النكسه.. عيد الخونة و الشامتين
بقلم: د. موسى الحمداني/ لندن
كنت شاباً في مقتبل العمر سنة ١٩٦٧ وكنت شاهداً وواعياً على الحرب وعلى الأحداث التي أدت إليها. وغني عن القول أن وقع الهزيمة العسكرية كان صادماً ومحبطاً ومريراً علينا جميعا. لم نتقبل ما جرى وكيف سارت الأمور في ذلك المسار العجيب وكيف بدت جيوشنا وكأنها جيوش من الهواة أمام جيش محترف و حديث و على درجة عالية من التسليح و الكفاءة والتدريب، وفوق كل ذلك يتمتع بدعم أمريكي غير محدود.
وللأسف، بينما كان اليهود في بيوتهم يفرحون ويشربون نخب الإنتصار كانت في بيوت العرب مآتم وأحزان ودماء تغلي غضباً ورغبة في الإنتقام.، أو هكذا كنا نعتقد، فقد تبين فيما بعد أن فئة من العرب لم تحزن إلا في ظاهرها بينما كانت تكتم في قلوبها المريضة سعادة الشامتين. تلك الجماعات من مرضى النفوس قفزت إلى السطح بعد عصر الردة الذي بدأ في السبعينات وإزدادوا قوة ووقاحة، وأصبحت ذكرى النكسة لهم بمثابة عيد قومي يلفظون فية ما تفيض به قلوبهم من أحقاد وسموم.
أولئك هم الإخوان المسلمون ومعهم لفيف من الليبراليين وطبقة رأس المال وكل من يرى في الإستعمار عوناً وملاذاً. تسمعهم وتقرأ لهم وتحس أنهم يتلذذون بالحديث عن هزيمة جيوشهم وسقوط أوطانهم حتى أنهم لا يكادون أن يجدوا في لغة الضاد ما يكفي ويشفي غليلهم من الكلمات الكارثية . ورسالتهم إلى البسطاء من أمتنا: إنظروا ماذا فعل بكم جمال عبدالناصر، وهل يأتي منه إلا الشر؟ وهم طبعاً لا يفعلون ذلك مقتاً في الهزيمة ولا حباً في أوطانهم، بل يفعلونه حقداً وكراهيةً لجمال عبدالناصر الذي حرمتهم نجاحاته وإنجازاته السابقة من أي إنتقاد جدّي فجاءت النكسة لتكون الذخيرة التي طال انتظارها ليستعملوها للإنتقام. وهم الآن لا يكتفون بأن عبد الناصر هزم عسكرياً سنة ١٩٦٧ بل يدعون أن كل ما أنجزه في حياته كان مسلسلاً من الهزائم والفشل. فأزمة السويس كانت هزيمة منكرة (مع أن قناة السويس عادت إلى مصر ثم أن بريطانيا وفرنسا تشهدان أنهما منيتا بأسوأ الهزائم)، وكذلك حرب اليمن كانت هزيمة مخزية ( مع أن النظام الملكي الذي دخلت مصر لدحره تلاشى تماماً وانتصر النظام الجمهوري). وطبعاً في رأيهم أن التعليم المجاني كان مشروعاً فاشلاً وكذلك التصنيع، بل أنه خرجت أصوات في البرلمان تطالب بهدم السد العالي، ذلك المشروع الفاشل!
القائد الذي يدخل حرباً قد ينتصر وقد ينهزم ولا عار على من حارب دفاعاً عن حقه ووطنه، بينما العار، كل العار، على من يتقاعص عن الحرب أو يستسلم، وهذا ما لم يفعله عبدالناصر. لقد كانت هزيمتنا سنة ١٩٦٧ شديدة المرارة لكننا لم نقبل للحظة واحدة أن نعتبرها هزيمة نهائية أمام إسرائيل. رفضنا رفع راية الإستسلام وكان إصرارنا على التمسك بقيادة جمال عبدالناصر رغم كبوته، ولكل جواد كبوه، و بإعتباره القائد الذي أمضى حياته يجاهد ضد إسرائيل والإستعمار، وما الحروب إلا كرٌّ وفرٌّ. بل أن تعبير النكسة كان فعلاً أكثر دقةً لوصف حالة حربنا القائمة والمستمرة ضد إسرائيل.
أذكر تماماً كيف كان إحساسي بعد عدول عبدالناصر عن إستقالته وأشفقت عليه من تلك المهمة الجسيمة التي قبلها على عاتقه وكنت أتساءل: هل سيقدر فعلاً على إعادة بناء الجيش؟ وهل سيقدر ذلك الجيش على الوقوف أمام إسرائيل؟
ولم يخيب جمال عبدالناصر آمال أمته فيه، فعكف فوراً على إعادة بناء الجيش بمجهود إعجازي وعلى أساس علمي حديث. ودخل ذلك الجيش الجريح في مناوشات مع العدو وقام بتسجيل إنتصارات بعد إنتصارات في رأس العش ثم في المياه الإقليمية بإغراقه المدمرة إيلات وهي أكبر قطعة بحرية إسرائيليه. ثم شن عبدالناصر حرب الإستنزاف المجيده وما شملته من عمليات خاصة و بطولية خلف خطوط العدو. وقبل وفاته بأسابيع، توج حرب الإستنزاف بإقامة حاجز الصواريخ في مجهود بطولي لولاه لما تمكن الجيش المصري (الجيش الذي بناه عبدالناصر) من تحقيق العبور.
كل الشعوب لها حظها من الإنتصارات والهزائم، سنة الله في خلقه منذ فجر الحضارات. والتاريخ كله، قديمه والحديث، ذاخر بالأمثلة. فمثلاً نابليون، الذي يعتبر عند علماء التاريخ أعظم القادة العسكريين، إكتسح بجيوشه أوروبا وخضعت له معظم دولها. ثم إستدار إلى الشرق بإتجاه روسيا وقاد ما أطلق عليه يومها ب ”الجيش العظيم“ بنحو مليون من الجنود بجيادهم ومدافعهم ليعود خائباً ولم يبق معه إلا قلة قليلة من جنوده يمشون حفاة عراة جياع من غير جياد أو عتاد. ثم كانت هزيمته النهائيه في واترلو على يد بريطانيا.
أما في الحرب العالمية الثانية فقد كان الجيش الألماني أعظم وأقوى جيوش الأرض وإنهارت أمامه جيوش أوروبا واحداً تلو الآخر خلال أسابيع، ثم إستدار إلى الإتحاد السوفياتي فأباد سلاح الجو حيث دمرت الآلاف من الطائرات الرابضه على الأرض وأباد وأسر من الجنود ما يزيد على المليون . ولكن وبالمقابل فقد كان كان إستبسال الجيش الأحمر إسطورياً، رغم خسائره الأسطورية، وكان غير مسبوق في التاريخ وحوّل الهزيمة الساحقة إلى نصر مبين وتعقب الألمان حتى عقر دارهم في برلين.
وللعرب أيضاً حظهم من الإنتصارات والهزائم. فقبل قرنين من الزمان سقطت مصر كاملة أمام نابليون بعد ساعة واحدة من القتال إستسلم بعدها الجيش العثماني ، ولكن لا أحد يذكر تلك المعركة المخزية حتى لا تجرح سمعة سلاطين آل عثمان. وفي القرن الماضي سقط العالم العربي كلة أمام القوات البريطانيه والفرنسية. وفي عام ١٩٤٨ هزمت الجيوش العربية أمام العصابات الصهيونيه ثم هزمت مرة أخرى سنة ١٩٦٧.لكن من بين كل تلك الهزائم تبقى هزيمة ١٩٦٧ ذات حلاوة خاصة و طعم محبب عند الإخوان المسلمين وغيرهم من الشامتين في جمال عبدالناصر.
لا أعتقد أن جمال عبدالناصر ، عندما ألقى خطابه للشعب يوم ٩ حزيران كان يعرف تفاصيل ما وقع لجيشه في الأيام السابقة، لكنه أدرك أنه وضع ثقته في قيادات عسكرية لم تكن أهلاً لها ومن أجل ذلك تحمل المسئولية كاملةً. بل أعتقد أن تلك الحرب لا تزال محاطة بكثير من الغموض إلى الآن. لكن حتى في ذلك الوقت المبكر كانت تشيع في الجو رائحة مؤامرة قذرة ، فقبيل نهاية الحرب فوجئنا بإسرائيل تقصف سفينة التجسس الإلكتروني الأميركية ”ليبرتي“ التي كانت متواجدة قبالة الساحل المصري، والتي كانت مجهزة بأجهزة إلكترونية قادرة على إرباك الإتصالات العسكرية وعمل أجهزة الرادار. أصيبت السفينة بأضرار بالغة وقتل العشرات من أفرادها. وإلى يومنا هذا لا يزال ذوي القتلى يطالبون بتفسير ما جرى. فقد تبين فيما بعد، وبإعتراف الطيارين الإسرائيليين، أنهم قصفوا السفينه عمداً مع علمهم أنها أميركية لكنهم لم يعرفوا سبب إصرار قيادتهم على القيام بتلك المهمة.
