الإرهاب و أردوغان و أمريكا الثالوث المعادي لسورية

بقلم : توفيق المديني

عاشت سورية خلال السنوات التسعة الماضية أبشع حالات الحرب وأكثرها مشقة وشقاء، بسبب التدخلات الأجنبية متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الكيان الصهيوني ،وتركيا أردوغان، والدول الخليجية، التي أشعلت نار الحرب الإرهابية منذ بداية ما سمي في الخطاب السياسي العربي “موجة انتفاضات أو ثورات الربيع العربي”في عام 2011،من أجل إسقاط الدولة الوطنية السورية،من خلال دعم الجماعات الإرهابية التكفيرية على اختلاف مسمياتها، والتي أدّت أيضًاإلى خراب الاقتصاد وتدميره ، وانهيار مستوى المعيشة والانزلاق نحو الفقر المدقع جراء ارتفاع الأسعار، وإلى الكوارث الاجتماعية والاقتصادية وتفاقم الأزمات الصحية وتدمير البنى التحتية.
في ظل تسع سنوات من الحرب الإرهابية الكونية، نشرت القوى الإرهابية و التكفيرية المدعومة من الدول الغربية و تركيا و الدول الخليجية الفوضى وأججت مختلف أشكال الصراعات الطائفية و المذهبية فيما كانت الإمبريالية الأمريكية تراقب هذا الوضع لحصد نتائجه من أجل تسريع وتيرة التطبيع بين الدول الخليجية مع الكيان الصهيوني ، إذ باتت الدول الخليجية و على رأسها المملكة السعودية تنظر الآن إلى الكيان الصهيوني بعيون جاريد كوشنر.
غير أنّ سورية الدولة الوطنية التي لا تزال تمثل آخر معقل من معاقل الحركة القومية العربية، ، والقلب النابض لعروبة الوطن العربي، استطاعت أن تجسد قلعة الصمود العربي لمدة تسع سنوات في مواجهة التحالف بين الإمبريالية الأمريكية و الكيان الصهيوني و نظام أردوغان التركي وقوى التكفير والإرهاب،وهزمت المشروع المعادي الذي كان يستهدف إسقاط الدولة الوطنية، وتقسيم سورية إلى دول طائفية ومذهبية. ولكن الثمنَ باهظٌ.
سورية الآن تمثل نهج المقاومة ضد معسكر أعداء الأمة العربية ،وتتمتّع بحلفاء أقوياء على الصعيد الدولي و الإقليمي متمثلة بروسيا و إيران وحزب الله،وهي الآن مع بداية السنة العاشرة من الحرب تريد أن تستكمل تحرير ما تبقى من محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة أتباع أردوغان العثمانيين الجدد من القوى الإرهابية و التكفيرية والمعارضة العميلة للأجنبي،متمثلة في “جبهة النصرة “:”القاعدة” في سورية، وبقايا تنظيم “داعش” الذي صنعته الولايات المتحدة الأمريكية ،والمجموعات الإرهابية التي لا حصر لها في الشرق الأدنى، وليبيا، والساحل، تحت رعاية الوهابيين السعوديين وجماعة “الإخوان المسلمين” المتمثلين بتركيا ومشيخة قطر.
وردّاً على البيان الأمريكي البريطاني الفرنسي الألماني بمناسبة مرور تسعة أعوام على المؤامرة الكونية، أكَّدت سورية أنَّ أكثر ما يدعو للاشمئزاز هو ذاك التباكي الكاذب والنفاق الذي يتسم به خطاب الغرب الاستعماري عن حقوق الإنسان في سورية، وهو الذي تلطخت يداه بدم السوريين، وكان السبب في معاناتهم جراء الحرب الظالمة والعقوبات الجائرة التي تمس حياة المواطن السوري ولقمة عيشه، وتهجير الملايين بفعل الإرهاب وآثار العدوان على سوري،
وفيما واصل “إرهابيو أردوغا” على خرق اتفاق وقف الأعمال القتالية، أو “اتفاق موسكو”، واعتدوا بالقذائف الصاروخية والرشاشات الثقيلة على بلدتي كفرنبل وحزارين بريف إدلب الجنوبي، في محاولة لإفشال عملية فتح الطريق الدولي”إم 4″، أبدت روسيا استياءها من عرقلة الاتفاق، وتشدد على ضرورة القضاء على هذه التنظيمات ومحاسبتها.
في غضون ذلك قال مصدر رسمي في وزارة الخارجية والمغتربين: “إن ما ورد في البيان الأمريكي البريطاني الفرنسي الألماني، بمناسبة مرور تسعة أعوام على الحرب الإرهابية التي تستهدف سورية، يؤكّد مجدداً استمرار هذه الدول في دعم التنظيمات الإرهابية لإطالة الحرب على الشعب السوري، وخاصة بعد فشلها في تحقيق أهدافها أمام صمود السوريين، والإنجازات المتتالية للجيش العربي السوري.
وأضاف المصدر:” إنَّ أكثر ما يدعو للاشمئزاز هو ذاك التباكي الكاذب والنفاق الذي يتسم به خطاب الغرب الاستعماري عن حقوق الإنسان في سورية، وهو الذي يداه ملطختان بدم السوريين، واستمرار معاناتهم جراء الحرب الظالمة، والعقوبات الجائرة التي تمس حياة المواطن السوري، ولقمة عيشه، وتهجير الملايين بفعل الإرهاب، وآثار العدوان على سورية الذي فشل في تحقيق أهدافه مع تطهير القسم الأعظم من أراضي الجمهورية العربية السورية من الإرهاب، والسير بخطا واثقة نحو استعادة الأمن والاستقرار إلى كامل الأراضي السورية”.
خرق اتفاق موسكو الهش
تم التوقيع على الاتفاق الروسي التركي الجديد في 5 مارس/آذار الحالي لوقف إطلاق النار في الشمال الغربي من سورية، بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان،وهو بمنزلة المُلحق باتفاق سوتشي، حول “منطقة خفض التصعيد الرابعة” (إدلب وما حولها)،إذينصُّ على وقف لإطلاق النار في محافظة إدلب،بالإضافة إلى إنشاء ممر آمن على طول الطريق الدولي حلب – اللاذقية “أم 4″، بعمق 6 كيلومترات من الجنوب ومثلها من الشمال، على أن يُتَّفَق على معايير محددة لإنشاء الممر بين وزارتي الدفاع التركية والروسية.أمّا البند الثالث، الذي يتمحور كذلك حول الطريق الدولي “أم 4″، فيشير إلى بدء تسيير دوريات مشتركة بين موسكو وأنقرة على الطريق الدولي من بلدة الترنبة (غربي سراقب)، وصولاً إلى بلدة عين الحور (آخر نقطة في إدلب من الغرب على تخوم ريف اللاذقية)، مع حلول يوم 15 مارس الحالي. وفشلت القوات الروسية ونظيرتها التركية في تسيير أولى الدوريات المشتركة بين الطرفين على أوتوستراد حلب – اللاذقية الدولي، إذ انطلقت الدورية الأحد من بلدة سراقب شرق إدلب ووصلت إلى بلدة النيرب لتعود مجدداً إلى النقطة التي انطلقت منها بسبب قطع الطريق من قبل مدنيين محتجين.
غير إِنَّ المجموعات الإرهابية ومنها “هيئة تحرير الشام”(جبهة النصرة)،و”تنظيم حراس الدين”، و”جبهة أنصار الدين”، و”أنصار التوحيد”، و”جماعة أنصار الإسلام”، المتمركزة في الشمال الغربي من سورية رفضت هذا الاتفاق، متذرعة بحجة المعارضة الشعبية لهذا الاتفاق، بينما في الحقيقة، تريد هي و مُشَّغِلُهَا نظام أردوغان أنْ يَنْسَحِبَ الجيش العربي السوري وحلفائه من المناطق التي حرَّرها خلال شهر فبراير/شباط الماضي بالقوة العسكرية، وهو ما يحول دون عودة عشرات الآلاف من الإرهابيين إلى تلك المناطق المحرَّرةِ .
فقد خرقت المجموعات الإرهابية، المدعومة من نظام أردوغان،اتفاق وقف الأعمال القتالية 33 مرة منذ بدء تطبيقه قبل أسبوع،عبر استهدافها بالقذائف عدداً من القرى والبلدات ونقاط الجيش بأرياف إدلب الجنوبي وحلب واللاذقية.وتزعم هذه الجماعات الإرهابية أنّ المدنيين في محافظة إدلب يرفضون فكرة الوجود الروسي بأي شكل من الأشكال بينهم، باعتبار الروس طرفاً في النزاع من خلال المشاركة القوية في القتال إلى جانب الجيش العربي السوري،وكذلك بسبب فشل التجارب السابقة في درعا وحمص وعدم التزام الروس بالعهود المقدمة بحماية المدنيين من القتل والاعتقال والتجنيد الإجباري والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة حسب ادعائهم الكاذب.
تفجير جسر بلدة محمبل على الطريق الدولية “أم 4”
وفي الوقت الذي أعلنت فيه موسكو التوصل إلى اتفاق بين روسيا والنظام التركي يقضي بوقف الأعمال القتالية في إدلب عند الوضع الراهن والبدء بتسيير دوريات مشتركة على الطريق الدولية حلب-اللاذقية بدءا من الأسبوع الماضي ،مع التأكيد على الالتزام بوحدة سورية وسيادتها والاستمرار بمكافحة الإرهاب فيها،‏في هذا الوقت بالذات فجرت مجموعات إرهابية جسر بلدة محمبل غرب مدينة أريحا على الطريق الدولية حلب-اللاذقية “إم4″وذلك لإعاقة حركة الدوريات المقرر تسييرها على الطريق ضمن اتفاق وقف الأعمال القتالية الذي تم التوصل إليه في الخامس من الشهر الجاري.‏
وذكرت مصادر أهلية وإعلامية أنَّ إرهابيين عمدوا إلى تفخيخ جسر محمبل الواقع على الطريق الدولية “إم 4″بكميات كبيرة من المواد المتفجرة وتفجيره ما أدى إلى تدميره بالكامل كما غرست مجموعات إرهابية مسامير فولاذية في عدة نقاط على الطريق لإعاقة سير الدوريات المشتركة.‏
وأشارت المصادر إلى أن مجموعات إرهابية أجبرت عشرات المدنيين تحت تهديد السلاح على نصب خيم على محور الطريق في عدد من المقاطع كما قامت بنقل العديد من أفرادها وعشرات المدنيين بعد إغرائهم بالمال للبقاء على قارعة الطريق ومحيطه لضمان استمرار قطعها أمام الدوريات وتعطيل حركة السير الطبيعية عليها.‏
في هذا السياق أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا يوم 16مارس/آذار الجاري ، أكدت فيه : أنَّه “تحتشد في منطقة إدلب لخفض التصعيد تشكيلات مسلحة كبيرة تابعة لتنظيمات إسلامية مختلفة، بينها هيئة تحرير الشام وحراس الدين، اللذان يواصلان استخدام المبادئ الإيديولوجية والأساليب الإرهابية لتنظيم القاعدة”، وفق البيان.
وأضافت الخارجية الروسية أنَّ “صفوف الجهاديين المتمركزين هناك تضم كثيراً من الدواعش، بينهم هؤلاء الذين جرى إجلاؤهم في حينه عبر ما يسمى الممرات الآمنة من مناطق أخرى في سورية”، وفق البيان. وقالت أنَّ “عناصر التشكيلات الإرهابية استفادوا من فترة الهدوء وعالجوا أنفسهم وأعادوا تسليحهم، بما في ذلك بفضل الدعم من الخارج، والآن يشنون عمليات هجومية مضادة”. وتابعت: “أياً كانت جنسية الأشخاص الذين سلكوا طريق العنف والإرهاب، من الضروري محاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها. وهناك خياران ممكنان فقط: إما القضاء على الإرهابيين في حال مقاومتهم المسلحة، أو محاسبتهم جنائياً وفقاً للقانون”. وأضافت: “ضمان تحقيق المحاسبة هو بالذات ما ترتكز عليه جهودنا الدبلوماسية في اتصالاتنا مع الزملاء الخارجيين”.
أحلام أردوغان العثمانية وتقديمه الدعم للإرهابيين في سورية
تعيش تركيا منذ دخولها في الحرب الإرهابية الكونية ضد سورية العديد من التقلّبات السياسية والأزمات الاقتصادية المتناثرة، من جرَّاء السياسة الخارجية التي انتهجها نظام أردوغان،والتي تجاوزت أولويات تركيا وقدراتها، حيث أنهكتها التدخلات العسكرية المجانية في أكثر من دولة، (سورية وليبيا و العراق)،فضلاً عن ممارسات القمع التي تمارس على المعارضين، وهو ما خلق حتماً حالة من الاستياء في صفوف الأتراك من سياسات أردوغان، التي تسببت أيضاً في انكماش الاقتصاد وانهيار الليرة وارتفاع التضخم وتفاقم نسب البطالة.
ويعيش الاقتصاد التركي منذ أكثر من ثلاث سنوات أزمة حادة، تعمّقت بفعل العداءات المجانية التي خلقها أردوغان تجاه الدول الغربية ودول الجوار بالاتحاد الأوروبي، وخوضه في أكثر من جبهة معارك، سببت خسائر عسكرية قاسية لقواته،ولاسيما في معركة إدلب.
بالتوازي، خسر نظام أردوغان ورقة اللاجئين السوريين التي أراد منها أن يبتز دول الاتحاد الأوروبي لكي تسانده في حربه ضد سورية،إذطالبت رئيسة حزب الخضر الألماني،أنالنا باربوك، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بممارسة الضغط اللازم على أردوغان لأجل التوصل لحل بالنسبة للتعامل مع المهجّرين، بعد أن فتحت أنقرة حدودها أمامهم لدخول دول الاتحاد الأوروبي، في خطوة استفزازية بحثاً عن دعم أوروبي لتدخلاتها العسكرية في المنطقة.
وأضافت: “يتعيّن على الأوروبيين أن يظهروا بشكل واضح للغاية لأردوغان أنه يتعيّن على تركيا السيطرة على حدودها والتوقّف عن جعل المهجّرين أداة للعب”.
وحاول عشرات الآلاف من المهاجرين دخول اليونان العضو بالاتحاد الأوروبي، بعد أن قال النظام التركي يوم 28 شباط الماضي : إنَّه لن تبقيه على أراضيه وفقاً لاتفاق أبرمه مع بروكسل في 2016 مقابل مساعدات من الاتحاد الأوروبي.ودعا الاتحاد الأوروبي تركيا إلى وقف المهاجرين من أفغانستان وباكستان وأفريقيا الذين يحاولون عبور الحدود.
من جهة ثانية،أكد عضو مجلس النواب التشيكي يان هرنتشيرج أنَّ مواصلة نظام رجب طيب أردوغان تقديم الدعم للإرهابيين في سورية وممارساته المماثلة لرجال العصابات تجاهها يشكل عدوانا سافرا على دولة ذات سيادة.ولفت هرنتشيرج في حديث لموقع أوراق برلمانية الالكتروني إلى أن نظام أردوغان يحاول حماية التنظيمات الإرهابية في إدلب خشية هزيمتها لأن مثل هذه الهزيمة ستكشف جرائمه في المنطقة كلها.
وشدَّد النائب التشيكي على أنَذ مخططات النظام التركي في سورية فشلت ولهذا يحاول الآن الانتقام وخلق مشكلة جديدة من خلال استغلال ورقة المهاجرين مشيرا في هذا السياق إلى أن ما يقوم به النظام التركي على الحدود التركية اليونانية وحشده المهاجرين هناك يشكل إعلان حرب على الاتحاد الأوروبي ومحاولة جديدة لابتزازه بالأموال كي يستمر في شن الحروب والاعتداءات.ودعا هرنتشيرج إلى تقديم الدعم للحكومة السورية من أجل أن يتم القضاء على ما تبقى من تنظيمات إرهابية وطرد العصابات التركية وتسريع عملية إعادة الإعمار في سورية.
ليس خافيًا على أحد ، أنّ لنظام أردوغان أطماعًا توسعية وأهداف عثمانية نابعة من وهم أحلامه الإمبراطورية، يريد تحقيقها في الشمال السوري،فهو ومنذ أن اندلعت الحرب الإرهابية على سورية سعى إلى استخدام الجماعات الإرهابية المسلّحة كأداة لإسقاط الدولة الوطنية السورية.
فقد فتح أردوغان فتح الأراضي التركية أمام هذه الجماعات، بل وصل الأمر إلى حدّ استقبالهم في المطارات التركية، وتحويل الأراضي التركية إلى مقرٍّ وممرٍّ لهم إلى الأراضي السورية، فضلاً عن تأمين المعسكرات والسلاح لهم والتغطية النارية، كما حصل خلال معارك كسب في شمالي سورية، ومن قبل في رأس العين شرقي سورية.فـأردوغان يعتقد أنه يستخدم هذه الجماعات كأدوات لتحقيق مشروعه هذا، عبر زجّها في معركة إسقاط الدولة السورية، بهدف فتح الطريق أمام مجاميع الإخوان المسلمين للوصول إلى السلطة في دمشق، ما يساعده في التحكم بالسياسة السورية في المستقبل وتحويل سورية إلى ممرٍّ لسياساته تجاه سائر المنطقة العربية.
وفضلاً عن ذلك، استمرّ أردوغان في دعم التنظيمات الإرهابية في إدلب لمواجهة تقدّم الجيش العربي السوري فيها، وصولاً إلى الاصطدام المباشر معه والتضحية بأرواح الجنود الأتراك، ليكمل مشروعه التوسعي حتى النهاية، على الرغم من انسداد الأفق الاستراتيجي لأيِّ انتصار يمكن أن يتحقَّق فيها.
وتقوم رؤية أردوغان اليوم على اقتناص مساحة معيَّنة من الشمال السوري، وتثبيتها كأمرٍ واقع في الحلّ السياسيّ فيما بعد، على قاعدة أنها المنطقة المرشَّحة لاستقبال “المعارضين”العائدين إلى سورية بعد اكتمال الحلّ السياسي، وهو يريده حلاً مؤقتاً، أي أن يحمل بذور تفجّره ذاتياً، ما يفسح مجالاً للتدخل التركي وفرض السيطرة المباشرة.
إنَّ مقاومة التدخّل التركي في الشمال السوري هو حق سيادي للدولة السورية، لا يمكن تبديله أو التغاضي عنه، وهو ما يُحقّقه الجيش العربي السوري وحلفاؤه كل يوم، ويحتفل به المواطنون السوريون الذين يُهلّلون لفتح طريق حلب دمشق بعد تحرير مدينة سراقب ودخول البلاد في مسارها النهائي لتحرير إدلب. إنها مرحلة جديدة بكلّ المقاييس عنوانها الانتصار والتحرير، على الرغم من كلّ فقاعات أردوغان الصوتية ومن يقف خلفه من دول الغرب الاستعماري.
فشل السياسة الأمريكية في إقليم الشرق الأوسط
تؤكد معطيات جديدة في الجغرافيا السياسية السورية ،أنّ انخراط روسيا منذ نهاية سبتمبر 2015 في الحرب الدولية و الإقليمية الدائرة في سورية، قد قلب موازين القوى في إقليم الشرق الأوسط، لمصلحة محور المقاومة بقيادة الدولة الوطنية السورية و حلفائها،وأنَّ استراتيجية “الفوضى الخلاقة” لـ ليو شتراوس، وهي وصفة تسمح للإمبريالية الأمريكية بتحييد العقبات التي تحول دون هيمنتها بتكلفة منخفضة، قد باءت بالفشل.
لقد استفادت روسيا من الأزمة السورية، لجهة أنَذها أصبحت اللاعب الأقوى في إقليم الشرق الأوسط، لا سيما لجهة مطالبتها هي و الصين ودول البريكس بإقامة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب هو في طور التكوين، إذ تريد الكتلة الأوراسية الصاعدة أن تكون متعددة الأقطاب، في حين أن الإمبراطورية الأطلسية تصرّ على أحادية القطب.
ويساعد روسيا في هذا الصعود، الذي تجاوز عقبة إذلال انهيار الاتحاد السوفياتي خلال العقد الأخير من القرن العشرين ،نمو القوة الصينية بشكل لافت،إذباتت الصين تحتل المرتبة الأولى في الاقتصاد العالمي، متقدمةً على الولايات المتحدة في تعادل القوة الشرائية.إنَّها في صدارة سجلها التجاري والصناعي: فبعد أن كانت ورشة العمل في العالم، أصبحت “المصنع”، في انتظار أن تكون المصرف. قوتها العسكرية تنمو بسرعة، حيث تأتي ميزانيتها الدفاعية في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، كما أن تطوير البحرية مذهل، ويهدف إلى تأمين بيئتها (بحر الصين)، وإنشاء قدرتها على الإسقاط (البحر الأبيض المتوسط، وحتى القطب الشمالي).
ويلمس المحللون و الخبراء في السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية، أنَّ الإمبراطورية الأمريكية في صور الأفول ، رغم أنَّها لا تزال تسيطر على البحار والفضاء الإلكتروني، والنظام المالي العالمي عبر الدولار.. ومع ذلك تشهد هذه القوة تراجعاً بشهادة الأرقام، وفي اتباع سياسة التهديد بشكل متزايد وسياسة فرض العقوبات والأعمال السرية، إضافةً إلى الحالة المهدّدة للدولار، وتآكل المصداقية وفقدان السلطة الأخلاقية.. في صميم الدولة العميقة، السلطات الأمريكية مشلولة.
فبعد فشلها العسكري، لجأت الإمبريالية الأمريكية إلى تطبيق استراتيجية الخنق الاقتصادي،أو سلاح الحروب الاقتصادية غير المرئية والمدمّرة، التي استهدف كلاً من فنزويلا،إيران، العراق، سورية،ولبنان، التي أدّت إلى أضرار جسيمة في الاقتصاديات المستهدفة، وانهيار مستوى المعيشة والانزلاق نحو الفقر المدقع جراء ارتفاع الأسعار، وإلى الكوارث الاجتماعية والاقتصادية وتفاقم الأزمات الصحية وتدمير البنى التحتية
خاتمة:
إنّ صمود الاتفاق الروسي – التركي حول محافظة إدلب السورية، مرتبطٌ بتطبيق باقي بنود الاتفاق، تحديداً تسيير الدوريات التركية – الروسية على الطريق الدولي حلب -اللاذقية “أم4″، تمهيداً لفتح الطريق أمام الحركة التجارية. بيد أنّ هذا الاتفاق يتطلب تطبيقه القضاء على التنظيمات الإرهابية ، خصوصا “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، بناء على إشارة الاتفاق في مقدمته إلى “مكافحة جميع أشكال الإرهاب، والقضاء على جميع الجماعات الإرهابية في سورية على النحو الذي حدده مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”، ما يستهدف تحديداً “هيئة تحرير الشام”، وعدداً من الفصائل القريبة من فكرها، المتبقية في إدلب.
من وجهة نظر المحللين و الخبراء في شؤون المنطقة، بات واضحًا ،أنَّ صمود الاتفاق واستدامته وتنفيذه كاملاً، يتناقض كليًا مع بقاء “هيئة تحرير الشام”، لا سيما أنَ الاتفاق استثناها من الوجود على مناطق التماس على جانبي طريق أم 4 المتفق عليه في موسكو، أي ستة كيلومترات شمالي الطريق ومثلها في جنوبه، بمعنى أنَّ من الشروط الأساسية الملتزمة بها تركيا أن تكون هذه المناطق خالية من عناصر الهيئة.
فالاتفاق الروسي -التركي الأخير يفرض على رئيس النظام التركي أردوغان التعهد بنزع السلاح من التنظيمات المصنفة إرهابية وفي مقدمتها “هيئة تحرير الشام “.ففي حال صمود هذا الاتفاق، فإنَّ ذلك يعني أن لا مستقبل لهذه التنظيمات في منطقة خفض التصعيد في ظل الحصار الذي سيكون مفروضاً عليها من الشمال (تركيا)، والجنوب (الجيش العربي السوري وحلفائه).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى