ثورة يوليو .. كلمات على هامش هذه الثورة المباركة

بقلم: د. موسى الحمداني/ لندن

 

 

من يدرس أحداث التاريخ ويتمعن بها فربما يظهر له وكأن هذا الشهر، شهر يوليو، خُلق ليكون شهراً خاصاً بجمال عبد الناصر. فقد تصادف أن ازدحمت فيه الأحداث المثيرة والمعارك المجيدة والإنجازات الكبيرة، من تفجير ثورة يوليو إلي عزل الملك إلى تأميم القناة وثم بناء و تدشين قواعد المجد الحضاري من مصانع وسفن وإطلاق الصواريخ وغير ذلك من إنجازات عملاقة كان غالباً ما يتم تدشينها في يوليو والتي شاءت الأقدار أن يكون بطلها جميعاً جمال عبدالناصر.

كنا في صبانا نترقب هذا الشهر بفارغ الصبر، ففوق كونه من أشهر إجازة الصيف إلا أننا كنا نحس أن الحياة فيه تكتسب نكهة تميزه عن سائر أشهر السنة. كانت البرامج المشوقة من إذاعات القاهرة، والتي كنا نستمع اليها أكثر من غيرها، تزداد تشويقاً و إثارة، تماماً كما تتحسن البرامج اليوم في رمضان. كانت تصدح بالأناشيد والأغاني الوطنية التي تتغنى بالعرب وأخوّة العرب وتطلعات العرب ليكونوا أمة واحدة حرة قوية وبناءة كما ينبغي لها أن تكون. ويتزايد التشويق فوق التشويق إلى أن تأتي ليلة الثالث والعشرين لتخلو الشوارع من المارة الذين يتحلّقون حول الراديو ليسمعوا ما سيقوله جمال عبدالناصر، ذلك القائد الفذ الذي كان يفهمهم كما يفهمونه و يتكلم معهم بلغتهم البسيطة ويعبر عما في قلوبهم.

الحقيقة أن ثورة يوليو لم تكن كغيرها من الثورات، ولا إنقلاباً كغيرها من الانقلابات. بل انها لم تكن شيئاً واضحاً حتى للمراقبين لها في مصر وخارجها، تماماً كالنبتة الصغيرة التي تنبثق من الأرض، لا تكاد تراها العين ولا يتحقق من كنهها الناظرون، ثم تنمو وتتشكل شيئاً فشيئاً حتى تصبح شجرة مكتملة النمو تعطي أُكلها وتصبح زينة للناظرين. ما بدأ كحركة تطهير داخلية في الجيش تطور شيئاً فشيئاً فإذا به ثورة عارمة ضد الظلم الاجتماعي والاستعمار والاحتلال والفساد السياسي والحزبي ويخلق ثورة صناعية لفتت أنظار العالم وغيرت خارطة مصر للأبد بسدها العالي وبحيرة ناصر التي تُرى من الفضاء. ما وصفته الصحف أولاً ”بحركة الجيش“ أصبحت توصفه ”بحركة مباركة“ إلى أن ظهر مقال لعميد الأدب العربي د. طه حسين في ديسمبر في نفس العام قال فيه إن الذي يحصل في مصر ما هو إلا ثورة شاملة طالت كل مجالات الحياة وأنحى باللائمة على قادتها وعلى الصحافة مطالباً الجميع بإنصاف تلك التغييرات العظيمة التي تحدث في البلاد منذ يوليو ووصفها على حقيقتها و بما يليق بها: ثورة.

وكذلك كانت ثورة يوليو ثورة فريدة ومتميزة في طبيعتها والتخطيط لها وتحقيقها وإنجازاتها. فالانقلابات العسكرية يقوم بها عادة كبار قادة الجيوش لأنهم فقط الذين يمتلكون صلاحيات تحريك أعداد كبيرة من الجنود. لكن الذي وقع ليلة الثالث والعشرين من يوليو كان أقرب إلى ثورة من الجيش على الجيش، أو بشكل أدق، على كبار قادته. كتائب من صغار الضباط والجنود يقودهم ضابط شاب ينهضون و يثورون ضد الفساد والتبعية للمحتل الأجنبي. وسرعان ما تطورت ثورتهم لتصبح ثورة شعبية شارك فيها الفلاحون والعمال والموظفون وعامة الشعب الذين كانوا يعيشون على هامش الحياة.

وهي كذلك كانت سابقة تاريخية، فلم يحدث قبل ذلك أن تمكن ضابط صغير من السيطرة على مقاليد الحكم في بلد بحجم مصر وجيش بحجم جيشها. كان جمال عبد الناصر بطبعه رافضاً للذل والمهانة منذ صباه، وكان رافضاً لظاهرة الفساد التي عمت البلاد، كما كان رافضاً أكثر لوجود المحتل الأجنبي على أرض بلاده. كان مهموماً ومشغولاً بشئون وطنه منذ مطلع شبابه وكان مصمماً على أن يصنع كل ما يستطيع لتحسين أوضاع وطنه وأمته. وبعد تخرجه من الكلية الحربية أدرك أكثر أن بلاده بحاجة ماسة إلى تغيير جذري في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية البالية. ولكن أنى له، وهو ضابط مبتدىء، أن يفعل شيئاً؟ وهكذا خطرت لذلك الضابط الشاب ”فكرة ثورية“ لم تخطر لضابط من قبله، و هي أن يستعيض عن حاجته للرتبة العسكرية العالية بمجموعة من الضباط الوطنيين الشباب، وأن يسمح لمجموعته المنتقاة وقتاً كافياً لإنجاز التغيير، وبذلك ستتجمع لديه صلاحيات وإمكانيات تغني عن وجود ضابط كبير. وهكذا نشأ تنظيم الضباط الأحرار. يقال أن عبدالناصر بدأ التنظيم سنة ١٩٤٨ وتوقع أنه سيكون قادراً على إنجاز التغيير المطلوب حوالي سنة ١٩٥٥.

وغني عن القول أن الدعوة إلى الانخراط في مثل ذلك التنظيم بين ضباط شباب كانت محفوفة بالمخاطر الجسيمة والتي لا يستطيع مواجهتها ولا التعامل معها إلا ضابط له عقلية استراتيجية وشخصية قيادية وكارزيمية مثل جمال عبدالناصر. كانت أهمية الابقاء على السرية التامة للتنظيم واضحة فجعلها أولوية كبرى، فهو شخصياً لم يحتفظ بأي شيء مكتوب عن التنظيم، ولا سمح لزملائه أن يفعلوا. وقام بتوزيع أفرادا لتنظيم على مجموعات صغيرة، أو خلايا، فلم يكن الفرد منهم يعرف آلا عدداً محدوداً وهم أفراد مجموعته فقط، والوحيد الذي كان يعرف كل أعضاء التنظيم كان هو جمال عبدالناصر شخصياً. وبذلك لو انكشف أمر مجموعة ما فلن ينكشف أمر باقي المجموعات، لأنهم ببساطة لا يعرفون إلا أفراد مجموعتهم. وهكذا أستطاع الضابط الشاب أن يضم اليه عدداً لا بأس به من الضباط الوطنيين كان منهم أصحاب الميول الإخوانية و الشيوعية و القومية و غير ذلك من الاتجاهات السياسية. ولعمري أن تجميع مثل ذلك الحشد من الشباب المتباينين فكرياً يعتبر بحد ذاته إنجاز جبار، فلا أتخيل أن أحداً في زماننا هذا يستطيع أن يجمع بين البعثي والسلفي والشيعي .. دون أن يقتل بعضهم بعضاً.

وهكذا، وبعد سنين من الدعوة السرية والتحضير والعمل المضني، انطلقت الثورة فجر الثالث والعشرين من يوليو، لكن ورغم كل تلك السريّة والتخطيط والعمل الشاق كان الملك أسرع منهم، فقد تم إكتشاف أمر الثورة قبل انطلاقها بساعات. جاء إلى عبد الناصر من يخبره بأمر إكتشاف الثورة وأن الجيش وضع في حالة أستعداد قصوى وأنه لا بد من إلغاء كل شيء لأن فرصة النجاح أصبحت صفراً. كان عبدالناصر، كعهده دائماً، ثابتاً كالصخر فلم يرتجف أو يهتز وكان سريعاً في قراره وثاقباً في رؤيته، قال ”أن العجلة بدأت في الدوران ولا يمكن إيقافها“، وفعلاً استطاع أن يجعل حالة الطوارئ التي اتخذها الجيش تعمل لصالحه.

انطلق ومعه عبدالحكيم عامر الى معسكرات الجيش في العباسية فإذا بحالة الطوارىء قد سبقتهم وتعسر وصولهم إلى غايتهم. ثم اعترضتهم إحدى الكتائب و استوقفتهم واحتجز جندها جمال عبدالناصر وقالوا له هكذا هي أوامرنا أن نعتقل أي ضابط برتبة بكباشي أو أعلى، فعرف عبدالناصر أن تلك القوات تابعة للثورة لأنها كانت في الواقع تنفذ تعليماته. كان قائد الكتيبة هو البكباشي يوسف صديق منصور، أحد الضباط الأحرار والذي شاءت عناية الله وتقديره أن يخرج مبكراً. وهكذا انطلقوا بجنودهم الى حيث يجتمع قادة الجيش فألقوا القبض عليهم جميعاً وأصبح الجيش تحت سيطرتهم. وهكذا أصبح من السهل تحريك ما لزم من الوحدات العسكرية لتسيطر على كل المرافق الهامه. كانت ثورة بيضاء وكان نجاحها حاسماً وكاملاً، وكما قال قائدها: كانت توفيقاً من الله.

وكان عبدالناصر قد درس نفسية أعضاء تنظيمه دراسة عميقة وساعده على ذلك عمله كمحاضر في كلية أركان الحرب. ولهذا تعمد أن لا يوكل أية مهمات لبعض منهم، رغم ثقته بوطنيتهم، وذلك لمعرفته بطبائع النفس البشرية التي تنهار أحياناً أمام الصعاب. ومع ذلك فقد ذكر السادات في خطاب له ( عندما كان لا يزال يتظاهر بوفائه لجمال عبدالناصر) أن بعض الضباط الاحرار خانتهم شجاعتهم عند اقتراب ساعة الصفر وتملصوا من تنفيذ المهمات الموكلة اليهم، ولكن لا أحد يعرف عنهم شيئاً فقد رفض عبد الناصر، طيلة حياته، بما عرف عنه من شهامة ونبل خلق، أن يبوح بأسمائهم، وهكذا اختفى سرهم بوفاته.

عندما عاد البكباشي جمال عبدالناصر إلى بيته مساء يوم ٢٣ يوليو، بعد أن استتبت الأمور وتأكد نجاح الثورة، لم يكن أحد من أفراد اسرته ولا جيرانه يدرك أبعاد ما حدث، فكل ما كان معروفاً أن الجيش قام بحركة تطهير سلمية وأن هذا الضابط الشاب (الذي ظهرت صورته فيما بعد مع محمد نجيب) كان له دور فيها. حتى والده، الذي جاء من الإسكندرية بعد نحو اسبوع ليطمئن عليه، لم يكن يعرف أن أبنه الشاب كان في الواقع يقبض على مقاليد الحكم في البلاد. قال الحاج عبدالناصر حسين لأبنه: ”عندما سمعت البيان في الراديو قلت في نفسي لا بد ان جمال له دور، أصلي أنا عارفك“.

في بداية الأمر لم يلاحظ عامة الناس تغييرات كبيرة و جوهرية في البلاد، فقد بقي الملك ملكاً وبقيت مصر ملكية، حتى بعد تنازله، وكان يترأس حكومتها واحد من رؤساء الوزرات ورجالات الملك السابقين. وكذلك لم يلاحظ أفراد اسرة البكباشي تغييرات جوهرية في معيشتهم، فلم يظهر أي تحسن في مرتبه ولا في رتبته العسكرية و استمر يعيش في شقته المتواضعه في حي العباسية المتواضع. لكنهم لاحظوا أنه أصبح في بيتهم تلفون، كما لاحظوا أنه أصبح أكثر حرصاً على أمنهم و سلامتهم الى درجة أنه طلب من زوجته أن لا تخرج هي والاولاد من البيت إلا برفقة سائق سيارة عسكري يرسله مخصوصاً لها. جاءه يوماً نفر من جيرانه يتذمرون إليه بعد أن لاحظوا وجود حراسة على باب العمارة وأن السكان كثيراً ما يتعرضون للتفتيش. اعتذر لهم الضابط الشاب وقال إنها إجراءات أمنيه فرضتها الحكومة بسبب الأوضاع الطارئة ووعدهم أن ذلك الأمر لن يطول. وفعلاً وبعد أشهر قليلة تم نقل عبدالناصر ليسكن في منزل قريب في منشية البكري تمتلكه الأشغال العسكرية.

وكذلك كان من خصوصيات ثورة يوليو، أن قائدها قام بتسليم قيادتها لشخص غريب عنها و لم يشارك بها ولم يكن أصلاً من الضباط الأحرار، وهو محمد نجيب. كانت وجهة نظر جمال عبد الناصر أن الشعب سيحس باطمئنان أكثر إذا كان قائدهم رجلاً كهلاً ومعروفاً، ثم أنه كان هو وزملاؤه يثقون في نجيب. وهكذا وجد محمد نجيب نفسه يكسب مجداً لم يستحقه ويحصد ما زرعه الآخرون، وكان يهمس بذلك لأعوانه عندما كان يتعرض لأسئلة محرجة من الصحافة مثل ”متى أنشأت تنظيم الضباط الأحرار؟“ فيلجأ إلى المراوغة والتملص. كان عبدالناصر مقتنع بصواب فكرة تسليم محمد نجيب الرئاسة رغم أن زملاؤه كانوا يحثونه على إنهاء ذلك الوضع الشاذ. كان يقول لهم أنه لا يمانع أن يعمل خلف الستار طالما أن الثورة تسير في الاتجاه الصحيح. لكن سريعاً ما تشكلت عقدة عند القائد الزائف لكونه غريباً عن الثورة التي تسلم قيادتها وغريباً عن الذين صنعوها. كان جمال عبد الناصر مفعماً بالحيوية والحماس ومتفانياً بالعمل الدؤوب لإنجاز الأهداف التي قام من أجلها، و لم يكن لنجيب طاقة على مجارات أي من ذلك. كان وجود عبدالناصر بجانبه ناقوساً يذكره بضعفه وغربته عن الثورة، حتى أنه طلب من أعضاء مجلس القيادة العودة إلى ثكناتهم وتسليم إدارة البلاد لنفس الأحزاب القديمة الفاسدة. كان معنى ذلك أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه وكأن كل ما أنجزه عبدالناصر وزملاؤه هو فقط عزل الملك وتنصيب محمد نجيب رئيساً، أي مجرد انقلاب. نعم، كان نجيب يريدها إنقلاباً بينما أرادها عبدالناصر ثورة شاملة. ومن أجل ذلك كان لا بد للقائد الحقيقي أن يجلس في مكانه الطبيعي. مقعد القيادة.

وقد نضيف إلى خصوصيات الثورة أن قرارات مجلس القيادة كانت تتخذ بشكل ديمقراطي، وكان ذلك مبدأ إتفق جميع الأعضاء عليه و احترموه. في إحدى الاجتماعات نوقش أمر كيفية التعامل مع أعوان الملك والذين كانوا متورطين في الفساد القديم ومعادين للثورة ويشكلون خطراً عليها وعلى إنجازاتها. حضر ذلك الاجتماع ثمانية أعضاء كل منهم تحدث عن وجهة نظره وكان هناك شبه إجماع على ضرورة التعامل مع أعداء الثورة بحزم بما في ذلك تطبيق عقوبة الإعدام. تحدث عبدالناصر بإسهاب ضد ذلك الرأي وقال إن الدم يؤدي إلى المزيد من الدم، وعند التصويت كانت النتيجة سبعة مقابل واحد. فإذا بعبد الناصر يقف ويلملم أوراقه في حقيبته ثم يعلن لهم أنه قرر أن يستقيل فوراً لعدم مقدرته على تحمل تبعات ذلك القرار الذي اتخذه المجلس، ثم ترك القاعة وخرج. وساد القاعة صمت طويل قبل أن يناقش الحاضرون الأمر فيما بينهم. أدركوا أنهم من غيره كاليتامى فلم يسبق لهم أن فعلوا شيئاً من غير مشورته وقيادته. وهكذا شكلوا وفداً ليذهب إليه في بيته وإقناعه بالعودة.

وهكذا بقيت ثورة يوليو ثورة بيضاء، كما أرادها جمال عبد الناصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى