هكذا فعلت الاوبئة باجدادنا !!!

أنت اليوم تجلس فى بيتك منعزلا – أو هكذا يفترض- خوفا من هذا العدو البيولوجى الذى هاجم العالم بأسره فجأة وبقوة صادمة.
أنت تستشعر خطرا كبيرا، وكراهية كبيرة لهذا
العدو الشرس الجبان الذى يهاجمك مرتديا(طاقية إخفاء) ،لا تمكنك حتى من رؤيته حال مهاجمته لك، معركة غير نبيلة وأسلوب غير شريف طبعا.
هكذا ترى هذا العدو الضئيل جدا المختبىء والمختفى دائما، ربما كان هذا ما تشعر به أو تعلمه تجاه هذا العدو، لكن ما لا تعلمه عزيزى القارىء المحتقن غضبا من هذا الفيروس، هو أن صراعك معه صراع طويل مستعر عمره أجيال طويلة، فقد كان أجدادك أيضا فى صراع مع أجداد هذا العدو اللعين.
فتعالى عزيزى القارئ معى فى هذه الرحلة لنقف سويا على جذور هذا الصراع الطويل، ولترى أجدادك حينما كانوا فى مثل معانات، كيف كانوا يتعاملون مع أجداد كورونا, وكيف انتهى هذا الصراع بهم بل وبتاريخ البشرية، وعلى عادتى معك دائما، دعنى أمسك بيدك وأدخل بك إلى آلة الزمن .. نعود بها سويا إلى صفحات الماضى.
أنت الآن فى مصر الجميلة الحزينة، عام 1347 ، فى بيت جدك ،تنظر إليه وهو يقبع هلعا داخل منزله البسيط، إبان مواجهة شرسة خاضتها مصر كلها وكذلك بلاد الشام ضد أحد أشرس أجداد كورونا، الطاعون.
تنظر إلى جدك بعين الملاحظ والمترقب،فجدك وجدتك لا يمتلكان جهاز آى فون أو أوبو أوسامسونج ليمكنهم من معرفة أخبار الوباء ,وتداعيات الأحداث المأساوية التى تدور حولهم، وكذلك لا ترى أثرا لأى تلفاز ليشاهدا به لوجو قنوات على هيئة بيت تدعو الناس إلى البقاء فى بيوتهم، وكذلك لا تحس وجودا لأى وسائل تواصل بينهم وبين العالم الخارجى.
يا إلهى ، أنت تتحدث إلى نفسك مذهولا، وعيناك تراقبان المشهد بكل حذر وتدقيق.
هذا الحزن الظاهر على وجه جدتك، وهذا الاستسلام البادى على قسمات جدك، ما الذى أصابهما؟
هنا تقطع حيرتك أصوات دقات طبول عسكر المماليك الدائرون فى شوارع مصر، ترهف أنت السمع لتفهم ما الذى يدعو إليه هؤلاء، وما الذى سيطلبونه من أجدادك، ربما طلبوا منهم البقاء فى المنازل، وعدم الخروج للصلاة فى المساجد.
ولكن آه مما تسمعه الآن، وياللعجب، ربما لا تصدق ما تسمعه لفرط الدهشة، أنت تسمع دقات طبول تليها رسالة موجهة من السلطان إلى المصريين,بماذا يأمرهم؟
إنه- وياللعجب- يأمرهم بالتوجه جميعا إلى الجوامع،وبالصيام ثلاثة أيام متتالية، وهذا بفرمان سلطانى.
تلجم الدهشة لسانك وتخرج حذرا لترى المشهد كاملا بنفسك، صوتا وصورة، فإذا بمشهد عجيب لا تجد له تفسيرا، إنه مفتاح منزل معلق فى نعش.
ياإلهى.. ما الذى يعنيه هذا، يلح عليك السؤال حتى تجود جدتك بالإجابة وهى تعتصر ألما : – (كمان دار أبوحسين علقوا مفاتيحها ع النعش، معناها آخر واحد فى البيت مات هو كمان)، فى هلع يغمغم جدك “الطف يارب”.
يا ويحى ، أبلغ الأمر بأجدادى إلى هذه الدرجة؟ بيوت بأكملها تفنى عن آخرها؟ وعن حزنك البرئ يخرجك جدك إلى حزن أكبر وأشد فتكا بقلبك حين تسمعه:- “القرية اللى جنبنا كلها هلكت، لسة فاضل فى قريتنا أد سبع بيوت .. يللا..كاس ودايرة”.
يا ربى، ما الذى أسمعه؟ هل حقا هذه هى مصر؟ هل هذا هو جدى؟.
تنتفض فجأة ثم تصرخ فى وجهى مطالبا إياى أن أعيدك من هذه الرحلة المرعبة، فلم تعد تحتمل المزيد من المشاهد.
عفوا عزيزى القارىء, فأنا لا أمتلك هذه الرفاهية بعد، فنحن سويا فى رحلتنا هذه، وللرحلة قواعد، وأنت قبلت مصاحبتى فيها منذ البداية، فلتتجشم إذن ولتتحل بشىء من القوة، ولتعلم أنى لست أقل منك حزنا وجزعا.
الآن سآخذك إلى الباحة السلطانية، أنت الآن لست أمام قصر جمهورى بل أمام قصر سلطانى، هنا تدار الأزمة، هنا يجلس السلطان لا بزهو السلاطين وبهرجتهم، بل بأسفهم البالغ حين تجتاح بلادهم الكوارث والويلات :-“كم عدد اللي ماتوا من المصريين لغاية دلوقتى يا وزير؟”.
-“مائتى ألف يا مولاى”.
آه، تعتصر الإجابة قلبك.
يسترسل الوزير:-“القاهرة التي كانت تصنف كأكبر أو ثاني أكبر مدينة في العالم يا مولاى بتعداد سكان يبلغ نصف مليون نسمة، قد فقدت مئتي ألف من سكانها في الفترة من 1347-1349″.
يكاد قلبك يتوقف من الحزن عند سماع هذا، فتقرر أن تصب جام غضبك على جد كورونا اللعين وتتسائل فى حسرة وألم، ما الذى أتى بهذا اللعين إلى بلادنا؟
أهى الصين أيضا أم ماذا؟ أسئلة تلقيها بكل غضب، يصل غضبك إلى آلة الزمن التى تعمل بآلية معينة، فتدور عجلتها فجأة وتتوجه بنا إلى موانىء البحر الأسود في العام 1347.
هذه السفن القادمة من أوروبا الغربية، حيث تشاهد الفئران والبراغيث قد اعتلت سفنا متجهة إلى جنوا”الإيطالية”
إيطاليا، ما هى قصتك مع الأوبئة منذ الأزل؟ تحدث نفسك شاردا،إيطاليا التى قادت من خلال البندقية وجنوة حركات تجارية ضخمة فى حوض البحر المتوسط, وأقامت مع الدولة المملوكية التى كانت تحكم مصر وقتها تحالفات تجارية.
آه لو أستطيع منع هذه السفن اللعينة من الوصول إلى مصر، هذه السفن الموبؤة التى راح ضحيتها نصف أجدادنا من المصريين أو ما يقارب النصف، مائتا ألف من واقع خمسمائة ألف.
يا إلهى، أى شؤم حملته لنا هذه السفن اللعينة؟ تعض أصابعك من الندم ,كونك غير قادر على فعل شىء حيال هذه الكارثة الإنسانية التى حلت بأجدادنا ،تراقب السفن بمنتهى الأسى والألم.
سرعان ما وصلت السفن الجنوية إلى سواحل مصر ومدنها،أنت الآن ترى رسول “الموت الأسود” قد واصل جولاته جنوبي وشمالي البحر المتوسط وأوروبا الغربية.
لحظة وصول رسول الموت إلى الموانىء المصرية أصابتك برعشة, وأنت تشاهد الفئران الحاملة لأجداد كورونا تفعل تماما ما فعلته الخفافيش الحاملة لكورونا، فئران أجدادنا, وخفافيشنا ، أى نواع من القوارض تلك التى بليت بها البشرية؟
يعتمل فى صدرك شعور جديد لم تجربه قبلا.. شعور أن تكره كائنا من القوارض, حين تفهم أنه كان دائما منذ الأزل حاملا للموت، الآن أنت تشاهد الفئران تنتشر فى كل مكان، وترى الموت يحصد فى هيستريا أرواح أجدادنا من المصريين، من كل بيت تنطلق صرخة، ومن كل قلب تنفجر آهة ، وهاهو بيت جدك .. الذى ..(لاااااااااااا..) .. عفوا عزيزى القارىء، أعتذر إليك بشدة، أواسيك وأربت على كتفك، دعنا ننطلق الآن، فأنا أيضا لم أعد أحتمل المزيد.
تدور بنا عجلة الزمن،ما هذا؟ الآلة لا تأخذنا إلى عالمنا، ولا تتجه بنا إلى مصر،بل تتجه إلى فرنسا.
نحن الآن فى القرن الرابع عشر، فى فرنسا،أحد قاعات الحكم،حيث تدار الأحاديث السياسية إبان إدارة الأزمات، لكن ما الذى أتى بالآلة إلى هنا؟
تأتيك الإجابة سريعا وأنت تسمع صوت أحد رجال السياسة الفرنسيس متحدثا فى ذعر:- الجذام ، هذه مؤامرة، مؤامرة حاكها المسلمون بالتعاون مع اليهود لنشر مرض الجذام في البلاد استعدادا لتحويلها عن المسيحية.
يا إلهى ..ما هذا الذى أسمعه؟أى ترهات هذه؟
هذه الأوبئة بالفعل تفجر الخيال الخصب لكل سياسى فشل فى صغره فى أن يصبح سيناريست أو روائى، فقط فى أوقات المحن تظهر هذه الطاقات الإبداعية لدى الساسة،الآن فقط تذكرت كمية السيناريوهات التى حاكها الساسة حول فيروس كوورنا فى زماننا.
تذكرت شطحات ترامب، ولعنات الخامنئى، وتذكرت كل الأفلام الهندى التى قام ببطولتها رجال السياسة عالميا إبان هذه الأزمة.
يبدو أن هناك تكوينا ما بداخل الإنسان يدفعه دائما للاعتقاد بأنه مستهدف وبأنه ضحية لمؤامرة ما تنسجها ضده الأكوان.
يثير هذا الطرح اشمئزازك، لكنك بقلب يملؤه الرحمة والإنسانية قادر على تفهم الضغوط التى يتعرض لها هؤلاء، الضغوط التى طالما شطحت بأفكارنا وجعلتنا فريسة للوساوس والأوهام،هكذا حال الفرنسيين، يتأثرون كثيرا بالأوبئة.
ولأنك ذكرت الفرنسيين وتأثرهم بالأوبئة، فقد استجابت آلة الزمن ودارت بنا إلى فرنسا القرن العشرين، تحديدا أنت الآن فى منزل الأديب الفرنسى الجزائرى ألبير كامي، حيث يجلس حزينا على مكتبه، يؤرخ للأجيال كارثة إنسانية أخرى، عن أحد أجداد كورونا، وهو”الطاعون”.
يفكر ألبيركامو، وتسمع أنت صوت أفكاره وهو يتمتم:- إن الوباء ينتهى بنا إلى حقيقة واحدة, ..هى أن العالم ليس لنا”.
يقدح ألبير كامو زناد فكره،ويتعرق كثيرا وهو يسطر كلمات روايته “الطاعون”،وترتعد مفاصله تماما كما أرتعد أنا الآن وأنا أسطر لك هذه الحقائق عزيزى القارئ، تراقب بعينين متأثرتين هذا الأديب، وتقارن بين ما كنت تشعر به حال معرفتك أن ألبير حاز على جائزة نوبل فى الأدب عن روايته تلك.
ما بين غبطتك له عند معرفة هذا الخبر، وما بين تأثرك الشديد لحالته تلك وهو يتمزق لحظات كتابته لهذه المأساة، الآن فقط تتفهم حجم معاناة الأديب الناقل للمأساة, والمدون لها، فهو لا يدونها بالحبر يا عزيزى، وإنما بقطرات دمائه النازفة على نياط قلبه.
الآن تستسلم قليلا وأنت تتذكر كل الأدباء الذين وثقوا لفترات الأوبئة, مثل الإيطالى (جيوفانى بيكاتشيو) فى روايته النابضة بالألم “الديكاميرون”، وتعنى بالعربية “الأيام العشرة”
آه يا إيطاليا الحزينة، ما أشبه يومك بالأمس، الآن فقط فهمت معنى أنه لا جديد تحت الشمس, وفهمت أن هذا العالم ليس لنا.
الآن أصبحت ترى البشر جميعهم متشابهون، ترينهم بنظرة أكثر إنسانية، وأكثر رحمة.
دعنا نعد إلى بلادنا الحبيبة مصر يا صديقى، فقد اشتقت إلى هوائها ونيلها وترابها، تقفز بنا آلة الزمن إلى حوارى مصر،إلى القرن العشرين قد وصلنا، وكما شاهدنا ألبير كامو يكتب عن معاناة شعبه فى الديكاميرون, ها نحن نجد نجيب محفوظ ينتحب فى “الحرافيش” محترقا على أبناء بلده مصر, متحدثا عن “الموت الكاسح” الذى “لا يفرق بين غنى وفقير”, يصف محفوظ النعوش والنواح واكتساء الموت بصورة مذهلة فى روايته هذه, حقيقة لم أعد أحتمل المزيد يا صديقى.. فدعنا نعد إلى زماننا ، إلى بيوتنا ، وذوينا …
ها أنت جاهز للعودة إلى زماننا ، فقط خذ نفسا عميقا ، وأتبعه بنفس عميق أخر………
ترحم على أجدادك المصريين ،ثم ترحم على أجدادنا من البشرية بأسرها .. ترحم على الإنسان ..على هذا المخلوق الضعيف البائس، المثير للشفقة والإحسان .
واسأل الله تعالى العافية لك ولأولادك ، ولا تنسانى من دعائك.

القاهرة – يونيو 12, 2020

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى