عوائقٌ وعقباتٌ أمامَ مخططاتِ الضمِ الإسرائيلية

بقلم: د. مصطفى يوسف اللداوي

مواقف أطراف الائتلاف الحاكم
رغم أنه لا فوارق حقيقية بين الإسرائيليين، حكومةً ومعارضةً، قادةً وأحزاباً، يمينيين ويساريين، معتدلين ووسطيين، متدينيين وعلمانيين، شرقيين وغربيين، في كل ما يتعلق بالشأن القومي العام، إذ أنهم جميعاً يتفقون في الأهداف الصهيونية والحقوق اليهودية في الأرض الفلسطينية، التي يعتبرونها جميعاً أرضهم ووطنهم، ومستقرهم ومستودعهم، وأنها تمثل أحلامهم القديمة وممالكهم البائدة، التي يعتقدون أنها بلادهم إلى الأبد، ووطنهم الذي وعدهم به الرب، وساقهم إليه وأمرهم بالإقامة فيه.

إلا أنهم يختلفون فيما بينهم أحياناً ويتصارعون في التكتيك وليس في الاستراتيجيا، وفي الشكل لا في الجوهر، وفي طريقة التنفيذ لا في مبدأ التطبيق، وفي التوقيت المناسب والظرف الدولي الملائم، وفي المكاسب الحزبية والمنافع الفردية والخاصة، وهي اختلافاتٌ قد تكبر وتشتد وتزداد وتحتدم طالما أنهم لا يواجهون عدواً، ولا يتحدون خطراً، ولكنهم يتفقون فيما بينهم، وينسون خلافاتهم إذا كان الأمر يتعلق بأمن كيانهم وسلامة مستوطنيهم ومستقبل وجودهم.

على هذه القاعدة من الاختلافات الشكلية تطفو حول خارطة ضم الأراضي، وشكل التعامل مع مقترحات ترامب وخطته، الخلافات بين مكونات الائتلاف الحاكم الثلاثة، نتنياهو وغانتس والأحزاب الدينية اليمينية، ومعهم قادة المستوطنات وتجمعاتهم، فهم ثلاثتهم الذين يقودون الكيان ويترأسون الحكومة، ويحددون مساراتها ويتحكمون في قراراتها.

لكن الخلافات الأبرز والأكثر وضوحاً وتأثيراً هي بين نتنياهو وغانتس، فهما الشريكان الأساسيان في الائتلاف الحاكم، والشخصيتان الأكثر تأثيراً في قرارات الحكومة وسياستها، إلا أن خلافاتهما الحقيقية شخصية وتنافسية.

فرض غانتس على نتنياهو خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، إرجاء المباشرة في تنفيذ خرائط الضم إلى بداية شهر يوليو/تموز 2020، وتخصيص الأشهر الأولى من عمر الحكومة لمواجهة وباء كورونا، ولعل هذا الاتفاق بينهما يشير إلى أنهما متفقان على الأصول، ولكنهما يختلفان في الأولية والتوقيت، وربما في الحجم والمساحة، حيث أنه بصفته وزيراً للحرب والأمن سيكون مسؤولاً عن كل عمليات الضم، وسيقوم جيشه بحماية المناطق وتوفير الأمن وضمان جدية التنفيذ.

يعلم فريق التفاوض الأمريكي الذي يرأسه صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير، حجم الخلافات بين نتنياهو وغانتس، ولهذا قام ديفيد فريدمان أكثر من مرة بمحاولة التوسط بين الرجلين، رغم أن الجميع يعلم أن فريدمان أقرب إلى نتنياهو، ويدعم مواقفه ويؤيده في سياسته، ولهذا يفهم الإسرائيليون محاولات توسط فريدمان أنها محاولة مكشوفة منه للضغط على غانتس، ودفعه للانسجام التام مع نتنياهو، حيث يعتبر فريدمان من أشد المتحمسين لتنفيذ عملية الضم في ظل ولاية ترامب الحالية.

غانتس مثل نتنياهو يتطلع إلى دولة يهودية نقية خالية من غير اليهود، ولهذا فهو يخشى من الوجود الفلسطيني في المناطق التي سيشملها الضم، ويتساءل ماذا ستفعل بهم الحكومة وهم عشرات الآلاف، هل ستطردهم خارج مناطق سكناهم، أم ستجري تبادلاً سكانياً مع السلطة الفلسطينية وتنقلهم إلى مناطقها، أم ستقوم بمنحهم الجنسية الإسرائيلية، وتحولهم إلى مواطنين إسرائيليين شأنهم شأن “عرب إسرائيل”، الذين يشكلون قنبلة شديدة الانفجار داخل الدولة العبرية.

ويتساءل غانتس وفريقه عن القانون الذي ستعتمد عليه عملية الضم، وما إذا كان سيتوافق مع القوانين الدولية، أم أنه سيدخل الكيان في خلافٍ وصدامٍ كبيرٍ مع مؤسسات المجتمع الدولي القانونية، ومع الهيئات الأممية التي ستكون مضطرة لإصدار قراراتٍ جديدةٍ من شأنها عزل إسرائيل والتضييق عليها، وفرض عقوباتٍ اقتصادية وربما غيرها عليها. أكثر مما هي مفروضة على المستوطنات.

يصر غانتس على ربط المباشرة في عمليات الضم بالاتفاق مع الحكومة الأردنية ونيل موافقتها، ويعتبر أن أي خطوة من شأنها إغضاب الملك الأردني أو تهديد اتفاقيات السلام الموقعة مع بلاده، ستضر بالأمن والاستقرار الداخلي الإسرائيلي، وستعرض الهدوء الذي ساد الحدود الشرقية لأخطارٍ حقيقية.

يفضل غانتس الاستعاضة عن خطة ترامب بضم الكتل الاستيطانية الكبرى، التي قد لا تغضب الأوروبيين، ولا تؤلب المجتمع الدولي كله ضد بلاده، كما أنها قد تخفف من غضب السلطة الفلسطينية التي سبق لها أن درست مع الحكومة الإسرائيلية احتمالات ضم المستوطنات الكبرى، ومحاولة إيجاد حلولٍ وتسوياتٍ لهذه الخطوة كإجراء تبادلٍ رضائي في الأراضي، فتكون بذلك خطوة أولى وجادة نحو إعادة السلطة الفلسطينية إلى طاولة الحوار والمفاوضات، وهو ما وعد به غانتس أعضاء حزبه وحلفائه.

أما مواقف قادة المستوطنين وتجمعاتهم فهي موحدة لجهة استكمال إجراءات الضم، والتسريع في خطواتها وزيادة مساحاتها، علماً أنهم يبنون تصوراتهم على عقائدهم الدينية ورؤيتهم التوارتية، ويرفضون مبادئ ترامب وصفقته، الذي يصفونه بأنه “أحمق مفيدٌ”، ويرون أن صفقته تخدمهم لجهة الغطاء السياسي والتأييد الدولي، إلا أنها تضر بهم وتفرط في حقوقهم، فهو يعطي الفلسطينيين دون وجه حقٍ، الحق بإقامة دولة فلسطينية على 70% من أرض إسرائيل التاريخية، ولو أنها أراضي متفرقة ومبعثرة، إلا أنها مقتطعة من أرض دولة إسرائيل التاريخية، التي لا يجوز التفريط فيها أو التنازل عنها.

هي خلافاتٌ شكليةٌ بين الأطراف الثلاثة المشكلة للحكومة وإن بدت حادةً وبرزت على السطح، لن تعيق تنفيذ المخططات، ومن المؤكد أن نتنياهو وفريقه هو المنتصر فيها، وأن غانتس الذي يبدي معارضةً شكليةً للمشروع سيقبل به في النهاية، وسيشرف على تطبيقه، وسيلزم جيشه برعايته وضبط الأمن في المناطق، فلا تصدقوه إن وعد الأوروبيين بلجم نتنياهو، أو طمأن الأحزاب العربية بوقف مخططات الضم، أو لَمَّحَ إلى السلطة الفلسطينية أنه لن يمس حلمها في دولتها المستقلة، بل سيكون أول من ينزل إلى الميدان لتنفيذ الخطة، وأكثر المحتفلين بنجاحها والسعداء بتطبيقها، فهو صهيونيٌ مخلصٌ، وسياسيٌ كاذبٌ، وانتهازيٌ وضيعٌ، وعسكريٌ قاتلٌ، وعدوٌ حاقدٌ.