بل أن رائحة المؤامرة كانت قبل الحرب وقبل تصاعد الأحداث، حسب ما ذكره هيكل . فقد أفصح الملك حسين للفريق عبد المنعم رياض عن قلقه ومخاوفه من أن شيئاً خطيراً يدبر للمنطقة وأن الأردن قد يكون مستهدفاً ليخسر الكثير. ونعرف طبعاً عن مراسلات فيصل مع الرئيس ليندون جونسون. لقد كانت حرب ١٩٦٧ فخاً تم حبكه بإتقان بين أميريكا وإسرائيل وبإلحاح من الملك فيصل بهدف التخلص من جمال عبد الناصر وما كان يشكله من خطر على هيمنة تلك القوى الثلاث على المنطقه.
ومن المفارقات أن السبب الرئيسي الذي يدفع الإخوان وأعوانهم إلى تشويه صورة جمال عبد الناصر هو في الواقع نجاحاته وانتصاراته التي حرمتهم من متعة مهاجمته في حياته. فالرجل كان مستقيماً صادقاً مخلصاً أميناً وتمكن من أن يوفي بأكثر وعود الثورة لشعبه، ولو عاش لتمكن من أن يوفي بها كلها. لقد حقق الإصلاح الزراعي والتصنيع و الجلاء وتأميم القناة وبناء السد العالي فيما حقق من إنجازات. ومشكلة الإخوان هي في الواقع مشابهة لمشكلة المخابرات الأميركية التي إعترفت أن مهاجمة عبد الناصر مستحيلة لأنه غير قابل للفساد. لكن الإخوان بدلاً من الإعتراف بالحقيقة قاموا بتلفيق الأكاذيب.
والملاحظ أن الحاقدين على عبدالناصر يحملونه مسئولية ١٩٦٧ بالكامل. ومع أن الزعيم الخالد أعلن بنفسه عن تحملة لكامل المسئولية إلا أنني أعتقد أن هذا جاء من باب نبل خلقه و شهامة طبعه وفروسيته، لكن الحقيقة أن هنالك آخرين كثيرين يتحملون نصيبهم من المسئولية عن ما حصل. فمثلاً ورغم إتفاقيات الدفاع المشترك فأن المسئولية الأولى في الدفاع عن سورية والضفة الغربية تقع على عاتق حكامها وليس على عاتق عبدالناصر الذي لم يكن حاكماً على تلك المناطق. وهذه نقطة ذات أهمية لأن الإخوان لا يلومون غيره من القادة من العرب.
ثم هنالك نقطة أخرى في غاية الأهمية وهي مسئولية الإخوان المسلمين أنفسهم عن ما جرى سنة ١٩٦٧. ففي السنين التي سبقت ١٩٦٧ كان الإعلام الإخواني مشغولاً ليل نهار في مهاجمة عبد الناصر بسبب قبولة بوجود القوات الدولية في مضائق تيران. وكان إعلامهم دائم التذكير بهذا ”التقاعص الذي ينم عن عدم وجود النيه لمحاربة إسرائيل“. أعرف ذلك لأنني كشاب كنت أقضي وقتاً طويلاً في مركزهم للعب تنس الطاوله ، وكنت أيضاً أتصفح منشوراتهم (وما أكثرها) ومجلاتهم مثل مجلة ”المسلمون“ التي كانت تصدر في سويسرا. كنت ألاحظ أنهم ينتقدون كل سياسات عبدالناصر ويلومونه على كل شيء وفي نفس الوقت يحثونه بشدة لمحاربة إسرائيل . ومن المفارقات أنني لا أذكر أنهم كانوا ينتقدون أي حاكم عربي آخر.
نعم، كانت هنالك ضغوط قوية من الإخوان على عبدالناصر لطرد القوات الدولية للتحرش بإسرائيل. وطبعاً كان الزعيم الخالد يرفض تلك الضغوط فقد كان حريصاً على أن لا يدخل حرباً قبل أوانها، ولكن لم يكن في وسعه تجاهل تقارير الحشودات على سوريا، ولو فعل ذلك لكان نفس الحاقدين ،الذين يلومونه اليوم على دخول الحرب، يصدعون أدمغتنا ويلومونه على عدم دخول الحرب.



