بعد استقالة الفخفاخ.. هل هناك فرصة تاريخية لإنقاذ تونس؟
بقلم : توفيق المديني

قدم رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ استقالته لرئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد،يوم الإربعاء15تموز/يوليو الجاري، بعد خمسة أشهر من توليه المنصب، حين منح البرلمان التونسي الثقة لحكومته في 27فبراير الماضي، بعد نيلها 129 صوتا إثر تكوين ائتلاف حكومي يضمّ أربع كتل برلمانية هي:: “النهضة” (54 نائبا من 217)، التيار الديمقراطي (22)، حركة الشعب (14)، حركة تحيا تونس (14)، وكتلة الإصلاح الوطني (16)،مع أصوات بعض المستقلين.
وجاءت الاستقالة اثر إعلان حزب النهضة ذي المرجعية الاسلامية أنه قرر سحب الثقة من الفخفاخ على خلفية اتهامات في ملف تضارب مصالح، تلحق بالفخفاخ لعدم تخليه عن حصص يمتلكها في شركة متخصصة في تدوير النفايات تمكنت من الفوز بمناقصات حكومية.و يشار إلى أن الفخفاخ تلاحقه شبهة تضارب مصالح، ومن المنتظر أن تستمع لجنة التحقيق حول شبهات الفساد المتعلقة برئيس حكومة تصريف الأعمال إلياس الفخفاخ، إلى شركتين منافستين للشركات التي يمتلك الفخفاخ جزءا من رأس مالها ظهر الخميس،ما زاد من احتدام الصراع السياسي بين الطرفين وفتح الباب أمام مشهد سياسي جديد في البلاد.
استقالة الفخفاخ والنهضة غير ممثلة في الحكومة
بعد أن قدم رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ، رسميا، استقالته، لرئيس الجمهورية قيس سعيد، يوم الأربعاء 15تموز/يوليو الجاري،تحولت حكومته لتصريف الأعمال. وفي نص الاستقالة،قال رئيس الحكومة التونسية الفخفاخ: إنَّ الاستقالة تأتي اعتبارًا “للمصلحة الوطنية ولتجنيب البلاد مزيدا من الصعوبات.. وحتى نجنب البلاد صراع المؤسسات”،وتابع أنَّه “قدم اليوم إلى السيد رئيس الجمهورية استقالته، حتى يفسح له طريقا جديدة للخروج من الأزمة”..
وتتزامن الأزمة السياسية في البلاد مع تصاعد الاحتقان والتوتر الاجتماعي، خصوصاً في مناطق الجنوب التي تشهد احتجاجات متواصلة تطالب بتأمين وظائف وقد خرجت البلاد للتو من تداعيات جائحة “كوفيد19” على الاقتصاد.وكان البرلمان التونسي منح الثقة لحكومة الفخفاخ نهاية فبراير، وقالت وسائل إعلام تونسية، إن الرئيس التونسي طلب من الفخفاخ تقديم استقالته، على خلفية شبهات الفساد وتضارب المصالح التي تلاحقه، وما ترتب عنها من تصاعد للخلافات بين مكونات المشهد السياسي، واستحالة العمل الحكومي في هذه الظروف.
وبعد تقديم استقالته ،قام الفخفاخ بإعفاء وزراء حركة النهضة في الإئتلاف الحكومي الداعم في وقت سابق لرئيس الحكومة، وإسناد مهامهم بالنيابة إلى أعضاء آخرين في الحكومة،فتمّ إعفاء الوزراء أحمد قعلول ومنصف السليتي ولطفي زيتون ومحمّد أنور معروف وعبد اللطيف المكي وسليم شورى من مهامهم.
وقرَّر الفخفاخ، وفق بلاغ لرئاسة الحكومة صدر مساء الإربعاء الماضي ،تكليف الحبيب الكشو بمهام وزير الصحة بالنيابة، وفاضل كريم بمهام وزير النقل بالنيابة، وغازي الشواشي بخطة وزير التجهيز بالنيابة، وأسماء السحيري بخطة وزيرة الشباب والرياضة بالنيابة، وشكري بن حسن بخطة وزير الشؤون المحلية بالنيابة، ولبنى الجريبي بخطة وزيرة التعليم العالي بالنيابة.
وفي ردٍ رسميٍ على إعفاء وزراءها، أصدرت صباح الخميس 16يوليو/تموز الجاري، حركة النهضة، بيانا عبرت فيه عن “استهجان ما أقدم عليه رئيس الحكومة المستقيل من إعفاء لوزراء الحركة من مهامهم، لما يمثله هذا القرار من عبث بالمؤسسات وردة فعل متشنجة، وما يمكن أن يلحقه من ضرر بمصالح المواطنين والمصالح العليا للبلاد، وتعطيل المرفق العمومي وخاصة في قطاع الصحة”.
ونبهت حركة النهضة من خطورة “إقدام حكومة تصريف الأعمال على إغراق الإدارة بالتعيينات والتسميات، أو إقالات، بنية تصفية الحسابات، داعية رئيس الجمهورية إلى تحمل مسؤوليته كاملة لضمان استقرار المرفق العام، وتحييده عن التوظيف السياسي”.
وفي ما يتعلق باللائحة التي تم إيداعها بمكتب المجلس لسحب الثقة من رئيس الحكومة، بتوقيع 105 نواب، لم تعد لها أي جدوى، لأن رئيس الحكومة استقال رسميا، بالتالي لا يمكن للنهضة سحب الثقة من حكومة تصريف أعمال.
الإجراءات الدستورية بعد استقالة الفخفاخ
بعد تقديم إلياس الفخفاخ استقالته لرئيس الجمهورية التونسية قيس سعيَّدْ، أصبحت حكومته منحصرة في إطار تصريف الأعمال، فإنَّ الإجراءات الدستورية التي سيتخذها الرئيس سعيَّدْ تكون منسجمة وفق مقتضيات الفصل 98 من الد ستور التونسي ، و أهمها :
-1 يتم إعلام رئيس مجلس نواب الشعب بالاستقالة الكتابية بصفة رسمية.
-2 يبدأ رئيس الجمهورية بإجراء مشاورات مع الأحزاب والكتل البرلمانية لمدة 10 أيام لتكليف “الشخصية الأقدر” على تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر واحد. ويشترط، لنيل ثقة البرلمان، الحصول على موافقة الأغلبية المطلقة من الأعضاء، أي 109 أصوات.
-3 في حال عدم نيل الحكومة الجديدة ثقة مجلس نواب الشعب،ينصّ الفصل 77 من الدستور على أنه لا يجوز حل المجلس خلال الأشهر الستة التي تلي نيل أول حكومة للثقة ،وبما أنّ حكومة الفخفاخ نالت الثقة يوم 27 فبراير 2020،وبالتالي تنتهي المدة يوم 25 أغسطس المقبل ، وانطلاقا من 26 أغسطس يمكن حل المجلس من طرف رئيس الجمهورية،والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة، في أجل أدناه 45 يوما، وأقصاه 90 يومًا.
مأزق تركيبة البرلمان الفسيفسائية
من الطبيعي جدَا أن يكون مصير المشهد السياسي التونسي هو التأزم، لأن انتخابات 2019 أفرزت تركيبة فسيفسائية جديدة داخل البرلمان التونسي ، المتشكل من كتل برلمانية تضمّ الأضداد المختلفة أيديولوجياً وفكرياً، إلى جانب تجمّع الخصوم تحت قبة البرلمان في مجموعات صغيرة لا تملك أي منها أغلبية كافية للحكم أو لتزعّم البرلمان، فكتلة “النهضة” الكبرى عددياً، لا يتجاوز عدد نوابها الـ54 نائباً، أي أنها لا تصل إلى ربع تركيبة البرلمان المكوّن من 217 نائباً.وتكمن أحد أسباب أزمة البرلمان التونسي في اصطفاف كتله وانحيازها إلى أطراف ومحاور إقليمية ، بحجة المرجعيات الفكرية والإيديولوجية المحكومة بالارتهان إلى أطراف ودول أجنبية.
وبات واضحًا أنّ البرلمان التونسي محكُومٌ بانقسامٍ خارجِيٍ وآخر داخليٍ، بحسب الموقف من الأزمات الإقليمية والتحالفات والمرجعيات الأيديولوجية، فقد تجمع المواقف الخارجية من الأزمة الليبية و الصراع الإقليمي الدائر في ليبيا ،أحياناً أحزاباً وكتلاً من المعارضة مع كتل الائتلاف الحاكم. مع العلم أن الموقف من الصراع الدائر في ليبيا يقوّض تماسك الائتلاف البرلماني الحكومي، إذ تتقاسم كتل “الإصلاح” و”المستقبل” و”حركة الشعب” (في الحكم) و”قلب تونس” (في المعارضة) الموقف الذي يدعمه “الدستوري الحر” المناهض لحكومة الوفاق الليبية، في وقت يختلف شريكا “الكتلة الديمقراطية” (الشعب والتيار الديمقراطي في الحكم) حول الموقف من دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر، فموقف “التيار الديمقراطي” يميل إلى دعم الشرعية الأممية بشكل يجعله في صف “النهضة” و”ائتلاف الكرامة”.
والحال هذه، فإن المنظومة الحزبية التي أفرزتها انتخابات 2019،بمختلف مكوناتها،أنتجت مأزقًا سياسيًا، وواقعًا سياسيًا هجينًا.وفيما كانت طموحات الشعب التونسي تتمثل في بناء نظام سياسي ديمقراطي، يقوم على الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بوصفه مِعْيَارًا كَوْنِيًا في تصنيف النظم الديمقراطية من غيرها، وهو ما يتطلب من الأحزاب التونسية التي تنطحت لعملية البناء أن تكون حاملة لمشروع فكري وثقافي وطني وديمقراطي، وهوما افتقدته كُلِّيًا الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، أو الأحزاب العلمانية التي تبنت المرجعية البورقيبية، ولهذا السبب عجزت جميعها عن بناء نظام ديمقراطي جديد، وإعادة بناء الدولة الوطنية.
حزب النهضة والسيطرة على مفاصل الدولة
لقدانتهجت الأحزاب التي وصلت إلى قبة البرلمان منذ انتخابات أكتوبر 2011، لا سيما الحزب المهيمن “النهضة” والأحزاب التي تدور في فلكه، استراتيجية “التمكين السياسي”،وذلك من خلال المراهنة على القوانين والتشريعات من أجل السيطرة على مفاصل الدولة ،عبر خيار “المحاصصة الحزبية” في الوزارات و الإداراة و المؤسسات.
ولا يمتلك حزب النهضة الذي يحكم تونس منذ 2012،أي برنامج تنمية أو بناء اقتصاد وطني مُنْتِج، بل أظْهرت قياداته التي كانت متواجدة في كل الحكومات المتعاقبة التي عرفتها تونس منذ سنة 2012 و لغاية اليوم، براعةً فائقة في السرقة ونهب المال العام وثروات البلاد من خلال ممارسة سياسة الإبتزازلرجال الأعمال، والقضاة، والقيادات الأمنية ،المتورطين في عهد النظام السابق ،والسيطرة على كل المساعدات التي حصلت عليها تونس بعد سنة 2011.
وبرعت قيادات حزب النهضة في الدفاع عن مصالح الشركات الأجنبية العابرة للقارات، بدعم من صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، فتضاعفت قيمة الدّيُون الخارجية، وارتفعت نسبة البطالة والفقر،وارتفعت الأسعار بشكل جُنُوني، خاصة بعد انهيار سعر صرف الدّينار التونسي مقابل الدّولار واليورو، وفتحت القيادات الإخوانية الباب أمام الشركات التركية التي تبيع الإنتاج التركي في محلات وشبكات المتاجر التونسية ،على حساب المنتوج التونسي.
وحاول حزب النهضة تمرير الاتفاقية التركية القطرية الاستعمارية داخل البرلمان التونسي،ولعب دورًا خطيرًا في الجنوب التونسي بعدم تنفيذ بُنُود اتفاقية الكامورالموقعة مع النقابات سنة 2017، لتأجيج الاوضاع هناك مع وجود التدخل العسكري التركي و دواعشهم بليبيا المجاورة. فقد انطلقت حركة احتجاجية، يوم الثالث والعشرين من شهر حزيران/يونيو 2020، في مدينة تطاوين التي يقطنها حوالي 70 ألف نسمة وتقع على بعد 600 كيلومتر جنوب العاصمة تونس،إذ تنتج الولاية (المحافظة) حوالي 40% من النفط و20% من الغاز في تونس، لكن معدل البطالة مرتفع للغاية ويُقدّر بحوالي 30%. وفي السابع من تموز/يوليو 2020، قُتل “مهرب” شاب، برصاص الجيش، في منطقة الحدود الواقعة تحت المراقبة العسكرية، ما أَجّج الغضب والإحتجاجات ضد هذا الاغتيال وضد الحكومة التي لم تحترم تنفيذ اتفاقية الكامور،وحاول الشباب يوم الخميس 09 يوليو إغلاق محطة الضخ نفسها في “الكامور”، حيث أقاموا خيمة اعتصام، كما فعلوا قبل ثلاث سنوات، ما اضطر الحكومة إلى إرسال ممثل لها، للتفاوض مع وفد من المحتجين مُباشرةً (بدل التفاوض مع الإتحاد العام التونسي للشغل، أو المنظمات “غير الحكومية”).
ويبدو أن الحكومة لا تقترح شيئًا، وهي غير قادرة على اقتراح أي حل، عَدَا القمع، وما المفاوضات سوى وسيلة لربح الوقت، لأن نموذج التنمية الذي تنتهجه الحكومات المتعاقبة منذ 1956و لغاية 2020، يُهمل المناطق الواقعة خارج ساحل البحر الأبيض المتوسط، فهو نموذج يُعَمِّقُ الفجوة الطبقية، والفوارق بين مختلف مناطق البلاد، كما أدّى تطبيق هذا النّموذج، بإشراف صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، إلى وضع اقتصادي كارثي، يرتهن للخارج، وتتوقع الحكومة حدوث ركود بنسبة( -6% نمو سلبي) سنة 2020، فيما يصل الدين الخارجي إلى 82% من الناتج المحلي الإجمالي، ووصلت عائدات السياحة والصادرات وتحويلات التونسيين العاملين بالخارج إلى أدنى مستوياتها، بسبب تأثيرات انتشار وباء “كوفيد 19”.
و أجمعت آراء عدد من المختصين في القانون الدستوري ،والناشطين في المجتمع المدني ، خطورة هذه الخيارات التي تسير فيها قيادات حزب النهضة ، خاصة من قبل رئيسها الغنوشي، الذي يريد توظيف البرلمان لضرب مقومات الدولة المدنية التونسية .وهو ماذهب إليه الأستاذ المتخصص في القانون الدستوري عبد الرزاق المختار،الذي يقول أنَّ ما عرفته تونس منذ صعود أول حكومة منبثقة عن انتخابات أكتوبر 2011 إلى اليوم بالخطير خاصة في ظل سعي حزب النهضة للتمكن من مفاصل الدولة عبر خيار المحاصصة أو التمكين في معناه القانوني والسياسي باعتباره الحزب الفائز في الانتخابات. واعتبرأنَّ مكمن الخطورة في ”التمرد” على المنظومة وترسانة القوانين المنظمة للدولة والسقوط في المستوى الأدنى لضرب هذه الأسس بما يتناقض مع الدستور في ”التعيينات” جهويًا (مناطقيًا)في الهياكل والمؤسسات المفصلية للدولة.
خاتمة :
حاول حزب النهضة الذي يحكم تونس بأقل من 20% من الأصوات أي حوالي 400 ألف صوت من جملة 8ملايين ناخب تونسي ،وهذه مفارقة كبرى لديمقراطية عرجاء، أنْ يَجْلُبَ الأنظار لدى الرأي العام التونسي والعالمي،من خلال تصوير وتقديم مداولات مجلس الشورى بشأن مستقبل الفخفاخ وحكومة الائتلاف التي هوعضو فيها، وكأنَّه برلمان مصغر قادر على خلق “توازن الرعب السياسي” ،وردع معارضي الحزب في البرلمان أو خارجه مع ضمان حد أدنى من القدرة و المناورة و الإيهام بالتحكم ليس في مصير الحكومة القائمة، بل أيضًا في المشهد السياسي ككل وبقواعد اللعبة السياسية.
غير أنّه وفي إطار الصراع السياسي الذي يعرفه المشهد السياسي التونسي،بين قصر قرطاج أين مقر الرئاسة بزعامة الرئيس سعيَّدْ،وقصر باردو مقر البرلمان الذي يرأسه الغنوشي ،تزايدت المعارضة القوية داخل البرلمان بقيادة أمين عام الحزب الحر الدستوري عبير موسى،المطالبة بإزاحة الغنوشي من رئاسة البرلمان ،و الآن حسب هذه التطورات يبقى طرف واحد يجب حمايته من النهضة لامتلاكها ملفات قضائية ضده وهو نبيل القروي رئيس حزب “قلب تونس”والذى اذا لقي تطمينات قوية فإنَّه سينقلب عليها و يقع عزل الغنوشي من مجلس النواب، لا سيما بعد أن أصبح الغنوشي مشكلاً وليس حلاً ،وغير قادر على الفصل بين البرلمان كمؤسسة تشريعية و بين حزبه،ويسعى دائما إلى تمكين حزبه من البرلمان ،ولا يحترم زملائه من النواب، ويغيب باستمرار عن الجلسات العامة.
وبعد المواقف المتواترة لرئيس الدولة ورئيس الحكومة ووقوف الإتحاد العام التونسي للشغل أكبر منظمة وطنية جماهيرية في البلاد وصمامة أمان للإستقرار السياسي والاجتماعي،مع تمسكهابالدستور في كل المساعي المتعلقة بالوضع الحكومي، لكنَّها تخوض صراعًا أيضًا مع “ائتلاف الكرامة” وكذلك مع “النهضة”،فقد الغنوشي الدور المحوري بعد أن أصبحت المبادرة وبقوة لقصر قرطاج، وتحول حزب النهضة،الذي كانت تصريحات قياداته السياسية طيلة الأسبوع الماضي تَصُّبُ في خانة أنّه الحزب الصانع للحدث، و المتحكم في مسار ومصير الحكومة ورئيسها، إلى حزب يَرْكُضُ وراء الأحداث و يحاول اللحاق بها، لا سيما بعد أن اصطدم بالموقف المتشدد لرئيس الجمهورية ،الذي يرفض إجراء مشاورات بشأن ” مشهد حكومي بديل ” خارج الصيغ الدستورية، وبعد أن تمت إقالة وزراء النهضة من الحكومة.
حزب النهضة الإسلامي بزعامة راشد الغنوشي،يرى أنَّ بوصلته الحقيقية هي في السير وراء ركاب حزب العدالة و التنمية الحاكم في أنقرة منذ 2002، حيث يعتقد أن “النموذج التركي” هو المثال الذي يجب أن يحتذى به، باعتباره نموذجًاتروّج له الليبرالية الأمريكية ،التي كانت ترى فيه الموقف الصحيح ضد التشدد الإيراني. لكنَّ هذا النموذج التركي دخل في مأزقه التاريخي منذ محاولة الانقلاب في 15 يوليو (تموز) 2016، والدعم الذي تقدمه تركيا بقيادة أردوغان للحركات الإرهابية و التكفيرية التي تقاتل في سورية لتنفيذ المخطط الأمريكي –الصهيوني من أجل إسقاط الدولة الوطنية السورية، وتحوّل تركيا من صفر مشكلات مع الغير في سياستها الخارجية حتى بداية الربيع العربي إلى “كلٍّ” من المشكلات في الداخل والخارج: المصالحة مع الكرد فشلت، والوضع الاقتصادي تأزم، وزاد التضخم وتراجعت الليرة وضمرت الصادرات، وتركيز السلطة في يد شخص واحد هو السلطان العثماني الجديد أردوغان، الأمر الذي يُعَدُّ قَتْلاً لروح الديموقراطية والتنمية معاً، إذ أصبح أردوغان يمارس سياسة الهروب إلى الأمام إلى أماكن كثيرة بحثاً عن تعويض، من خلال التدخل العسكري التركي في ليبيا لمؤازرة حكومة الوفاق الليبية بزعامة فايز السراج.
لوكان السلطان العثماني الجديد أردوغان الذي لا يعرف من اللغات سوى التركية، يجيد الإنكليزية فإنَّ أفضل هدية يقدمها له بقية المخلصين حوله هو فيلم المبدع مصطفى العقاد “عمر المختار” الرجل الليبي الصلب الذي قاوم الاحتلال الإيطالي في مطلع القرن الماضي (منذ قرن تقريباً( لمدة عشرين عاماً، وكانت المقاومة بالبنادق والخيول أمام الرشاشات وحاملات الجند والطائرات. وقتها سوف يعرف عجينة الشعب الليبي الذي أرسل أردوغان جنوده وبعضاً ممن جنّدهم من الإرهابيين المرتزقة للحرب ضدَّه. المفارقة أن دول الجوار الجغرافي لليبيا في الشرق والغرب، وهما تونس والجزائر، تطالبان اليوم فرنسا بالاعتذار عن المآسي التي ارتُكبت إبان استعمار البلدين. يأتي السيد اردوغان إلى الحج والناس راجعة، فيقرر استعماراً تركياً لليبيا ركوناً إلى أن الإمبراطورية العثمانية كانت هناك في وقت غابر من الزمن!حسب قول الدكتور محمد الرميحي.
يقول الكاتب الجزائري الشهير، كامل داود، في مجلة لوبوان الفرنسية إنَّ “إخوان” تركيا يستغلون روابط القربى الدينية لاستعمار المغرب العربي من جديد. ويتساءل: لماذا لا يرى “إخوان” تونس والجزائر في التدخل التركي “مؤامرة” أو “زعزعة للاستقرار”؟ ولماذا يرون في قواعد أردوغان العسكرية أمراً طبيعياً، لا احتلالاً أجنبياً؟ الخلاف مع “الإخوان” على تفاوت واختلاف أجنحتهم، كان حول النزعة إلى العنف وتبريره، وعدم الاعتراف بالآخر، وتشريع السطوة على السلطة. وتجمعهم في ذلك أخوية واحدة لا تقر أو تعترف بأي شيء آخر.
في ظل حكم حزب النهضة الإسلامي،أصبحت الدولة الوطنية التونسية ضحية للفكر الانقلابي الذي يتبناه الغنوشي وحزبه،وتحت تهديد العنف الداخلي والقادم من وراء البحار، مادام الغنوشي يعتبر أردوغان مرجعيته السياسية.ولكنَّ أردوغان الذي بدأ مسيرته داعية سلم وانفتاح وتعاون، ومدافعًا عن الدولة المدنية، أصبح الآن يرسل جيوشه عبر البلاد العربية الى ليبيا، وربما مستقبلاً يرسل جيوشه إلى تونس،من أجل معاضدة حزب النهضة لكي يسقط أول دولة مدنية أسسها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في العالم العربي.


