حرب الخلافة في السعودية وابن سلمان يزيح معارضيه
بقلم : توفيق المديني

يكاد لا يمر يوم واحد من دون أن تتعرض وسائل الإعلام العربية والأجنبية لموضوع الاعتقالات التي حدثت في المملكة السعودية ،وشملت اعتقال أمراء سعوديين بينهم أحمد بن عبد العزيز شقيق الملك سلمان بن عبد العزيز،وولي العهد السابق محمد بن نايف وشقيقه الأصغرنواف بن نايف،وطالت الاعتقالات أيضًا ضباطا في الأجهزة الأمنية،والجيش،والحرس الملكي.
يربط المحللون موضوع الاعتقالات في المملكة السعودية بمحاولة ولي العهد محمد بن سلمان إحكام قبضته كاملة على السلطة،وتعبيد الطريق أمامه للصعود إلى العرش،عبرإزاحة كل الذين لا يدينون له بالولاء، سواء داخل العائلة المالكة،أو في داخل مؤسسات وأجهزة الحرس الوطني و الجيش و المخابرات،خصوصًا أنّ اعتقال بعض الضباط في الأجهزة الأمنية والجيش والحرس جاء على خلفية أنَّ لهم ولاء لعم ولي العهد أحمد بن عبد العزيز أوابن عمه ولي العهد السابق محمد بن نايف.
وهناك تكهنات أخرى تم تداولها بين النشطاء وعدد من الصحف العالمية ” مثل وول ستريت جورنال” عن وجود محاولة إنقلاب مزعومة،وأنَّ اعتقال كلا من أحمد بن عبد العزيز ومحمد بن نايف له صلة بتلك المحاولة، وأن السلطات تتهمهما بالخيانة العظمى.
وكانت السلطات السعودية اعتقلت في 2017 العشرات من رموز العائلة المالكة والوزراء ورجال أعمال،واحتجزوا جميعا في فندق ريتز كارلتون في الرياض بأوامر من ولي العهد السعودي تحت شعار “مكافحة الفساد”..ويُنظر إلى بن سلمان على أنه الحاكم الحقيقي للمملكة منذ مبايعته بولاية العهد في 2016.
فشل برنامج محمد بن سلمان الإصلاحي
وصل الأمير السعودي الشاب محمد بن سلمان إلى ولاية العهد حاملا رؤية طموحة للإصلاحات التي تحتاجها المملكة السعودية. ففي عام 2016، طرح ولي العهد السعودي رؤية 2030، التي تقوم على ثلاثة محاور من بينها تحقيق اقتصاد أكثر تنوعَا واستدامة، وتعزيز دور المملكة في التجارة الدولية. وتتحقق هذه الرؤية من خلال 13 برنامجا، تحقق 96 هدفا استراتيجيا تصل إليهم المملكة بحلول عام 2030.
وظهر بن سلمان – خاصة لدى الغرب – راعيًا للكثير من الخطوات الإصلاحية، من بينها إلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(الشرطة الدينية)، والسماح للمرأة بقيادة السيارة، والسماح بسفر المرأة بدون محرم، وإلغاء ولاية الرجل على المرأة بحيث يُسمح لها باستخراج جواز سفر دون إذن ولي، وأن تصبح رب أسرة.كما شملت الإصلاحات تدشين الهيئة العامة للترفيه، واستضافة المملكة لحفلات غنائية واستعراضية وعروض مسرحية. وهي سابقة في المملكة التي غلب عليها الطابع المحافظ.
لا يمكن فهم الإصلاح الديمقراطي المطلوب في المملكة السعودية ،إلا حين يقوم ولي العهد السعودي بإصلاح حقيقي في مجال احترم حقوق الإنسان،والحريات الديمقراطية العامة والخاصة ،واحترام حرية الصحافة،وحرية التنظيم،ومشاركة الشعب في رسم سياسة الدولة السعودية.
غير أنّ الذين يعرفون ولي العهد السعودي يرون أنَّ مثل هذه الإصلاحات الديمقراطية التي تحتاجها المملكة السعودية لم تكن أبدًا من صفات محمد بن سلمان،الذي تضرَّر موقفه الدولي من خلال قرارات متعجلة ومتهورة،وغالبا ما تتفوق شراسة ولي العهد على أي مصداقية له بصفته مصلحا، إذ ارتبط محمد بن سلمان بعملية ذبح الصحافي جمال خاشقجي، الذي كان مقيما في الولايات المتحدة. فقد تركت جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي في 2اكتوبر 2018 أثرها، فذكر تقرير للأمم المتحدة أن محمد بن سلمان مسؤول عن الجريمة، فيما قالت المخابرات الأمريكية إنه هو من أمر بالقتل.
ويرفض ولي العهد محمد بن سلمان القيام بإصلاح حقيقي في الإيديولوجيا الوهابية التي يتبناها النظام السعودي، لا سيما إذا عرفنا أنَ الإيديولوجيا الوهابية التي يتبناها آل سعود بشكل رسمي ،كإيديولوجيا للدودلة،جعلت من الدولة الراعية الأولى للإرهاب في العالم هي المملكة السعودية ،وغيرها من الأنظمة الخليجية التي تدعم الحركات الظلامية والتكفيرية في كافة أرجاء المعمورة،وإرهاب آل سعود ووحشيتهم لا يقتصر على الداخل السعودي فحسب،وإنما امتد ليطول الشعب اليمني الذي يكابد إرهابًا ممنهجًا من قبل آل سعود بتواطؤ أمريكي وبريطاني مفضوح.
وينتقد الخبراء والمحللين في إقليم الشرق الأوسط، النفاق الأمريكي،والكيل بمكيالين،وتعمد الإدارة الأمريكية شيطنة إيران،وهي من تحارب الإرهاب بالقول والفعل، بينما تضع هذه الإدارة يدها بيد رعاة الإرهاب الحقيقيين من آل سعود.
ويعلم معظم الناس في الإقليم أنَّ الدولة رقم واحد في احتضان الإرهاب ورعايته في العالم اليوم هي السعودية، الصديق الحليف الحقيقي لأمريكا، لا بل ما هو أكثر من ذلك، هو أن واشنطن تدرك ذلك منذ فترة طويلة وبشكل جيِّدٍ جدًّا، لكنها تنكر ذلك حيث برز هذا الأمر في رسالة بالبريد الالكتروني في إيلول 2014 من جون بودستا لهيلاري كلينتون (واحدة من العديد من بين دفعات رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين جون بوديستا، رئيس حملة هيلاري كلينتون للبيت الأبيض، وكلينتون التي تم كشفها من قبل ويكيليكس) حيث كتبت بوديستا في حين أن هذا الجيش شبه العسكري يمضي قدماً، نحن بحاجة إلى استخدام أصول الاستخبارات الدبلوماسية والتقليدية لدينا للضغط على حكومة قطر والسعودية، التي تقدم الدعم المالي واللوجستي السري لتنظيم “داعش” الإرهابي والجماعات المتطرفة الأخرى في المنطقة.
و يوجد مزيد من الأدلة حول دور السعودية والدول الخليجیة الأخرى في دعم نشاط الإرهاب مثل شهادة زكريا موسوي عام 2015، حول أحداث 11 أيلول /سبتمبر،حيث كشف الخاطف أن أعضاء من العائلة المالكة في السعودية قد دعمت تنظيم القاعدة، وذهب موسوي بتسمية أعضاء معينين من الأسرة المالكة في السعودية الذين كانوا قد تبرعوا بأموال إلى جماعة إرهابية في الفترة التي تسبق أحداث 11 أيلول/سبتمبر الدامية، ولكن حتى من دون أي دليل على صلات مباشرة بين السعوديين ومختلف الجماعات الإرهابية الوهابية.
أكذوبة فكرة الانقلاب
من أكذوبة الإصلاح إلى أكذوبة فكرة الانقلاب،يستمر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في سياسية إحكام قبضته على السلطة في المملكة عبر اعتقال أبرز معارضيه ،لا سيما عمه الأمير أحمد بن عبد العزيز (آخر الإخوة الباقين للمك سلمان بن عبد العزيز) الذي عاد إلى السعودية من منفاه في لندن، فيما ليست لدى أحمد بن عبد العزيزأي قوة،و ولثلاثة من أبناء عمومته، وأبرزهم الأمير محمد بن نايف (ولي العهد السابق الذي كانت له علاقة قوية مع المؤسسة الأمنية الأمريكية( ، والذي سيطر مرَّة على مفاصل الدولة كلها، لكنه لم يعد قادرًا على مغادرة قصره منذ ثلاثة أعوام،بتهمة أنهما كانا يخططان لانقلاب.
وتتحدث التقارير الغربية ،بأنَّ ولي العهد السابق، محمد بن نايف، كان على قائمة اهتمامات محمد بن سلمان، فكونه وزيرًا للداخلية ورئيس لعمليات مكافحة الإرهاب فإنَّه حصل على احترام الحكومة والاستخبارات الأمريكية، مشيرة إلى أنَّ ابن نايف عين وليًا للعهد حتى استخدام محمد بن سلمان بعض أفراد الفريق من البلطجية الذين قتلوا خاشقجي لاحقا، لإجباره على التخلي عن ولاية العهد.
ويظل العم أحمد بن عبد العزيز وابن العم محمد ابن نايف مصدر قلق لولي العهد محمد بن سلمان، وجاءت هذه الاعتقالات وسط تقارير غير مؤكدة عن محاولة انقلابية ضد “أم بي أس” كما يطلق على محمد بن سلمان في الصحافة الأجنبية، أو أنَّ والده الملك سلمان قد مات، ولهذا قرر محمد بن سلمان التحرك سريعا لتعزيز سلطته.
من الصعب جدًّا إقناع العالم بفكرة حدوث الانقلاب في المملكة السعودية ،خاصة أن محمد بن سلمان يُعَدُّ الحاكم الفعلي في البلاد،ويسيطر على المؤسسات الأمنية: الجيش والمخابرات والحرس الوطني، وقام بتطهير الحكومة من الأمراء والمسؤولين ممن هم في وضع لتحدِّيه، وبعد أشهر من تسميته وليًا للعهد أمر باحتجاز أعداد من الأمراء ورجال الأعمال، ولم يفرج عن الكثيرين منهم إلا بعد التخلي عن جزء من أرصدتهم، من أراض وأموال نقدية وحصص في شركات.
وكان الديوان الملكي اتهم في البداية الأميرين البارزين بالخيانة والتخطيط لقلب نظام الحكم في المملكة،وهو ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال يوم 9مارس/آذار الجاري أولا، حيث شملت حملة الاعتقالات مسؤولين في وزارة الداخلية وضباطا بارزين ومن اتهموا بدعم الانقلاب المزعوم. وتذكر الصحيفة أنَّ هذه الحملة جاءت بعد سنوات من عمليات لتركيز السلطة في يد ولي العهد،الذي عينه والده وليا للعهد في عام 2017، بدلا من محمد بن نايف، الذي وضع في قاعة في القصر وأُجْبِرَعلى التوقيع على بيعة الولاء لولي العهد الجديد.
القضية الثابتة في هذه الاعتقالات،أنَّها تتعلق بالصراعات على السلطة ،حيث أنّ بعض أفراد الأسرة الحاكمة سعوا إلى تغيير ترتيب وراثة العرش، معتبرين أنَّ الأمير أحمد بن عبد العزيز شقيق الملك سلمان هو أحد الخيارات الذي يمكن أن يحظى بدعم أفراد الأسرة الحاكمة والأجهزة الأمنية و القوى الغربية.وكان الأمير أحمد بن عبد العزيز (77 عاماً) واحدًا من ثلاثة أشخاص فقط في هيئة البيعة، التي تضم كبار أفراد الأسرة الحاكمة ، عارضوا أن يصبح محمد بن سلمان ولي العهد في عام 2017.
الصراعات على الخلافة قديمة في المملكة السعودية منذ مؤسس المملكة عبد العزيز بن سعود نظرا لعدد أولاده الكثر من زيجاته المتعددة وجواريه، فإنَّ العرش انتقل بعد وفاته عام 1953 بين أبنائه، وتخلل هذا صراع على السلطة، كما حدث مع الملك فيصل وشقيقه الملك سعود،إلا أنَّ النظام نجح من خلال توافق الإخوة فيما بينهم،وظهرت في النهاية مجموعة من الإخوة الذين عرفوا بالسديريين السبعة، وهم أبناء حصة بنت أحمد السديري.
فالملك فهد،الذي توفي عام 2005،كان واحدًا من الإخوة السبعة،وخلفه عبد الله الذي لم يكن من السبعة،وكان هناك تفاهم بعودة السديريين في حال وفاة الملك عبد الله. غير أنّ عودة السدريين طالت أكثر من المتوقع ومات في أثناء حكمه ولي العهد سلطان ونايف بن عبد العزيز بعد معاناة مع المرض، وهو ما فتح الباب أمام سلمان لتولي ولاية العرش، الذي أصبح مَلِكًا عام 2015 بعد وفاة الملك عبد الله.
وارتبط صعود محمد بن سلمان الذي كان في سن التاسعة والعشرين بإزاحة كل المعارضين لهذا الصعود،فبدأ بتوطيد قاعدته ،وسيطر على كل شيء من الجيش إلى الاقتصاد، وخلال خمسة أعوام حيَّدَ المؤسسة الدينية، وسمح للمرأة بقيادة السيارة، لكنَّه قام بسجن واستفزاز أي شخص شعر أنَّه تهديد له، وشنَّ محمد بن سلمان حربًا في اليمن ليثبت أنَّه شديدٌ مع إيران، ما أدخل السعودية في مستنفع لم تخرج منه بعد.
وطبيعة محمد بن سلمان التسلطية جعلته لا يؤمن إلا بالقوة، فهو يفتقد حساسيات الحكام السعوديين القدماء الذين يزنون الأمور،ولذلك بطش بالأمراء،والعلماء،ورجال القبائل،واعتقل رئيس أكبر قبيلة في المملكة ورماه شهرين في السجن، كما استدعى العلماء ووبخهم في قصره، لأنّهم قدموا له نصيحة في السرّ.
وتُعَدُّهذه المحاولة الانقلابية المزعومة أقوى تحدٍّ مباشرٍ على الإطلاق لحاكم سعودي،التي تشبه محاولة ضباط في سلاح الجو عام 1969 لتغيير نظام الحكم،التي أحبطت في مهدها.وكانت بعض الشائعات ربطت الاعتقالات بوضع الملك سلمان (84 عاما)، وبأنَّه على فراش الموت، لكنّ البلاط الملكي رد بصور وفيديو يكشفان عن وضع الملك، وبأنه في حالة جيدة.
علاقة الاعتقالات بحرب النفط التي أشعلها ابن سلمان
تساءلت صحيفة”وولت ستريت جورنال”الأمريكية عما إذا كانت هناك علاقة بين إشعال ولي العهد السعودي، محمدبن سلمان ، حرب أسعارالنفط مع روسيا، وبين الاعتقالات التي طاولت مؤخرا عددا من كبار أمراء العائلة الحاكمة في المملكة.
وقالت الصحيفة الأمريكية إنه في غضون 24 ساعة أشعل ولي العهد السعودي حرب أسعار النفط مع روسيا، وأبعد خصماً داخلياً بهدف توطيد سلطته داخل المملكة، في إشارة إلى توقيفات الأمراء.ورجحت “وول ستريت جورنال”أنَّ “تحركات بن سلمان الصادمة على المسرح العالمي وداخل مملكته كان يُعد لها بالفعل منذ عدة أشهر ولم تكون وليدة يوم وليلة”.
وأوضحت الصحيفة الأمريكية أنَّ “ذروة هاتين الخطوتين (حرب الأسعار وتعزيز سطوة بن سلمان) تكشفت بشكل واضح، يوم الجمعة الماضي؛ عندما قام عناصر أمن ملثمون باحتجاز عدد من الأمراء البارزين في المملكة، ويوم السبت عندما تخلى ولي العهد عن التحالف مع روسيا، وقرر إغراق الأسواق بالنفط الخام الرخيص”.
وحسب الصحيفة الأمريكية ، “ليس من الواضح إنْ كان تَحَرُكَا الأمير مترابطين، خاصة أنَّ الحكومة السعودية لم تعلق على موضوع التوقيف حتى الآن، إلا أن ما هو واضح هو اختيار ولي العهد نهاية الأسبوع، والعالم منشغل بكورونا؛ ليعزز من موقعه في الداخل والخارج، موطدا مكانته داخل المملكة، ومظهرا قدرته على استخدام نفوذه على أسواق النفط لتحقيق أهدافه السياسية”.
لكن كريستين سميث ديوان، من معهد دول الخليج العربي في واشنطن، رجحت أن تكون هناك علاقة وثيقة بين توقيف الأمراء وقرار بن سلمان زيادة إنتاج النفط لمستوى غير مسبوق.وقالت إنَّه “من المنطقي جداً رؤية الاعتقالات الملكية في سياق انهيار مفاوضات النفط مع روسيا”.
وأضافت أن ولي العهد “يدرك أن الأمور ستتعقد جداً من الناحية الاقتصادية ويريد ضمان أن الجميع سينصاع له قبل تلك التحديات الجديدة”.
وعن خلفية قرار بن سلمان المفاجئ فيما يخص النفط، نقلت الصحيفة عن مصادر وصفتها بالمطلعة قولها إن بن سلمان طلب من والده الملك سلمان الاتصال هاتفيا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لطلب تعاون بلاده بشأن تعميق اتفاق خفض إنتاج النفط، لكن بوتين رد بأنه مشغول للغاية ولا يستطيع التحدث؛ الأمر الذي اعتُبر “إهانة محرجة” للملك، وعندما تمكن الرجلان من الحديث في ما بعد في 3 فبراير/شباط الماضي تبين أن بوتين كان يعتزم عدم المضي قدماً بالاتفاق.
ووفق المصادر المطلعة، فإن السعوديين والروس حاولوا تشكيل تحالف طويل الأمد، لكن بشرط تعزيز السعودية استثماراتها في روسيا ودعم جهود الكرملين في سورية، لكن في نهاية المطاف لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق في هذا الصدد بسبب عدم رغبة بن سلمان في استعداء الولايات المتحدة؛ الحليف القديم.
وأشارت الصحيفة إلى أن إخفاق مساعي التوصل إلى اتفاق بشأن خفض الإنتاج بين الطرفين دفع بن سلمان إلى محاولة تضييق الخناق على روسيا، قبل أن يطلب من وزرائه الاستعداد لسيناريو إلغاء الاتفاق الذي بموجبه لا تلتزم السعودية بأي تخفيض في الإنتاج ولو أدى ذلك إلى انخفاض الأسعار بسبب تراجع الطلب العالمي على النفط بسبب “كورونا”.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول سعودي مطّلع القول إن الرسالة التي أراد بن سلمان إرسالها للروس من خلال الزيادة غير المسبوقة في إنتاج المملكة من النفط، هي إما أن توافقوا على تقليص إنتاج النفط أو لن نقلص إنتاجنا على الإطلاق؛ وكانت النتيجة عدم التزحزح في الموقف الروسي.ونقلت أيضا عن أحد مندوبي “أوبك” مطّلع على القضية قوله: “لا أعرف كيف ظن السعوديون أن هذا النوع من الضغط سيؤثر على بوتين. هذا تماماً بمثابة انتحار، وكلنا يعرف بأن النتيجة النهائية يمكن أن تكون كارثية”.(نقلآً عن صحيفة العربي الجديد بتاريخ 13مارس 2020).
خاتمة:
تأتي عمليات الاعتقال غير المسبوقة التي استهدفت أمراء سعوديين، ورجال يعملون في أجهزة الحرس الوطني و المخابرات ووزراء ومسؤولين ورجال أعمال،لتضرب مراكز القوى القوية في المملكة، التي تشكل معارضة حقيقية لتولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قيادة المملكة السعودية، في حال تنازل الملك سلمان ابن عبد العزيز لابنه.
أما على الصعيد الإقليمي ، فهي تأتي في سياق الإخفاق الكبير الذي مني به النظام السعودي في حربه على اليمن ، إضافة إلى موضوع التطبيع الجاري على قدم وساق بين المملكة السعودية والكيان الصهيوني،والتي تستهدف زيادة خطوات التطبيع بين الممالك الخليجية ،وفي مقدمتها المملكة السعودية مع الكيان الصهيوني،إذ تراهن إدارة ترامب على عملية التطبيع الجارية في المنطقة ،والتي تعكس تلاقي المصالح بين الأنظمة الحاكمة في السعودية والإمارات والكيان الصهيوني وعلى إحراز تقدمٍ، فيما يتعلق بصفقة القرن، التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وتحقيق تحالف علني بين الكيان الصهيوني والدول العربية المرتبطة بالإمبريالية الأمريكية ،بهدف تشكيل جبهة إقليمية واسعة لمواجهة إيران في المنطقة، تضمها إلى جانب الكيان الصهيوني .
إنَّ حلفاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المنطقة وهما الكيان الصهيوني والمملكة السعودية يتحولون سريعا نحو الطغيان. ولطالما أظهر الرئيس دونالد ترامب ميلاً واضحًا للأنظمة الديكتاتورية .فالمملكة السعودية تكمن أهميتها في أنها تملك ثروة نفطية هائلة، ولا تزال تغدق على الولايات المتحدة بمئات المليارات من الدولارات بين الحين و الآخر،من جراء شراء الأسلحة الأمريكية، وحل أزمات الرأسمالية العالمية، مقابل بقاء العائلة الحاكمة على عرش المملكة.
إنَّه التحالف التاريخي الذي يعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية ،حين وعد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، الذي التقى مع مؤسس المملكة عبد العزيز بن سعود على متن البارجة الأمريكية كوينسي، بحماية أمن المملكة مقابل منفعة أمريكا من النفط.
فالنظام الدولي ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي،والذي أُرْسِيَ عقب نهاية الحرب العالمية الثانية،بفضل نزع الاستقراروفراغ القوة اللذين خلفتهما انهيار الإمبراطوريتين القديمتين البريطانية والفرنسية،والمقترن بخدمة المصالح الاستعمارية البريطانية،قدأفسح في المجال لبروزكيانين سياسيين جديدين في المنطقة،هما الكيان السعودي الذي تأسس عام 1926،والكيان الصهيوني الذي تأسس عام 1948.
إنّ هذين الكيانين سيعززان وجودهما لا حقًا في إطارالحرب الباردة،بين الشرق والغرب،وفي إطار صراع الدول الإمبريالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ضد حركة التحرر الوطني العربية، حيث أنَّ تنمية قوى الكيان الصهيوني عسكريًا،وتكنولوجيًا،ارتبط ارتباطًا وثيقًا باستراتيجية الإمبريالية الأمريكية،التي كانت تخوض معركة التغلغل والسيطرة بأساليب مختلفة على مجمل الوطن العربي،منذ أن خرجت الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية منهوكتي القوى أثناء الحرب العالمية الثانية.
وحيث أنَّ الإسلام السياسي الذي تستخدمه المملكة السعودية في إطار حربها على الحركة القومية العربية، والقوى الديمقراطية والتقدمية العربية،خدم مصالح القوى الاستعمارية الأوروبية،ولاحقًا الإمبريالية الأمريكية،واستهدف أيضًا الإطاحة بهيمنة المراكز الحضارية المتقدمة في الوطن العربي، التي حملت راية القومية العربية،وعملت على تحقيق دولة عربية واحدة تمتد من الخليج إلى المحيط،كما ناضل في سبيل ذلك الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والذي جُوبِهَ،بمقاومة إمبريالية غربية وصهيونية وسعودية ضارية،لجهة ترسيخ النظام الإقليمي العربي القائم على التجزئة السياسية،وتجسيد العداء المطلق لأي مشروع قومي تحرري في المنطقة.


