في حال فوز بايدن.. ما تأثيرات ذلك على الكيان الصهيوني وإيران؟

بقلم : توفيق المديني

لأول مرَة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية يَمُرُّ يومان ،ولا يعلن من هو الرئيس الفائز،في الوقت الذي أُعْلِنَ فيه عن حصة الرئيس دونالد ترامب من أصوات المجمع الانتخابي إلى 214 مقابل 264 لخصمه جوبايدن،وذلك من أصل 270 مطلوبة للفوز.ويُشَارُ إلى أنَّ بايدن وأنصاره، يترقبون إتمام فرز الأصوات في ولاية نيفادا،إذ هو بحاجة فقط إلى أصواتها الستة(6مقاعد) في المجمع الانتخابي للحصول على الحد الأدنى المؤهل للفوز، والبالغ 270 مقعدا.
في المقابل، حصد الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وفق النتائج الأولية، 214 من مقاعد المجمع الانتخابي، وتميل لصالحه حاليا ولايات بنسلفانيا (20 مقعدا) وجورجيا (16 مقعدا) ونورث كارولاينا (15 مقعدا) وألاسكا (3 مقاعد)، إلا أنها مجتمعة، وإن حسم الفوز فيها، لا تضمن له الفوز.
نتائج الانتخابات تُدْخِلُ أمريكا في مأزقٍ كبيرٍ
لقد وصلت الانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى ذلك المأزق الذي كان يتوقعه الخبراء والمحللون ،حيث أنَّ الأرقام وتقديرات حول أصوات في 4 إلى 6 ولايات،(ميشيغن، ويسكنسون، جورجيا، أريزونا (11 مقعدا)، نيفادا(6مقاعد)، نورث كارولينا (15 مقعدا))،والتي بدا أنَّ بعضها غيّر المعادلة بإعطاء بايدن دفعة كبيرة إلى الإمام،ولا سيما ميشيغن وويسكنسون، بما جعل العدد السحري المطلوب من المجمع الانتخابي (270 صوتًا)ممكناً حسابيّاً.
لكنَّ مع اقتراب المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي جو بايدن من حسم الانتخابات لصالحه، أعلن الرئيس ترامب ومحاموه لجوئهم إلى رفع دعاوى قضائية في ولايتي ميشيغن وبنسلفانيا لوقف عملية فرز الأصوات،وتخطيطهم لرفع دعوى تزعم التلاعب بأصوات الناخبين في نيفادا. كما طلبت حملة ترامب إعادة فرز الأصوات في ولاية ويسكونسن، وفق ما نقلت وكالة “رويترز”.
ويُعَدُّ اللجوء إلى القضاء مسارًا محكومًا بطول الوقت الذي قد يتمخض عن تطورات تزيد من التعقيد وتفاقم الأزمة، سواء أأكَّدَتْ المحاكمات على النتائج أم عدلت في أرقامها قليلًا.وهذا بمعزل عن رفض المخارج القانونية، كأنْ يتدخل كونغرس هذه الولاية أو تلك ويفرض فضِّ الخلاف من خلال توليه تعيين حصة الولاية من أعضاء المجمع الانتخابي، بحيث تتفاقم المشكلة وتنتقل إلى الساحة السياسية وألغامها.
والحال هذه ، يتكرّرُ من جديد سيناريو انتخابات عام 2000 ،حين اعترض آنذاك جورج بوش الإبن على عدِّ الأصوات في إحدى المناطق الانتخابية بولاية فلوريدا،حيث كان الفارق بحدود 539 صوتاً لصالح خصمه الديمقراطي آل غور،وكان حسم الرئاسة متوقفاً عند هذه الولاية.
من الجدير بالملاحظة،أنَّه رغم جائجة كورونا التي شكلت نقطة ضعف رئيسة في سياسة ترامب الداخلية،فإنَّ حضورها في العملية الانتخابية كان باهتًا،وبما انعكس سلباً على حصة المرشح الديمقراطي، ما يكشف أنَّ التصويت للناخبين جرى عموماً وفق الانقسام العمودي في أمريكا: يمين مقابل يسار،وأبيض مقابل ملوّن. ورغم تأكيد بايدن جذوره في الطبقة العاملة وتعاطفه، إلا أنَّ الحزب الديمقراطي لا يزال حزب المهنيين والمقترعين من أصحاب الشهادات الجامعية وليس الطبقة العاملة التي كانت تشكل يوما ما قاعدته.ولم تغير حوادث مفصلية، مثل الوباء الذي فشل ترامب بالتعامل معه، هذا الواقع، ويحتاج الديمقراطيون لمساءلة أنفسهم: لماذا يتبع أبناء الطبقة العاملة الشعبوية الثرية التي لا تفعل الكثير لهم.
وعلى الديمقراطيين معالجة حسَّ الإهانة لدى الطبقة العاملة الذين شعروا أنَّ الاقتصاد تخلى عنهم فيما تنظر النخبة المؤهلة إليهم نظرة دونية.ومع أنَّ بايدن حقق تقدما مع الطبقة العاملة إلا أنَّه لم يحقق تغييرًا جذريًا، واستمروا بدعم ترامب نظرًا لشعورهم بالسخط على النخبة المتعلمة والمتخرجة من الجامعات التي تنظر إليهم باحتقارٍ.
ومع دخول الانتخابات الأمريكية في هذا النفق الطويل والوعر، فإنَّ المرشحَ الديمقراطيَّ جو بايدن نأى في بيانه يوم الخميس 5نوفمبر الجاري عن إعلان فوزه، وإِنْ أعْرَبَ عن اعتقاده بأنَّ الأمور تسير لمصلحته. إعلان قد يمتد حتى الأسبوع الأول من ديسمبر. هذا إذا جرت مراعاة المواعيد الدستورية المتعلقة باجتماع ثم تصويت المجمع الانتخابي في الرابع عشر منه. موعد لا يجوز تجاوزه إلا إذا وصل عدم التراجع بالمواقف حد التصعيد.
في تعليقه على مسار الانتخابات الرئاسية الأمريكية، كتب توماس فريدمان مقالاً نشره في صحيفة “نيويورك تايمز”بتاريخ 5نوفمبر الجاري ،قال فيه:: “لم نعرف بعد هوية الرابح في السباق الرئاسي ولكنَّنا نعرف الخاسر: الولايات المتحدة الأمريكية”.
وأضاف: “لم يخصص ترامب طوال رئاسته ولو يوما لكي يكون رئيس كل الأمريكيين، ولم يفوت فرصة لاحتقار الأعراف، بطريقة لم يقم بها رئيس مثله”.ويرى أن ترامب واصل لعبته حتى مساء الثلاثاء 4نوفمبر، عندما أعلن كاذبا عن فوزه بالانتخابات وطلب من المحكمة العليا التدخل ووقف التصويت، وكأن أمرا كهذا ممكن.
وأضاف فريدمان أن فوز بايدن لو حدث فسيكون بهامش قليل من الأصوات في الولايات المتأرجحة. وربما فاز بالأصوات الشعبية. لكن فوزه لن يكون غامرا أو ساحقا يخبر ترامب ومن حوله “كفى” واذهب ولا تحمل معك هذا النوع من السياسة إلى البلد مرة أخرى.
سياسة بايدن مع الكيان الصهيوني
إذا كان الرئيس الأمريكي السابق جون كينيدي فازبالسباق الرئاسي في مطلع ستينيات القرن العشرين، ليكون آخر رئيس كاثوليكي حتى يومنا هذا،فإنَّ المرشحَ الديمقراطيَّ جو بايدن يَمْلِكُ فرصةً لأنْ يكونَ الرئيس الكاثوليكي الأول منذ 60 عامًا، وكان نشر قبل أيام فيديو يحكي فيه عن التوافق بين عقيدته الكاثوليكية الاجتماعية ووجهات نظره السياسية، بحسب تعبيره.ولفت بايدن أكثر من مرة إلى مذهبه الكاثوليكي، وقال إن “من أولوياتي صون إخوتي، والتفكير في معاناة الآخرين”. وأضاف أنّه تربّى على قيم “النزاهة والكرم ومعاملة الآخرين باحترام ومساواة”.
فماهو نهج إدارة بايدن تجاه الكيان الصهيوني؟في حال فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن، فإنَّه معروفٌ بتأييده للكيان الصهيوني بشكل واضح، وملتزم بالحلف الاستراتيجي بين تل أبيب وواشنطن.ومع ذلك، فإنَّ إدارة بايدن المستقبلية ستتحدَّى الكيان الصهيوني ، بسبب الخلافات العميقة في موضوعين جوهريين هما، الأول؛ المسيرة السياسية التي ستتنكر فيها الإدارة لخطة القرن لترامب، والعودة لمخطط أوباما وكلينتون، أي حل الدولتين على أساس حدود 67، وعاصمة فلسطين في القدس الشرقية.
وستفتح إدارة بايدن مرَّة أخرى السفارة الفلسطينية في واشنطن التي أغلقها ترامب، وكذا القنصلية الأمريكية في شرقي القدس، والتي شكلت قبل ترامب سفارة أمريكية بحكم الأمر الواقع للفلسطينيين، كما أن هذه الإدارة ستستأنف المساعدة الأمريكية لوكالة الغوث وللمؤسسات الفلسطينية الأخرى التي أوقفها ترامب، وستعود الإدارة لمعارضة بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس.
الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن في حال فوزه،سيغير الصورة السلبية عن الولايات المتحدة الأميركية في العالم العربي، إذ حين يشكل فريق عمله لبدء ولايته الجديدة، سيحدد جدول أعمال أمريكي للمرحلة المقبلة للتوصل إلى تسوية دائمة للصراع الفلسطيني ـ الصهيوني،نظرًا لوعيه
مركزية الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني في قوس الأزمات الممتد من المتوسط حتى أفغانستان وباكستان، وسيواجه الآن تحدياً كبيراً،يتمثل في معارضة رئيس الحكومة الصهيونية الفاشي بنيامين نتنياهو الذي يرفض حل الدولتين الذي تؤيده الإدارة الديمقراطية الجديدة، حيث إنَّ الأولوية لبنيامين نتنياهو تكمن في القيام بضربة عسكرية استباقية ضد منشآت إيران النووية، وتجميد عملية السلام حاملا على عاتقه كبديل ما سماه مشروع السلام الاقتصادي، في ظل رفضه للسلام، ورفضه إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإطالته أمد الانشقاق الفلسطيني، وتكريس غياب المحاور الفلسطيني القادر على التحاور مع الكيان الصهيوني وبالتالي التهرب من المفاوضات، فيما أصبحت المبادرة العربية للسلام في مهب الريح بعد تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني ودول غربية جديدة(الإمارات و البحرين و السودان)،وهو عملية جديدة تقلق الإيرانيين، وليس فقط الفلسطينيين الذين تم استبعادهم، وتقدر الحكومة الصهيونية أنَّ هذا يؤدي لتآكل قوة إيران في الشرق الأوسط، ويثير قلقًا كبيرًا لدى طهران.
وكان الرئيس ترامب جلب للكيان الصهيوني ثلاث اتفاقيات “سلام “مع دول عربية، وتجاهل الفلسطينيين الرافضين.وكان ترامب الرئيس الوحيد من بين سلسلة طويلة من الرؤساء الأمريكيين، الذين قدموا وعودًا مماثلةً، لنقل السفارة الأمريكية فعليًا من تل أبيب إلى القدس، إضافة إلى أنه كان أول من اعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ،وبالسيادة الصهيونية على مرتفعات الجولان المحتلة.
الحقيقة الماثلة للعيان،أنَّ الحكومة اليمينية الفاشية بزعامة نتنياهو ليست مقتنعة بضرورة إنشاء دولة فلسطينية. فبعد موت اتفاقيات أوسلو، وتجاهل الكيان الصهيوني للمبادرة العربية للسلام، تلاشت إمكانية إنشاء دولة فلسطينية من يوم إلى آخر، من جرَّاء التوسع في الاستيطان في الضفة الغربية، ودأب الحكومات الصهيونية المتعاقبة على رفض تقسيم القدس. إزاء هذا الوضع، سيتحول حلَّ الدولتينِ إلى شرارةٍ للخلاف بين نتنياهو وبايدن. فهل سيتمكن الرئيس الأميركي الجديد من فرض شروطه على الجانبين الصهيوني والفلسطيني للمضي قدمًا في عملية التفاوض وفقا لتسوية أمريكية تفضي في النهاية إلى اتفاق نهائي مدعوم من المجتمع الدولي للوصول إلى إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة، تجنبا لانتفاضة فلسطينية ثالثة؟
تأثير فوز بايدن على إيران
أكَّدَ الرئيس الإيراني،حسن روحاني،في كلمة خلال مشاركته عبر الفيديو كونفرانس بتدشين مشروع بالبلاد أنَّ نظيره الأمريكي دونالد ترامب عجزعن كسر إرادة بلاده،رغم سنوات من العقوبات غير المسبوقة،مشدِّدًا في المقابل على عدم اكتراث بلاده بنتيجة الانتخابات في الولايات المتحدة.
وتابع قائلًا: “ذاك الذي يقبع في البيت الأبيض لم يقدم على تخفيف العقوبات المفروضة على بلادنا،حتى في فترة تفشي وباء كورونا، لكنني أثق بأن النصر سيكون لشعبنا في نهاية المطاف”..وقال:”نتائج الانتخابات الأمريكية ستحسم اليوم أو غدا،وليس من المهم من سيتولى إدارة البيت الأبيض، فلا حيلة لديهم سوى الرضوخ لإرادة الشعب الإيراني وضغوط الرأي العام العالمي”.
ويخشى الكيان الصهيوني من نيَّةِ بايدن المعلنة بضم الولايات المتحدة مرَّة أخرى للاتفاق النووي مع إيران ورفع العقوبات، وهذا الأمر سينقذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية من انهيار اقتصادي ويساعدها على العودة لأجزاء هامة في الشرق الأوسط واستخدامها كمواقع متقدمة ضد الكيان الصهيوني،الذي يعتبر أنَّ إيران تشكِّلُ تهديدًا استراتيجيًا له.
ويزعم الديبلوماسيون الصهاينة أنه لا يهم من ينتصر، وعلى “إسرائيل” أن تعرض علنا مصالحها وتوقعاتها من كل اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران، وهذا لم تفعله في 2015 عند تحقق الاتفاق، مما سمح لأوباما (الرئيس الأمريكي السابق) بأن يدعي بدهاء، أنه لا يوجد أي اتفاقٍ جيدٍ بشكلٍ كافٍ ل”إسرائيل”.
ويخشى الكيان الصهيوني من الانضمام الأمريكي المتجدد لاتفاق نووي مع إيران، الأمر الذي سيجبر دولا عربية خليجية كثيرة على الدخول في حلف استراتيجي علني ضد إيران ومع الكيان الصهيوني .
قال خبير عسكري إسرائيلي أمير بوخبوط، في تقريره على موقع “ويللا” الإخباري:إنَّ دول الشرق الأوسط تستعد لإعلان الفائز في الانتخابات الأمريكية، سواء دونالد ترامب أو جو بايدن، لأن النتائج ستنعكس على الوضع في المنطقة.
وأضاف ، “أنَّ المنطقة “ستكون في حالة صدمة، فإيران قلقة بشأن اقتصادها ومشروعها النووي.. وأكد أنَّ “المعلومات الإسرائيلية المتوفرة تشير إلى أن إيران تنتظر نتائج الانتخابات الأمريكية، وتنقسم الآراء الإسرائيلية حول ما إذا كان النظام في طهران يفضل بايدن على ترامب، لكنه يخشى أن يؤدي رفض سياسات ترامب لصدام عسكري مباشر، ثم عملية تفاوض واتفاق، ولأنهم ينظرون إليه على أنه غير متوقع، كما انعكس في اغتيال قاسم سليماني، فإنهم يخجلون من فكرة إعادة انتخاب ترامب، أو سيضطرون لقتاله مباشرة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى