ومعاقين ومشردين .
يكفي أن نذكر أن الاتحاد السوفيتي وهو دولة عظمى خسر وحده أكثر من (20) مليون إنسان وثلثي ثروة بلاده ، ناهيك عن عشرات القرى والمدن التي أبيدت عن الوجود ، وبالتالي جاء التوافق تاما على ذلك الإعلان التاريخي ليكون بداية إنسانية لخدمة الإنسان وحقوقه .
وبدون نظرية المؤامرة الموجودة في التاريخ ولكن التاريخ لا يفسر على أنه مؤامرة .
أن وطننا العربي الكبير من محيطه لخليجه قد دفع ثمن جرائم ما يسمى بالعالم المتحضر ، فقد تم تقسيمه بعد الحرب الكونية الأولى شيعة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأنصار لمعاوية بن أبي سفيان وبين كل قطر وآخر أوجدوا قنابل موقوتة بعد التقسيم جاهزة للانفجار عندما تتطلب مصالحهم ذلك ، والمأساة الكبرى بعد تقسيم سوريا الكبرى لأربعة أجزاء ان أعطوا جزءا عزيزا وهو قلب العروبة فلسطين للعصابات الصهيونية لتقيم كيانها اللقيط المسمى بإسرائيل، لأجل أن يكون الفاصل العازل بين العرب في قارتي آسيا وإفريقيا ، وليمنع أية وحدة أو تقارب بين أبناء الأمة الواحدة .
وهكذا دفعنا نحن العرب ثمن جرائم الغرب بحق اليهود وغيرهم إذا صحت تلك المزاعم، وهي غير صحيحة كما أجمع أغلب المختصين بالتاريخ ، وبأنها مبالغة وما تعرض له اليهود تعرض له غيرهم ، ألم تكن خسائر الاتحاد السوفيتي وحده أكثر من (20) مليون إنسان، ولماذا التركيز على ما قيل عن ستة ملايين يهود تم حرقهم من قبل النازية ، الأمر الذي لم تؤكده أي دراسة عليمة موزونة .
وجاء إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد قيام الكيان الصهيوني اللقيط بعام ليتم تسييس ذلك الإعلان التاريخي ، وتستغله الامبريالية العالمية لتصفية الحسابات مع كل دولة تحترم ذاتها ولا تسير في الحظيرة الامبريالية التي تقودها أمريكا ، والدليل على ذلك أنه بعد إعلان ذلك البيان ، قامت الامبريالية العالمية ممثلة بالشيطان الأكبر أمريكا بإعلان حرب من نوع آخر على حليف الأمس الاتحاد السوفيتي ، وأكثر من قدم تضحيات للخلاص من النازية والفاشية سميت بالحرب الباردة .
وكلفت تلك الحرب مليارات الدولارات التي لو استغلت لتفعيل ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومحاربة الفقر ما وجد فقراء في العالم .
إن جرائم الامبريالية فاقت بمرات عديدة جرائم النازية والفاشية ، وكل ما قيل عن الجرائم في التاريخ البشري اليوم انكشف المستور ، وإذا الديمقراطية التي يسوقونها تعني إفقار الشعوب واستغلالهم ، وإذا حقوق الإنسان أصبحت المدخل لإعادة الاستعمار الكونيالي البغيض .
وإذا الامبريالية الأمريكية وهي المنظر الأول لحقوق الإنسان ، تكشف ذاتها وحقيقتها داخل وطنها ، والانتخابات الرئاسية الأخيرة والصراع داخل تلك الإمبراطورية ليس على المبادئ والقيم التي طالما صدعونا بها ، ولكنه صراع على السلطة بين ترامب الذي يريد أن يقتل وينهب بالأمر وعلى عينك يا تاجر، وبايدن الذي يريد نفس الشيء ولكن عن طريق وكلائه من العبيد والخونة الذين وجدوا لذلك .
وهكذا انفضحت أمريكا ، ومن تابع تلك المعركة يشعر أن أحداثها لم تعرفها حتى إفريقيا في عصر الفصل العنصري ( الاباراتايد).
ولا زال مجنون أمريكا ترامب يرفض الهزيمة ويصر كأي طاغية في العالم على أنه هو الفائز وغيره الخاسر ، رغم أن المرشحين ترامب وبايدن حالة واحدة فيما يخص وطننا العربي وصراعنا مع العدو الصهيوني ، الذي دعمه بلا حدود محل إجماع المرشحين، الخاسر ترامب والفائز بايدن ، ثم أن أمريكا أثبتت أنها الكيان الأكثر عنصرية وتطرفا، وأن حقوق الإنسان مجرد وسيلة للتدخل السافر في شؤون كل دولة تحترم ذاتها .
وعلي، فان حقوق الإنسان العادلة والحقيقية والتاريخية هي تلك  التي صنعناها، نحن العرب، وارسي قواعدها الحقيقية قبل ألف وأربعمائة عام  الخليفة العادل عمر بن الخطاب الذي قال عبارته الخالدة: ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) وهو نفس ما تنص عليه المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان التي تقول حرفيا ( يولد جميع الناس أحرار ومتساويين في الكرامة والحقوق ، وقد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء) أي أن دهاقنة الغرب قد سوقوا علينا ما هو من صميم ثقافتنا وحضارتنا ، وما تعلموه منا .
لذلك، فان العالم اليوم مطالب أن يقف بوجه الهمجية الامبريالية، وإلا فسيعيد التاريخ نفسه ولن يصحو العالم إلا بعد أن يخسر المزيد من ملايين البشر أو إبادة هذا الكوكب لا سمح الله، عندما يمسك مقاليد أسلحة الدمار الشامل مجنون آخر مثل ترامب،  وحين ذلك لا ينفع الندم .. ولا عزاء للصامتين .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى