عرض كتاب لأحد مؤسسي حركة فتح عن فترة تأسيسها وحتى نهاية 1966

بقلم:  د. عدلي الهواري*

 

عنوان الكتاب: المناضل الكبير الدكتور عادل عبد القادر ياسين: حياته ونضالاته
المؤلف: د. عبد الله مصطفى الدنان
الناشر: دار البيروني، عمّان-الأردن، الطبعة الأولى، 2021.

تحتفل حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) مطلع كل عام بالذكرى السنوية لانطلاقتها. وقد رُبط الاحتفال بهذه المناسبة بموعد القيام بأول عملية عسكرية ضد أهداف إسرائيلية في فلسطين المحتلة، أي 1/1/1965. ولكن تأسيس هيكل تنظيمي للحركة سبق العملية العسكرية الأولى ببضع سنوات.
في وقت متزامن مع قرب الاحتفال بهذه المناسبة، صدر في الشهر الأخير من عام 2020 كتاب عن دار البيروني في عمّان يتعلق بمرحلة تأسيس حركة فتح وحتى نهاية عام 1966، أي قبل وقوع الحرب العربية-الإسرائيلية في عام 1967، التي منيت فيها جيوش ثلاث دول عربية بهزيمة، وأسفرت عن احتلال إسرائيل لمزيد من الأراضي العربية.
من المفارقات التاريخية أن هذه الهزيمة كانت فرصة لصعود نجم منظمات المقاومة الفلسطينية وانتشار القبول لفكرة حرب الشعب طويلة الأمد لتحرير فلسطين كبديل لمواجهة عسكرية بين جيوش نظامية. وحظيت حركة فتح بتأييد جماهيري واسع بعد هذه الهزيمة، وخاصة بعد معركة الكرامة نتيجة مشاركة مقاتليها الجيش الأردني في التصدي للقوات الإسرائيلية التي اجتازت نهر الأردن في 21/3/1968 لتقضي على الفدائيين الفلسطينيين الذين كان مخيم الكرامة منطلقا لعملياتهم ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
أصبحت حركة فتح بعد تلك المعركة الفصيل الأكبر بين المنظمات الفلسطينية. ورغم تعدد المنظمات والقادة في ذلك الحين، أصبح ياسر عرفات الزعيم الفلسطيني الأول، وجمع بين قيادتي حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف) التي أصبحت ائتلافا فضفاضا لثماني منظمات مقاومة فلسطينية.
وكانت ذروة نجاح عرفات في التحول إلى القائد الأول إلقاء خطاب في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1974. وكان ذلك بعد فترة قصيرة من حصول م ت ف على صفة “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني” بقرار اتخذ في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الرباط في تشرين الأول (أكتوبر) 1974.
ولكن ما الذي جعل قائد حركة مقاومة انطلقت من أجل تحرير كامل فلسطين بالكفاح المسلح يقبل بحكم ذاتي محدود لشعبه ولنفسه على جزء صغير من فلسطين، ويتوصل إلى اتفاق على ذلك من خلال مفاوضات سرية تمت في العاصمة النرويجية أوسلو وتوجت في عام 1993 باتفاق أوسلو؟
فهم هذه الظاهرة التي تبدو متناقضة منطقيا يحتاج إلى العودة إلى البدايات، فالمقدمات تقود إلى النتائج. من هنا تنبع أهمية الكتاب، فهو عن مرحلة تأسيس فتح، ويروي تفاصيلها اثنان من مؤسسيها، وهما عبد الله مصطفى الدنان وعادل عبد الكريم ياسين، إذا يشير المؤلف (الدنان) إلى “أن كل ما جاء في هذا الكتاب عن علاقة الدكتور عادل بحركة “فتح” جاء حرفيا في كتاب أعددته بالاشتراك معه، وقد راجعناه معا أكثر من مرة” (ص 7).
هدف المؤلف من الكتاب إلى إحياء ذكرى رفيقه ياسين. ولكن الكتاب ليس سردا لمحطات في حياة ياسين أو الدنان، بل يشمل توثيقا لمرحلة تأسيس فتح، وهذه مسألة مهمة، فتأسيس الحركة أصبح مثل الأساطير نتيجة تعدد الروايات ومن تنسب لهم الريادة في تأسيسها، وتحولها إلى أكبر منظمات المقاومة الفلسطينية، التي ردد الكثيرون الأغنية التي تتمجد بها: “فهي التي صنعت لشعبي ثورة، وهي التي شقت طريق العزة”.
ومثلما تحول تأسيس فتح إلى أسطورة، انطبق الأمر على ياسر عرفات أيضا، وعلى دوره في النضال الفلسطيني. ولذا لم يعد الحديث عن عرفات يتم بواقعية، بل بأسلوب الحديث عن أساطير ومعجزات وعبقرية. وهذه الطريقة منافية للتفكير النقدي والواقعي، ولا تصلح للتحليل المستند إلى الحقائق، وبالتالي التقييم بموضوعية، ولكنها الأسلوب المفضل لشحذ العصبية التنظيمية، والتعبئة السياسية لبسطاء العقول.
عززت فتح الأسطورة المتعلقة بتأسيسها وتحولها إلى الفصيل الفلسطيني الأكبر بالترويج لمسألة إطلاق الرصاصة الأولى، بمعنى أنها كانت السباقة إلى القيام بعمل عسكري في مطلع عام 1965. ويتم الترويج لهذا كثيرا بتداول البيان الصادر عن حركة فتح (بتوقيع “العاصفة”) للإعلان عن العملية الأولى. ولكن المؤلف يوضح أن العملية التي كان مقررا لها أن تتم في تلك الليلة لم تحدث. وبتوثيقه ذلك، يزيل هالة القدسية الزائفة عن مسألة “الطلقة الأولى”. يقول الدنان:
“قبل عدة أیام من الیوم المحدد توجه محمد یوسف النجار إلى بیروت لیتولى توزيع البلاغ الأول على وسائل الإعلام اللبنانیة، وتوجه یاسر عرفات إلى عمّان لتحریك الفدائیین للقیام بالضربة الأولى وھي نسف وتدمیر منشآت تحویل مجرى نھر الأردن في شمال فلسطین. حان الموعد، وتحرك الشباب الأبطال ودخلوا إلى فلسطین. كان دخولھم من الحدود الأردنیة، وتوجھوا نحو ھدفھم، فوجدوا أن الھدف المحدد لھم تحت حراسة شدیدة وغیر عادیة من قبل جنود العدو، فقرروا عدم القیام بأي عمل، ورجعوا إلى قواعدھم داخل الأردن، وأبلغوا قائدھم محمد غنیم بذلك، وھو بدوره أبلغ یاسر عرفات، وكان ذلك في صباح یوم 1/1/1965م وھو الیوم المحدد لتوزیع البلاغ الأول للعاصفة على وسائل الإعلام اللبنانیة. وزع محمد یوسف النجار البلاغ الأول على الصحف اللبنانیة فنشرته معظمھا وظھر في 1/1/1965 (ص 104-105).
أضر البيان عن عملية لم تحدث بمصداقية حركة فتح، ولذا جرت محاولة لحصر الضرر بالتخطيط لتنفيذ عملية في أسرع ما يمكن. يقول الدنان:
“عندما علمت اللجنة المركزیة لحركة فتح حقیقة ما حدث وأن بلاغ العاصفة صدر دون أن تتحقق الضربة، صدرت الأوامر بضرورة تحقیق ضربة مھما كانت الظروف من أجل المحافظة على صدقیة الحركة […] بعد اثني عشر یوما من صدور البلاغ الأول توجه رجال العاصفة الأشداء نحو أھدافھم، وھذه المرة وصلوا إلى نفق عیلبون في شمال فلسطین. فضربوا منشآت تحویل مجرى نھر الأردن في عیلبون وسھل البطوف. صدر البلاغ العسكري الثاني بتاریخ 12/1/1965م وقد اعترف العدو الصھیوني بھذه العملیة، وأذاعھا وتناقلت الإذاعات والصحف العربیة والغربیة خبر العملية” (ص 106).
ويلقي المؤلف الضوء على ياسر عرفات في مرحلة التأسيس، ويوثق حالات تصرف فيها تصرفا فرديا مرتجلا، وغير مكترث بالموقف الجماعي للجنة المركزية للحركة. أحد التصرفات غير المدروسة محاولة لتفجير خط نقل النفط من السعودية إلى لبنان (خط التابلاين). أدت المحاولة إلى القبض عليه في سورية. ولكن تدخل رفاقه تكلل بالإفراج عنه. وقدم للرئيس السوري آنذاك، أمين الحافظ، تفسير لمحاولة عرفات تفجير خط التابلاين لم يكن له صلة بالحقيقة.
من الممكن أن يلتمس الإنسان بعض العذر لقادة فتح آنذاك ويتفهم أن الإعلان عن العملية الأولى لم يكن كذبة مقصودة، فالعملية خطط لها، ولكن ظروفا حالت دون تنفيذها. والستينيات لم تكن عصر إنترنت والوصول الفوري للمعلومات، بل كانت الأخبار التي تنشر في الصحف هي التي وصلتها قبل يوم.
ولكن لا عذر في الحالة الثانية المتعلقة بالحادثة التي أدت إلى اعتقال عرفات بعد اكتشاف السلطات السورية أنه كان ينوي تفجير خط التابلاين، الأمر الذي اعتبره الرئيس السوري، أمين الحافظ، عملا يؤدي إلى إدخال سورية في مواجهة مع الولايات المتحدة (ص 122).
يذكر المؤلف أنه تم الاتفاق على ابلاغ الحافظ أنه كان لدى الحركة معلومات عن أن إسرائيل تسرق النفط من خط التابلاين، وأن عرفات ذهب ليستطلع الأمر، فإذا كان صحيحا يفجر الخط في الأراضي اللبنانية، وإن لم يكن صحيحا لا يفجره. يقول الدنان:
“جاء صلاح خلف ویاسر عرفات إلى بیت عادل یاسین وبدأ عادل بالحدیث عن كیفیة الخروج من ھذه الأزمة مع سوریا التي ھي رئة الثورة ومع الرئیس أمین الحافظ. قال عادل وكان غاضبا جدا: “اسمع یا یاسر عملك ھذا تمّ بدون إذن اللجنة المركزیة، وبدون علمھا وأنت لم تتكلم حتى الآن عن سبب توجھك للقیام بھذه العملیة، على أیة حال، ھذا خطأ فادح ستحاكم علیه داخل الحركة، إلا أنه لا بد أولا من الخروج من ھذا المأزق والإبقاء على علاقة ممتازة بین الحركة والحكومة السوریة، وأنا أقترح أن نتفق على إجابة موحدة عن السبب في ذھابك لنسف خط التابلاین. أما اقتراحي فھو أن تكون الإجابة كما یلي:
“وردتنا معلومات مفادھا أن الیھود یسرقون نفطا من خط التابلاین المار من الأراضي السوریة ثم اللبنانیة، وأنھم یفعلون ذلك بواسطة خط وصلوه بخط التابلاین المار من الأراضي اللبنانیة لینقل إلیھم النفط المسروق، ونحن ذھبنا لنتأكد من ھذه المعلومات، فإذا كانت صحیحة فإننا سوف ننسفه، وإن النسف سیكون في الأراضي اللبنانیة ولیس السوریة” (ص 121-122).
ويرد في الكتاب أن عرفات لم يكن يلتزم بقرارات اللجنة المركزية إلا إذا كان مضطرا، ويقوم في المقابل بممارسات للضغط على اللجنة المركزية، فهو ينظم الأشخاص في الحركة دون حرص على اختيار العنصر الجيد، ويوظف المال لجذب الأعضاء.
ويوثق المؤلف تجميد عضوية عرفات في اللجنة المركزية ثلاثة أشهر، ثم سحب الثقة منه، والطلب من أعضاء الحركة عدم التعامل معه. ولكن يلاحظ على سرد الكتاب للحوادث التي تصرف فيها عرفات تصرفا فرديا أن ردود فعل اللجنة المركزية كانت لينة، فالكتاب يتحدث عن “تصفية النفوس” (ص 152)، وكأن حل الخلاف على مسار حركة ثورية يشبه الخلاف الشخصي ويحل بمناشدة صديقين تهدئة النفوس، في حين أن تأسيس حركة ثورية ناجحة يحتاج إلى وحدة الموقف والانضباط والتنظيم.
لم يطل مفعول سحب الثقة من عرفات طويلا بعد أن اعتقلته السلطات السورية مرة ثانية إثر حادثة مقتل النقيب يوسف عرابي والملازم محمد حشمة (أيار/مايو 1966). الأول فلسطيني ولكنه كان نقيبا في الجيش السوري، وزميلا لوزير الدفاع آنذاك، حافظ الأسد، منذ أيام دراستهما في الكلية العسكرية، والثاني ضابط في التنظيم العسكري التابع لفتح. (اعتقل آخرون من فتح، من بينهم خليل الوزير، أبو جهاد).
يشير المؤلف إلى أن هذا الاعتقال أثار تعاطفا مع عرفات، وحصل تراجع عن عدم التعامل معه. ويبدو أن تبعات هذه الحادثة بينت لعادل ياسين وعبد الله الدنان وزميلين آخرين هما محمود فلاحة ومنير سويد أن بقاءهم في حركة فتح لم يعد خيارا مناسبا لهم، وتركوا الحركة. يشرح الدنان الأمر بقوله:
“عقد عبد الله الدنان وعادل یاسین ومحمود فلاحة ومنیر سوید اجتماعا، وبحثوا موضوع الحركة ككل، وتراجُع ثلاثة من أعضاء اللجنة المركزیة وھم سلیم الزعنون وخالد الحسن وفاروق القدومي، عن قرار سحب الثقة من یاسر عرفات وقرار الآخرین وھم خلیل الوزیر ومختار البعباع ومحمود الخالدي وحسام الخطیب ومحمد یوسف النجار ومحمود عباس أن یظلوا یتعاونون مع یاسر عرفات وأن یعطوه (كما قال البعض) فرصة أخرى، وأنھم یضمنون السیطرة على تحركاته” (ص 171).
وبعد تشاور الأربعة بشأن القرار الذي يجب اتخاذه على ضوء تغير المواقف تجاه عرفات “قرر ھؤلاء الأربعة الذین أصروا على تنفیذ قرار اللجنة المركزیة بسحب الثقة من یاسر عرفات وھم: عادل یاسین وعبد الله الدنان ومحمود فلاحة ومنیر سوید، عدم الاستمرار بالعمل في داخل “فتح”، وعدم تحمل أي مسؤولیة عن أیة نكبة أو كارثة تصیب الشعب الفلسطیني نتیجة للتصرفات الخاطئة الناتجة عن الانفراد بالقرارات، وعدم الانضباط داخل قیادة حركة “فتح”، الأمر الذي یؤدي بكل تأكید إلى الفساد وتفضیل المصلحة الذاتیة على مصلحة الوطن، والذي ینتج عنه بالتأكید القبول بحلول للقضیة تضیع الأرض ولا تؤدي إلى أي خیر للشعب الفلسطيني” (ص 172).
تجب الإشارة إلى وجود اختلاف في التفاصيل المتعلقة بأمري العملية الأولى ومقتل عرابي وحشمة. في كتاب سعيد أبو الريش عن عرفات، يقول المؤلف إن العملية الأولى لم تتم نتيجة اعتقال السلطات اللبنانية للمكلفين بالتنفيذ قبل يوم من العملية (ص 61). وبالنسبة إلى حادثة عرابي، يقول أبو الريش إنه وقع أو ألقي من الطابق الثالث. أما الدنان فيذكر أنه قتل نتيجة إطلاق عبد المجيد الزغموت النار عليه أثناء “مشادة كلامية” بين عرابي وحشمة (ص 169).
ويشير أبو الريش إلى أن وزير الدفاع حافظ الأسد أراد الحكم على عرفات بالإعدام، ولكن القيادي في حزب البعث الحاكم، صلاح جديد، لم يوافق على ذلك وأفرج عن عرفات. وتجب الإشارة إلى أن أبو الريش لا يحمّل عرفات أي مسؤولية عن مقتل عرابي، ويشير إلى وجود تكهنات بأن عرفات ذهب للتفاوض مع عرابي إما ليحصل على دعمه مقابل اللجنة المركزية لفتح، أو لإقناعه بالعمل معه على تشكيل تنظيم آخر (ص 63-64).
من المعلومات المفيدة في الكتاب الفصل المتعلق بالاتصالات التي جرت مع شخصيات فلسطينية مثل جورج حبش وأحمد الشقيري. ويسرد الكتاب خلاصة الحديث مع الشقيري ويتبين أنه كان متقدما على محاوريه في وعيه لأوضاع الدول العربية، إذا قال لهم إن الدول العربية غير قادرة على تحمل عملية عسكرية إسرائيلية كبيرة. ينقل المؤلف عن الشقيري قوله:
“دعونا أیھا الإخوة نتكلم عن الكفاح المسلح في ظل الأوضاع الراھنة. أنا استمعت إلى حدیثكم وعن نظریتكم التي ملخصھا أن تضربوا العدو ضربات فدائیة موجعة وأن یحاول العدو الرد على ھذه الضربات عبر الحدود باتجاه الدول العربیة المحیطة بفلسطین، وفي ھذه الحال أنتم تفترضون أن الدول العربیة قادرة على الرد بقوة على محاولة العدو اختراق حدودھا، ویظل الأمر ھكذا إلى أن یرھق العدو، وبعدها تحدث معركة التحرير الكامل”.
“توقف السید أحمد الشقیري عن الكلام قلیلا ثم تنفّس بعمق وتابع قائلا “ھذه استراتیجیة ممتازة لولا خطأ كبیر یقع في صلبھا، وھو افتراض قدرة الدول العربیة على صد العدوان الصھیوني عن حدودھا. أنا أقول لكم أیھا الإخوة إن الدول العربیة غیر قادرة على حمایة حدودھا أمام العدو الصھیوني وخذوا مصر مثلا، إن اقتصاد مصر لا یحتمل حربا، إن واقع مصر الاقتصادي ھو “from hand to mouth” قالھا باللغة الإنجليزية ومعناھا: من الید إلى الفم، أي أن الدخل لا یصل إلى الجیب، فھي لیس عندھا مخزون اقتصادي تعتمد علیه إذا تعرضت لأي حرب. وتابع قائلا: فإذا انهارت جبهة مصر فلا أعتقد أن الجبھات الثانیة ستصمد” (ص 114-115).
ورغم شك الشقيري في صواب نظرية مؤسسي فتح، إلا أنه أبدى الاستعداد للتعاون مع الحركة الجديدة، التي رشحت لذلك محمود الخالدي، عضو لجنتها المركزية، فعينه الشقيري ممثلا للمنظمة في سورية (ص 115).
مع أن الكتاب يتحدث عن فترة بضع سنوات، أي منذ تأسيس حركة فتح في الكويت، وحتى وقت انسحاب الدنان ویاسین وفلاحة وسوید من حركة فتح بعد مقتل النقيب عرابي والملازم حشمة عام 1966، إلا أن صدوره يستحق الترحيب به، فهو أولا من تأليف مشارك أساسي وقيادي في الحركة، وثانيا، يضيف رواية واقعية لتاريخ تأسيس الحركة، بدلا من الكتب والمقالات التي تكرر أساطير التأسيس والطلقة الأولى والعبقرية القيادية لعرفات.
بعد أن ينتهي الكاتب من سرد ما لديه من معلومات عن مرحلة التأسيس، يتحدث عن فترة وجود المقاومة في الأردن ولبنان ويحملها مسؤولية كاملة عما جرى لها هناك. في هذين الجزئين يبدي المؤلف رأيا لا يمكن الاتفاق معه عليه إلا جزئيا. لا ينكر أحد ارتكاب أفراد وقادة تصرفات غير مسؤولة في الأردن ولبنان، ولكن اختزال الأمر في الحالتين بجعل التصرفات سببا لطرد المقاومة من الأردن عام 1970 و1971 ثم إرغامها على الانسحاب من لبنان عام 1982 نتيجة غزو إسرائيل للبنان وحصار بيروت أمر يفتقر إلى الرؤية الواقعية والتحليل الموضوعي.
مما يستنتج من تجربة ياسين والدنان أنه عندما يعمل أناس في مجال العمل الوطني والسياسي ضمن أحزاب وروابط، يكون همّ البعض الصالح العام، والبعض الآخر يكون همّه المناصب القيادية، ويكون من نتائج ذلك أن محبي المناصب يعملون على إخراج المخلصين للصالح العام بذرائع تشمل المزايدة على وطنية وجذرية الآخرين.
بعد الانسحاب من فتح، ركز الدنان وياسين على مسار حياتهما الأكاديمية، فحصل الدنان على الدكتوراه في العلوم اللغوية التطبيقية من جامعة لندن عام 1976، وهو معروف كخبير لغوي، وصاحب نظرية في تعليم اللغة العربية الفصحى بالفطرة، وتمكن مشاهدة فيديو له عن ذلك في يوتيوب. أما ياسين فحصل على الدكتوراه في منهجية وطرق تدريس الرياضيات من جامعة ساري البريطانية في عام 1982. ومارس التعليم الجامعي في الكويت وماليزيا. انتقل إلى رحمته تعالى في الشارقة عام 2017.
ونظرا لأن الكتاب أراد تسليط الضوء على حياة ونضال عادل ياسين، كان على الناشر والمؤلف وضع صورة للمناضل ياسين على الغلاف، وتضمين الكتاب بعض الصور، فقد بحثت في النت عن صورة للمناضل ياسين، ولم أجد له صورة حتى في خبر نعي السلطة الفلسطينية له.

*د. عدلي الهواري: مؤلف كتاب “بيروت 1982: اليوم ي” عن الاتصالات الفلسطينية-الأميركية أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى