أزفت آزفة الولايات المتحدة الأمريكية .. فمن يستبق الخيرات؟
بقلم: محمدشريف جيوسي

ليس كالغرب الأوروبي والأمريكي دموية ونازية وفاشية وعدوانية وتذرعا وجشعاً ؛ سواء كان تولّى فيه الحكم نظاماً لاهوتياً أو قوميا “معتدلا” أو متطرفاً أو رأسمالياً أو إشتراكياً .. وإن أتيح للشيوعية أو غيرها فيه أن تتقدم ” ديمقراطيا ” فإما أن لا يتاح لها الحكم أو تقسر على برامج غيرها من مناهج الحكم غير العادلة أو تأخذ موقف صمت القبور .
لقد تحارب الغرب الأوروبي فيما بينه لسنين وعقود طوال بمنتهى الهمجية ، ومارس وحشيات لا نظير لها في كل أرض وصلتْ إليه أقدام جيوشه أو عوام وسواد وغوغاء رعاياه ، بل وكبار متحضريه ، كانوا أشدُّ تفنناً وعبقريةً في إذكاء وتبرير كل فعلٍ ارتكبوه ، وألبسوا باطلهم ثياب الطهر والقداسة والحضارة ، وبعد أن ينتهوا من ارتكاباتهم المتمادية ، سنّوا كما في العصرين الحديث والمعاصر ما أسموْه الشرعيات الدولية والأممية ، لحكم الآخرين بها ، وإتخاذها مظلاتٍ ظالمة ومُدخلات مكشوفةٍ لإحتلال الآخر وقمعه واضطهاده .
ليس في زماننا كالغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من أنموذج للغطرسة والعدوانية، فالولايات المتحدة الأمريكية بنتْ أعمدتها الرئيسة في سنوات وعقود التأسيس شركة مجاميع عصابات أوروبية من هاربين من العدالة وقتلة ومجرمين وسفّاحين ونصّابين ومغتصبين ومهربي مخدرات ورقيق وتجار سلاحٍ في أحسن الحالات ..
ولا تشكل الإضافات البشرية الأخرى ـ من آسيويين وأوسطيين ولاتينيين ومكسيكو ويهود، ومواطنين أصليين مُنَحَّوْنَ جانباً في المنطقة الأسوأ بيئيا ؛ ويُحظر عليهم المشاركة في النظام السياسي المفروض على الجميع ـ تكويناً حضارياً مندمجاً ؛ ولا دور لهذا الكم الهائل من المكوناتِ البشرية غير المنسجم ، سوى العمل .
وتؤدي تركيبة المجتمع الأمريكي إلى إنزلاق بعض هؤلاء إلى البطالة والعيش الضنك ” ” NO HOME وممارسة التسول والسرقة وأعمال قذرة،وبعض من ” فتح الله عليهم” يعمل لتكوين رأسمالٍ صغير يَقيتوا به أنفسهم وأسرهم سواء في الولايات المتحدة أو في بلدانهم حيث يعود كثير منهم إليها .
ورغم ان الولايات المتحدة الأمريكية ؛ تقود الغرب الاوروبي ومجموعة الدول الإمبريالية ألـ 7 ومؤسسات رأس المال العالمية ـ لكنها ليست مستقراً او بلد مواطنة مُدمجة عادلة راسخة، بل إن معظمَ من أتوا إليها لم يقدموا بفكرة محبة مسبقة لها (ولما يقال بأنها تتميز بنظام يسري على الجميع .. وفرص عمل ومساواة !؟ ) كما يظن كثيرون،بل هرباً من مجتمعاتهم التي أضناها تحكّم الدولار بمداخيلها ومداخيلهم ، وقد اعجزتها قوته غير الشرعية وغير المغطاة بالإنتاج او الذهب ، عن أن تبني مستقبلاً آمناً لبلدان العالم الثالث ، جراء هيمنة جيوش امريكا العسكرية والسياسية والإعلامية؛ على قرارها المستقل ، فباتت محكومة في توجهاتها السياسية وإفتصادياتها وإعلامها بمصالح وقرارات كتلة الدول الإمبريالية بقيادة واشنطن .
لكن هل هذه االكتلة البشرية الكبيرة في أمريكا “من احفاد المؤسسين الأوائل الهاربين من العدالة “والملتحقين بهم من جهات الأرض الأربع، بحثا عن العمل وعن الدولار المهيمن على العملات المحلية لبلدان العالم الثالث.. والمسيطر على خطوط نقلها الجوية والبرية والبحرية وعلى أسواقها والسارق لثرواتها الأحفورية من نفط وخامات.. هل هو قادر على ضمان مستقبل زعيمة الإمبريالية والكيانات الاكثر عدوانية في العالم ..