المواقف الأوروبية خاصةً والدولية عامةً
لا يبدو أن الإجراءات الإسرائيلية الجديدة تلقى هوىً وقبولاً من المجتمع الدولي عامةً، ومن دول أوروبا على وجه الخصوص، التي أعلن قادتها وزعماؤها، فضلاً عن رئاسة الاتحاد الأوروبي، رفضهم أي إجراء إسرائيلي من شأنه أن يمس الحقوق الفلسطينية، ويضر بكيانهم العتيد أو يعيق تشكيله، حيث تصر أغلب الدول الأوروبية على حل الدولتين، وتطالب بعدم المساس بالأراضي الفلسطينية التي من الممكن أن تشكل دولةً فلسطينية قابلة للحياة، ولهذا فإنهم يرون أن المخططات الإسرائيلية تقضي على حل الدولتين، وتنهي فرص السلام بين الشعبين، وتؤسس لمرحلةٍ جديدةٍ من الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار.

ترفض الدول الأوروبية ومعها العديد من دول العالم الاعتراف بشرعية المستوطنات في الضفة الغربية، حيث تنظر إلى الأرض المحتلة عام 1967 على أنها أراضي الدولة الفلسطينية، وترفض قيام إسرائيل بإجراء أي تغيير جوهري في المنطقة بما يؤثر على الحل النهائي، أقله دون التفاوض مع السلطة الفلسطينية، وعليه فإنها تعتبر المستوطنات الإسرائيلية المشادة في الضفة الغربية مستوطناتٌ غير شرعية، وترفض الاعتراف بها، وأخيراً فرضت عليها نوع من المقاطعة الاقتصادية، فلا تستورد منتجاتها الزراعية، ولا تتعاون معها ثقافياً وتنموياً، وترفض تقديم أي شكل من أشكال الدعم أو التمويل لها، وتعتبر أي محاولة إسرائيلية لضمها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، علماً أنه يوجد في الضفة الغربية 130 مستوطنة، تشكل 10% من مساحتها.

لا تتوقف معارضة الدول الأوروبين عند إشكالية المستوطنات في الضفة الغربية، بل تعارض أي مساس بالأراضي الفلسطينية في المناطق الثلاث A+B+C، وتصر على أن تغيير في الواقع الحالي يجب أن يخضع لحوارٍ وتفاوضٍ مع السلطة الفلسطينية، ولا تخفي دول أوروبا مواقفها، بل تعلنها وتجاهر بها، وتحاول أن تخلق مناخاً إسرائيلياً سياسياً داعماً لرؤيتها ومؤيداً لحل الدولتين، الذي يقوم أساساً على مقررات الرباعية التي كان لدول أوروبا دورٌ كبير ومساهمة عالية في تشكيل بنودها، ولهذا كثفت الدبلوماسية الأوروبية اتصالاتها بشريك نتنياهو في الحكومة بيني غانتس، تحثه على رفض خطط الضم، والإصرار على حلولٍ منطقية مقبولة من الطرفين، تكون قابلة للحياة والصمود والاستمرار.

إلا أن الحكومة الإسرائيلية رفضت بشدةٍ الإصغاء إلى التحذيرات الأوروبية، واعتبرت أن دبلوماسية الفضاء غير مقبولة، وأن التصريحات العلنية والتهديدات الأحادية المنحازة لا تخدم الشعبين، وتضر بمسارات الحل النهائي، وطالبت الحكومات الأوروبية أن تسلك السبل الدبلوماسية الرسمية في التعبير عن مواقفها، كما حذرتها من مغبة التدخل في الشؤون الإسرائيلية، وذلك في معرض ردها على محاولات بعضها التأثير على الرأي العام الإسرائيلي، خاصة التيارات العلمانية واليسارية، ويمين الوسط الذي ينتمي إليه ويمثله بيني غانتس.

يدرك نتنياهو أن الحكومات الأوروبية تحاول التقرب من بيني غانتس ودعم مواقفه السياسية، والوقوف إلى جانبه في تطلعه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، لدفعه لممارسة المزيد من الضغط عليه، للتراجع عن فكرة الضم، ربطاً بقيامه بالتفاوض المباشر مع السلطة الفلسطينية، لتحديد شكل الحل النهائي للصراع القائم بينهما، وهو ما قد يؤثر عليه في الانتخابات القادمة في حال قرر إجراء انتخاباتٍ مبكرةٍ، إذ لا يخفي المقربون منه والعالمون ببواطن الأمور الإسرائيلية، أنه لن يسلم شريكه رئاسة الحكومة، وسيحرمه منه قبل الاستحقاق المتفق عليه.

الأوروبيون عموماً ومعهم بريطانيا التي تعتبر أساس نكبة الشعب الفلسطيني، والمسؤولة الأولى عن القضية الفلسطينية، يؤمنون بحل الدولتين، ويعتقدون أن الضفة الغربية هي أرض الدولة الفلسطينية، وأنه ينبغي أن تكون خالية من المستوطنات الإسرائيلية، إلا أن يصار إلى التفاوض بشأنها، وإجراء تبادل في الأراضي بالتوافق بين الطرفين، وقد صرح رئيس الحكومة البريطانية جونسون، أنه آن الآوان لأن تكون لحكومة بريطانيا كلمة، وقد اعتبر البعض تصريحات جونسون محاولة من بلاده لتصحيح ما بدأته من وعد بلفور، وهو الأمر الذي أغاظ الحكومة الإسرائيلية، التي طلبت تفسيراً لتصريحاته.

تحتفظ بعض الدول الأوروبية بورقةٍ رابحةٍ في جيبها، قد تضطر إلى سحبها واستخدامها في اللحظة الأخيرة، وهي التي تخشى منها الحكومة الإسرائيلية، وتحذر الحكومات الأوروبية من مغبة الإقدام عليها، إذ تهدد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران لعام 1976، مما سيشكل لها عقبة كبيرةً، سياسية وقانونية، فيما يتعلق بالاعتراف بالأراضي التي تنوي ضمها، وسبل التعامل معها، فضلاً عن أنها ستقوي الموقف السياسي الفلسطيني على حساب الرؤية الإسرائيلية الأمريكية للسلام بين الشعبين، وقد تكون سبباً في انهيارها كلياً.

إنه لأمرٌ مثيرٌ للاستغراب والعجب، عندما نجد توافقاً أوروبياً غربياً موحداً ضد خطط الضم، ورفضاً لمقترحات ترامب ومشاريع نتنياهو، بغض النظر عن الأهداف التي تقف وراء المواقف الأوروبية، ولكنها بلا شك مواقف تثير غضب الإسرائيليين وتزعجهم، وتقلقهم وتربكهم، وتخلق واقعاً في كيانهم قد يكبر ويقوى.

وفي المقابل نجد تشرذماً عربياً رسمياً، وضياعاً في الرؤية والقرار، وعدم مسؤولية في الأمانة والواجب، إذ لم نجد حتى اليوم مواقف عربية ترقى إلى مستوى المسؤولية، وتتناسب مع خطورة ما يحدث، بل على العكس من ذلك، نجد تساوقاً عربياً فاضحاً مع المخططات الإسرائيلية، وانسجاماً معها، إن لم يكن تأييداً ومباركةً ورعايةً، أليس هذا هو العجب العجاب والصادم الصاعق الغريب، الذي يشيب لهوله الولدان، ويحار أمامه أحكم الحكماء وأجل العقلاء.
يتبع ….

بيروت في 26/6/2020
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى