القوميّة العربيّة ، و الآخرون
بقلم : د . بهجت سليمان

تعقيبا على محاورات الدكتور ابراهيم علوش والأستاذ أنيس نقاش
1▪︎ من الطّبيعيّ أنّ مسألة “الهويّة” لا تُطرح طرحاً جديداً للخلاف أو للنّقاش ، لولا مشروعيّة الطّرح المستجدّ بناء على أزمة أو أخطار تحيق بوجود أصحاب “الهويّة”. وسواء أردنا أم لم نُرد ، فإنّ مفهوم “الهويّة” نفسه لا يقوم أو يستقيم إلّا بناءً على جذر “قوميّ” في “أمّة” و ليسَ في أيّ عامل آخر من عوامل الاجتماع.
إنّ جميع عوامل الاجتماع الحضاريّ لا يمكنها مواجهة عوادي التّاريخ كما تواجهه “القوميّة” في مفهومها الإنسانيّ و الحضاريّ.
و طبيعيّ أنّ البعد الحضاريّ لأيّة “هويّة” مقرونٌ ببعدها الإنسانيّ و غير التّعصّبيّ . و تقوم “الأمّة” الحضاريّة على مفهوم “القوميّة” الذي يتأسّس على ثوابت و متبدّلات. لا يمكن للّغة إلّا أن تكون جذر واقع الأمّة و القوميّة الذي يتحوّل في سياق التّاريخ إلى مفهوم.
2▪︎ ربّما لم تنشأ فكرة القوميّة العربيّة في الجاهليّة ، و ربّما أنّها نشأت أيضاً ؛ إذ أنّ الخطاب القرآني الذي يُخاطب البشَر المحدّدين في إطار لغة على نحو وردت فيه كلمة “أمّة” عشرات المرّات ( بحدود خمسين مرّة تقريباً ) ، إنّما لا يُمكن أن يُتلى على قوم جهلة بهذا المفهوم ، و هذا بغضّ النّظر عن مستويات الخطاب القرآنيّ حول “الأمّة” سواءٌ من تلك المستويات مستوى “القوميّة” و الأصل القائم على “الّلغة” كأدة خطاب و وجهة لتوجّه الخطاب [ ” و لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ” ( الأنعام :42 ) ، و يعني كخطاب من قبلك بلغة أخرى غير ” العربيّة ” ] ؛ أو سواء منها مفهوم “الأمّة” الإنسانيّ ( قبل الدّينيّ ) [ ” إن إبراهيم كان أمة “( إبراهيم :120 ) ] ؛ أو ما فُهم منها “أمّة الإسلام” التي لا تقوم طبعاً على غير لغة القرآن [ ” ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة ” ( البقرة : 128 ) ] ؛ مع أنّ صريح “الأمّة المسلمة”، هنا و في غير مكان، إنّما هو الإسلام لله و التّسليم له كما هو واضح من بيان “الآية”.
3▪︎ و إذ تبقى “الّلغة” كأهمّ ثابت من ثوابت “الأّمة” أو “القوميّة”، فإنّه ينضاف إليها أيضاً التّاريخ الثّابت ، و غير المنقطع، و المستمرّ ..و “الثّقافة المشتركة”، و “الآمال” الجامعة؛ و نحن في هذا لا نأتي بجديد.
و نحن هنا نتجاوز ما يجري الحديث عليه من أنّ الفكرة القوميّة العربيّة هي فكرة أو نزعة عرقيّة و شوفينيّة أو متعصّبة ، إلى ما هنالك من نعوت و أوصاف بالمحدوديّة المزعومة ؛ و تاريخ العرب قبل الإسلام و بعد الإسلام يُثبت حقيقة ما كان للعرب في “الجاهليّة” من تواشج و تقارب و تزاوج مع غير العرب ، و بما كان للحضارة العربيّة مع الإسلام من انفتاحيّة و حرّيّة كاملة مع غير “العرب” بدليل ما قد جرى من انتساب كثيرين ممّن هم غير عرب إلى الثّقافة العربيّة عبر محمول “الإسلام”.
الإسلام محمول و ليسَ حاملاً في كلّ حال ، و ما لم يكنْ يوجد قوم أصلاً بصفات محدّدة فإنّه لا يهبط عليهم دين ! . الدّين لا يهبط على أفراد و لا على “أقلّيّات” و إنّما على “شعوب و قبائل” تجمعهم فرصة أصليّة ليكونوا على بيان ، و ليسَ أكثر جامعاً للعقل و الوعي و الفهم من “الّلغة” على التّحديد ، و البيئة الثّقافيّة التي تحملها “اللغة” ، مع جميع القابليّات الأخرى التي تُخلّفها ثقافة اللغة الواحدة و الوعي المشترك وما يكون عليه انعكاس اللغة في النّفس من صفات مشتركات.
4▪︎ و اللغة ليسَ في أن تتعلّم لغة جديدة و أنت نشأتَ و أقمتَ على لغة بمحيطها النّفسيّ و العصبيّ و استجابات أبنائها بناء على “الفهم” بها ، و ارتسام ذلك في الذّاكرة العصبيّة للخلايا و البيولوجيا و الفيزيولوجيا.. أصلاً ؛ إذ لا يُقاس تعلّم لغة جديدة بانتماء قوميّ ؛ إذ أنّ كلّ تعلّم جديد ، و لو على مستوى كائن مخلوق لتوّه في إطار ثقافة و لغة و بيئة جديدة أخرى ، لا يصنع شعوراً بالهويّة و القوميّة و الأمّة ما لم تتوجّه “الإرادة” فيه بكلّيّتها إلى هذا الانتماء.
و الانتماء هنا هو انتماء ذاتيّ و موضوعيّ في آن . انتماء اختيار و انتماء ظروف و مقدار. و الانتماء الجغرافيّ الطّبيعيّ و الغالب على الهوى و الصّفات هو أمر مُعتبر في هذا المقام.
لم نقرأ ، كما أنّه لم يقرأ أحد غيرنا ، جزماً ، عن مفكّر قوميّ عربيّ في كلّ زمان و مكان ، أنّه قد دعا دعوة قوميّة متعصّبة أو فيها نزعة استعلاء. و دعاة القوميّة العربيّة معروفون و نتاجاتهم قيد المتناول و الثّقافة و الاهتمام.
5▪︎ الإسلام عينه ما كان له أن ينتشر لولا البنية العربيّة السّيكولوجيّة الواقعيّة الذي جاء الإسلام مؤيّداً لها و مقرّاً لها في الكثير من تفاصيل “الدّعوة” التي لا يقف عندها و لا عليها كثيرون.
والقيم و الأخلاق العربيّة التي خاطبها “القرآن” لم تكن فراغاً أو اختراعاً ، و كذلك بقيّة النّزعات المتعلّقة بالعواطف و الجنسانيّة و الجنسويّة و الغيرة و الكرم و الشّجاعة و العدالة.. و غيرها كثير من الصّفات التي جاء إليها الإسلام بما جاء من وحي الانطباق و التّوافق بين الأصل و الأصل.. كقوميّة و دين!
وطبيعيّ هنا أنّ هذا هو القاعدة العامّة التي تحتاج في رسوخها إلى استثناءات..
6▪︎ في إطار “الحداثة” العالميّة ، طرأ تطوّرات و تحسينات بلغة العصر على كثير من المفاهيم التي سادت أو انتشرت قبل هذا الزّمن . و الأخذ بالقيم الحداثيّة للقوميّة من اتّصالها بالسّياسات و الدّولة – الأمّة التي تحدّدت مع الحداثة ، إنّما هو أخذ بلغة الجديد الذي خضع له العالم في إطار أفكار الأقوياء.
لذلك كان طبيعيّاً أن يتأثّر مفهوم القوميّة العربيّة بعد ما سُمّي بعصر القوميّات بالمضامين التي طرحتها “الحداثة”. هذا ليس إنشاء للقوميّة العربيّة أو للأمّة العربيّة و إنّما هو تكريس لها باعتبارها وجوداً سابقاً و أصليّاً و أقدم من ذلك بكثير ، و لو أنّ المضمون الحداثيّ للقوميّة قد ثبّت فيها مفهوم “الدّولة” القوميّة الواحدة على غرار دول العالم القوميّة التي ظهرت على التّحديد ، كفكرة ، بعد الانهيار الأوّل الكبير للإمبراطوريّة الرّومانيّة التي قامت على إخضاع الشّعوب و الأمم و القوميّات و الّلغات المختلفة إلى اللغة اللاتينيّة التي ادّعت قوّتها الدّينيّة بالدّيانة المسيحيّة المتبنّاة تبنّياً ، الأمر الذي مهّد لظهور الدّول الإقطاعيّة في ( أوربّا ) ؛ و هذا كما هو الحال مع ما قامت عليه الإمبراطوريّة العثمانيّة من امتطائها للدّين الإسلاميّ و ادّعائها التّديّن الخادع كما هو واضح في التّاريخ ، و من ثمّ سقوطها ؛ مع فارق أنّ هذا العصر قد واكب قوّة الدّول الاستعماريّة الكبرى في أوجها ، و هو ما جعل النّتائج مختلفة مع الدّول العربيّة ، المستقلّة عن الإمبراطوريّة العثمانيّة استقلالاً نسبيّاً و شكليّاً ، تدخل في عصر مظلم جديد مع الاستعمار الأوربيّ ؛ أقول ، و بعد سقوطها كما يتّضح اليوم من نفاقات توسّعيّة تركيّة تحت ذريعة “الإسلام” الذي يُخدع بخطابه الكثيرون.
7▪︎ إنّ حضاريّة مفهوم القوميّة العربيّة حول ذاته هو أمرٌ ثابت أو غنيّ عن الإثبات ، مع أنّ ما ابتليت به الأمّة العربيّة و مفهومها حول نفسها في القوميّة العربيّة الثّابتة ، هو أمرٌ كان كافياً في أيّة أمّة من الأمم إلى أن يأخذها إلى غياهب التّعصّب.
و على العكس، و بفعل ما هو مفهوم القوميّة العربيّة مفهوم مرنٌ و حرّ ، فإنّنا نعاصر اليوم أصواتاً تدعو إلى التّخلّي عنها و مقايضة أفكاراً غريبة على هويّات جامعة ، بها ، بديلة عنها بوعي و دراية و أغراض مشكوك في غاياتها ، أو بغير وعي نتيجة الاضطهاد الذي عانت منه هذه القوميّة منذ أكثر من ألف سنة ، إلّا أنّ الثّابت أنّه لم يجر أيّ انحراف لها في أتون الانغلاق و التّعصّب ، و هو أمرٌ حضاريّ في الجذور و التّطوّر و السّيرة يُحسب لها و لا يُحسب عليها ، على رغم مرامي المشكّكين ممّن كفروا بها أو نظروا إليها نظرة فيها انتقاص أو استحالة بدواعٍ و خلفيّات.. أو بأخرى حسب الحال.
و على العكس فإنّ قوميّة كالقوميّة العربيّة و أمّة كما هي عليه أمّتنا العربيّة ، قابلة للانفتاح الحضاريّ و ديموقراطيّة الاختلاف على نحو أكبر في ظروف إنسانيّة و مدنيّة و بعيداً عن تحدّي الوجود ، بحيث أنّها تستطيع استيعاب جميع “البشر”.. خارج السّياسات و الأيديولوجيّات و النّزعات.. و بالدّرجة نفسها التي كانت عليها مع الشّعوب و الأعراق الأخرى على مرّ التّاريخ.
8▪︎ إنّ مفهوم مرونة القوميّة العربيّة هو ما يجعل منها جامعة و غير مانعة لجميع الشّعوب الأخرى التي وقعت لسبب أو لآخر – و من دون ذكر أسباب مفرّقة هنا.. إلخ – في محيطها الجغرافيّ الثّابت منذ ما قبل الإسلام ، كما يدلّ تاريخ العالم على ذلك ، الأمر الذي كان مدار تثبّتٍ و إثباتٍ في أكثر من حديث لنا في التّواصل مع الأصدقاء و الآخرين ، و هذا بالإضافة إلى تلك الشّعوب التي استضافتها القوميّة العربيّة من دون تمييز أو عنتٍ أو تمنين.
و ينطبق هذا الأمر بخاصّة على أولئك الذين انضووا مختارين في ظلّ الثّقافة العربيّة الإسلاميّة بعد الدّعوة الإسلاميّة التي حملها العرب إلى كلّ شعوب الأرض بلا تمييز.
هذه دعوة في صلب الإسلام و في جوهر الدّيانة و رحمة القرآن الكريم . و لكنْ لم يكن لتلك الدّعوة أن تسري في النّاس لولا لغة العرب نفسها و ثقافة العرب.. التي صارت لغة للإيمان ، على التّحديد ، في شعوب الأرض ، و في كلّ من نهل من منهل الحضارة العربيّة الإسلاميّة في حوض العرب و حوض الإسلام ، سواءٌ في دولة المدينة ، أو في دولة الأمويين أو في دولة العبّاسيين.
9▪︎ و أمّا “قدم هذه العروبة” و واقعيّتها الثّقافيّة المقاوِمة لجميع أشكال التّنكيل و التّمزيق و محاولات الإلغاء الشّهيرة ( ” التّتريك ” أحد الأشكال ، و حسب ! ) في التّاريخ فهو رهنٌ مباشَرٌ بعراقتها الحضاريّة التي مكّنتْها من الاستمرار و الدّيمومة في القناعة الواسعة و الإقناع الثّابت و العريض ، و هو شرط اتّصالها بالحاضر في إهاب طموح إلى كيانٍ سياسيّ جامع في “أمّة” تعي ذاتها السّياسيّ في “دولة” معاصرة ، شأنها في ذلك شأن جميع أمم الأرض التي لها قدم قوميّتنا العربيّة ، أو بعضها الذي لم يمضِ على تشكّله في دولة – أمّة بضع عقود.. أو بضع مئات من السّنين!
10▪︎ و إنّه منطق يحتاج إلى إعادة النظر به ، أن نقول : ” طالما المسألة أساسها اللغة فهذا يعني أن كل جماعة تتشارك في الفضاء الجغرافي لهذه الهوية العربية اللغوية أن تتميز عنها بنفس المعيار ، عندما تتميز عنها باللغة “.
فمن غير المنطقيّ و لا العقليّ أن نقيسَ القلّة بالكثرةِ في معرض حرّيّات الانفصال و المساومة على المستقبل الثّقافيّ الجامع للجميع . و إذا كانت القوميّة العربيّة هي نفسها لا تطرح مسألة ” التّمايز ” السّلبيّ في ” الاستقلال ” و ” الانفصال ” عن محيط الجماعة البشريّة الثّقافيّة التي تتشكّل منها ” الأمّة ” العربيّة ، اليوم ( كما هو الأمر في إطار ما يُعرف بالمقاومة ) فمن أين يزعم آخرون حقّهم بالانفصال و التّمايز “السّياسيّ” عن القوميّة العربيّة ؟
خلا أنّ تمايز “الآخر” الثّقافيّ هو من حقّه و ليسَ هناك من يُنازعه عليه من قوميّة العروبة و العرب ، بشرط ألّا يؤسّس هذا التّمايز لإضعاف الجسد و الرّوح و الجغرافيا و الاقتصاد ، ممّا يُشكّل تفتيتاً للقوّة و تعريض الثّقافة الخاصّة في إطار القوميّة نفسها للزّوال.
و يجري اليوم شيءٌ كهذا في الحركات الانفصاليّة العرقيّة بخلفيّات دينيّة متعصّبة.. و التّشجيع ” الثّقافيّ – السّياسيّ ، و المسلّح ” عليها ، في ما نفهم و نقدّر جميعاً خلفّياته ” السّياسيّة ” التي تشكّل اعتداءً على وجودنا كقوميّة عربيّة و ثقافة عربيّة إسلاميّة ، و كذلك اعتداءً على أمّة معاصرة تحتوي على الجميع و تتألّف من الجميع.
11▪︎ عندما طرح البعض مفهوم “الدّولة القوميّة الانتقاليّة” في مفهوم سياسيّ عمليّ بالنّسبة إلى طريقة تفكيره الواقعيّة ، مثل ( أنطون سعادة ) ، فإنّه كان يعني بالمرحليّة تحقيق وجود “الدّولة – الأمّة”، و هو أمر واقعيّ فعلاً، و لكنّه يختلف كثيراً عن ما ذهب إليه “الاقتباس السّياسيّ” عنه، أحياناً، من أنّه حمل فهماً جديداً للقوميّة العربيّة. حتّى ( أنطون سعادة ) – و هو مفكّر كبير.. – قال بأنّ مفهوم “القوميّة السّوريّة” كمفهوم “أمّة” في “دولة”، ما هو غير مقدّمة أوّليّة لدولة الأمّة للقوميّة العربيّة نفسها.
و هذا ما أدى بالزعيم ( سعادة ) إلى أن لاقى مصرعه السّياسيّ لهذا “النّضوج” الواقعيّ على التّحديد.. !
12▪︎ و المقارنة بين “القوميّة العربيّة” – كحضارة و ثقافة – مع “الحضارات” الأخرى ، لا يَعدِلُهُ سوى تفوّق القوميّة العربيّة على باقي كثير من “القوميّات” في التّاريخ. إنّ هذا الواقع من التّفوّق هو أمر له أسبابه و لا بدّ ، و إن كان هذا لا يعني مقارنة تنطلق من نزعة عنصريّة تفوّقيّة غير مدروسة و لا واقعيّة أبداً ، و إنّما من منطلق تاريخيّ بحت.
إنّ حضارة “اليونان” العظيمة طحنتها النّزعة العسكريّة التّوسّعيّة “الرّومانيّة” التي نشأت على طرازها نزعة عسكريّة بين اليونانيين أنفسهم في الحروب البليوبونيزيّة بين ( أثينا ) و ( إسبارطة ). و إذ تفوّقت النّزعة الجاهلة، بما هي نزعة القوّة و العنف “الإسبارطيّ”، على الفلسفة “الأثينيّة” و أصولها المشرقيّة الآسيويّة و “الميسينيّة” ، فقد حاولت ( روما ) – كما أسلفنا – ركوب موجة التّوسّع العسكريّ على ظهر الدّيانة المسيحيّة ، و فشلت في ما بعد في احتكار التّاريخ نظراً لأخذها بمبدأ التّفوّق بالعنف و الظّلم ، و هو ما تحلّل مع وعي الشّعوب القوميّة منذ القرن الخامس الميلاديّ ، حيث سقطت روما و تفتّتتْ لفساد مؤسّساتها المختلفة.
و لقد اختلف الأمر مع الحضارة القوميّة العربيّة التي نزل فيها “الإسلام” على أرض خصبة و قابلة للدّيمومة و الاستمرار ، مع أنّها لم تخلُ من بعض المظاهر الفاسدة و العنيفة و لكنْ التي لم تشكّل مبدأً و جوهراً للحركة الحضاريّة العربيّة الإسلاميّة التي تفوّقت على غيرها من مظاهر العنف و الظّلم و العدوان ، و إلّا لوقعنا في حديث “العامّة” الهابط الذين يئسوا من مستقبل العرب و الإسلام.
13▪︎ يكاد يكون ( محمّد علي باشا ) و مشروعه “الحضاريّ” العظيم، هو الحداثة الوحيدة في تاريخ الحضارة و الثّقافة العربيّة الإسلاميّة الحديثة ، بل و مثالها الأبلغ من حيث أنّ ( محمد علي باشا ) نفسه لم يكن عربيّاً. و لم ينجح مشروعه العظيم في “التّحديث” المشرقيّ ، بسبب أنّ “العثمانيين” أنفسهم قد استعانوا بالغرب الاستعماريّ الوحشيّ لقمع مشروعه عندما قدّروا خطورته على الإمبراطوريّة العثمانيّة و على مصالح الدّول الغربيّة في هذه المنطقة من العالم ، و على مستقبل اليهود الذي كان يُرسم هنا بمساعدة “العثمانيين” أنفسهم و سلطانهم ( محمود الثاني ) و بعده ( عبد الحميد ).
حارب ( محمد علي باشا ) ضدّ المماليك و البريطانيين في مصر ، و ضدّ “الوهابيين” في “جزيرة العرب”، فاجتمع عليه الأتراك العثمانيّون و الفرنسيون و البريطانيون ، بعد أن عقدت الإمبراطوريّة العثمانيّة الهزيلة تحالفا مع روسيا ، ما سرّع في تدخّل بريطانيا و فرنسا إلى جانب الأتراك العثمانيين لوقف جيش ( إبراهيم باشا ) في بلاد الشّام – إبن محمد علي باشا – ما وضع ( محمد علي باشا ) في وضع ضعيف في مواجهة العالم كلّه في ذلك الزّمان، و وقّع معهم – جميعاً – اتّفاقيّة ( كوتاهية ) التي حجّمت ( الباشا ) في مصر..
14▪︎ لم يحارب (محمد علي باشا) تحت إمرة السّلطان العثمانيّ في “بلاد الشّام” و استقلالها كدولة يحكمها (الباشا) إضافة إلى مصر و السّودان. غير أنّ الغريب هو اتّهام ( محمد علي باشا ) بأنّه “تعاون” مع ( فرنسا ) و ( إيطاليا ) أو غيرهما ، إذ أنّ مشروعه الحضاريّ الحداثيّ العظيم شكّل قلقاً لعالم الاستعمار الغربيّ القديم نفسه إضافة إلى الاستعمار العثمانيّ.
إنّ القول بأنّ الأهمّ اليوم من التّأكيد على “الهويّة” أن نتساءل عن “أسباب عدم تحقيق القوميّة العربيّة الحديثة ، النّاصريّة منها و البعثيّة و حركة القوميّون العرب” .. ، إلخ ؛ إنّما هو قولٌ مرهون بجدّيّته للجواب عليه ، مع الأخذ بالاعتبار عدم جدّيّة القائلين بذلك في مقدّماتهم في العرض و البسط و الأحكام و القضايا و القناعات.
و أمّا أن يكون هذا “التّساؤل” من باب إثبات عدم جدوى “القوميّة العربيّة” ، فهو يشبه القول بعدم وجود الله لأنّه لم يُحقّق ، بعدُ، مملكته على الأرض.. !
و عدا ذلك فإنّ عدم تحقيق مشروع القوميّة العربيّة الحضاريّة العادلة في دولة أو في الممارسة الواقعيّة في مشاريعها السّياسيّة الفاشلة ، فذلك يرجع إلى غياب الواقعة النموذج في هذا المحيط القطْريّ العربيّ اليوم ، و هي تحقيق ” الدّولة الوطنيّة ” الراسخة أوّلاً في أيّ من أجزاء الدّول العربيّة المترامية الأطراف. و هذا حديث بسيط و معقّد و طويل ، و ليس مكانه هنا أبداً في هذا الاستعراض للمفهوم.
15▪︎ و التّيار القوميّ العربيّ الحيّ ينقصه و ما زال ، تبنّيه الفعليّ و الحقيقيّ والعميق من قبل دولة واحدة بإطارها العامّ هو الحلقة المفقودة. و إذا بدا هذا الكلام سهلاً و بسيطاً على القارئ و على المستمع ، فنحن والجميع نعلم أنّ وجود “إسرائيل” هو المشكلة ، بمعنى أنّ معظم العالم متّفق اليوم من أجل إعدام الأمّة العربيّة و القوميّة العربيّة و الظّاهرة الإسلاميّة الدّيموقراطيّة ، و هذا شيء كثير بالنّسبة إلينا نحن العرب ، و نحن أصحاب الحضارة العربيّة الإسلاميّة و الثّقافة العربيّة الإسلاميّة ، ذلك أنّنا لا نستطيع مواجهة العالم إلّا من خلال دولة قطريّة وطنيّة تحمل المشروع العربيّ فعلاً حتّى النّهاية من دون منغّصات ؛ و حتّى حينه فإنّ المطلوب مواصلة الإيمان و ليسَ الكفر بالقوميّة العربيّة ولا العدول إلى مشاريع وهميّة ، كالمشاريع الإسلامويّة السّياسّية المعاصرة و المعروفة للجميع ، و هي أقلّ حظّاً بكثير من مشروع القوميّة العربيّة و ثقافتها .
16▪︎ و لننتبه أخيراً إلى أنّ قوميّات معاصرة و ثقافات محدّدة و متميّزة و رائدة في العالم قد قامت من لاشيء!
مثالنا هنا هو “القوميّة الأميركيّة” التي بناها عنصر واحدٌ قد يبدو غريباً على المتشائمين ، و هو عنصر “الإرادة المشتركة” وحسب.
إنّ ” قوميّة الإرادة ” هي ” إرادة القوميّة “.. و في هذا جوابٌ على تساؤلات الجميع.
كما أنّ سيولة ” الإرادة ” هي وراء الكثير من الظّواهر التّاريخيّة المستمرّة في العالم حتّى اليوم.