بل هل الغرب الأوروبي المنهك بنتيجة هيمنة واشنطن عليه ومنعه من ان يخطّ لنفسه طريقاً مستقلاً سياسياً وإقتصاديا وعسكرياً ، بات قادراً وعلى قناعة بأن في بقائه مواليا لواشنطن الآيلة للسقوط ضمانة له .. وحيلولة دون السقوط ؛ ولم يعد مخسراً أكثر مما هو مربح ” إن كان هناك في بقاء امريكا ما يربح ” .
ويخوض أحد طرفي الدولة العميقة الامريكية معارك دينكوشوتية في آن ، بمواجهة الدولة العميقة الأمريكية الأخرى في الداخل، وبمواجهة الإتحاد الروسي والصين الشعبية وكوريا الديمقراطية وإيران الإسلامية وفنزويلا البوليفارية وكوبا الكاستروية ودولأ أخرى في امريكا اللاتينية والوسطى وتحالفات إقتصادية كبرى.
كما يخوض حربا غير معلنة ضد بعض دول اوروبا الغربية ، ومع دول عربية وغير عربية وضد طوائف يهودية تعارض الدعم الأمريكي المطلق للكيان الصهيوني ، في وقت يعاني هذا الكيان من أزمة سياسية عميقة مضافة ، ويضيف أعباء متعددة على كاهل إقتصاد أمريكي مرهق .
وما زالت الولايات المتحدة الأمريكية منغمسة في حروب الإرهاب والتدخلات بأشكال متعددة في العراق وسورية واليمن وليبيا والصومال والجزائر وغيرها، وتهدّد بمزيد التورط والإنغماس عسكريا وماليا وتدريباً وتجنيدا واستخبارياً وإعلاميا..
كما تنغمس واشنطن في حرب أسعار النفط والذهب والعملات الوطنية في الدول التي تختلف معها سياسيا ، ما يجيّش العالم ضدها أكثر .
وأضاف وباء كورونا للولايات المتحدة ” خيراً كثيراً ” أكثر مما قام به تجاه أي بلد أو شعب أو أمة أخرى ، ورغم أنه لا تشفّ بالمرض مثلما لا تشفٍ بالموت .. فقد قام كورونا ” بواجبه ” تجاه أمريكا ، وعرّى كثيراً من الأغطية.. وكان هناك ضحايا كثر عليهم الرحمة في هذا العالم الفسيح .
قد أكون وصّفت ولغير مرة الواقع الراهن، بقي القول ، ان علاج الكوارث الراهنة للبشرية ، يستوجب نظاماً عالمياً جديدا، يكنس النظام الإمبريالي الإستعماري الإحتلالي الاستغلالي الصهيوني الإرهابي؛ الراهن، ويأتي بقطبين جديدين متباينين ، فالتباين من سنن الكون .. على أن يكون هذا النظام أكثر عدلاً وأمنا وإستقراراً بعيداً عن الحروب والتوسع والهيمنة والإرهاب والتعصب وسباقات التسلح ، باتجاه البناء الحضاري الإنساني السلمي وسباقات العلم والإختراعات والإكتشافات والتكنولوجيا والقبول المتبادل .
تحقيق ذلك ليس بالأمر اليسير، فالقوى المهيمنة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفها الشيطاني، لن تستسلم هكذا بيسر.. وستستشرس في الدفاع عن وجودها المعرض للإجتثاث.. بعد عقود وقرون من السيطرة .. ولذا على القوى البديلة والمستهدفة الان، خارج المعسكر الإمبريالي ، تعزيز قدراتها واستشراف المستقبل واجتراح طرق النجاح وآلياته الجديدة .
وحيث أن الولايات المتحدة لا تستند إلى تاريخ عريق ضارب في القدم، ولا تتوفر على قومية مندمجة متشكِّلة ذات مصالح وآفاق واحدة غير جمع المال والهيمنة ، فإنها مهيئة للتبعثر والتفتت السريع،وهو ما تؤشر عليه المعطيات الراهنة بوضوح ، وتتجاوزه إلى الإتحاد الأوروبي الذي كشفت أزمة كورونا هشاشته وأنانية مكوناته، ما يجعل الإتحاد مثالا لمستقبل الإمبريالية الغربية ، مع اختلافات هامشية في التفاصيل .. وهو ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار أيضاً ، من قبل القوى المستقبلية .



