كيفيات و آثار القهر الدولي للشّعوب ، و خرافة ” النظام الدّوليّ”

بقلم : د . بهجت سليمان

1▪︎ تتطور ، باستمرار ، الأساليب الدوليّة من أجل “التّفوق” مستخدمة أكثر الطرائق و الأساليب الهمجيّة التي تصل إلى ممارسات غير مسبوقة في امتصاص دماء البشر عبر العالم ، و ذلك بواسطة أحط ما تفتّق و يتفتّق عنه الدافع البشريّ المريض و البدائيّ في الأنانيّة الدّفينة بهامش لغة الوجود ، لتشكّل بديلاً كلّيّاً في معايير تطوّر الانتباه النوعيّ الذي يجعل من “الغاية” هدفاً حقيقيّاً للممارسات و الإدراك و المعرفة و العلوم.
2▪︎ و من دون العناية المعاصرة الواهمة بالمحفوظات التي تعتقد بنظام دوليّ ، كما يُسمّونه ، يمتلك أو يتمتّع بأيّة صفة من صفات “النّظام” ؛ فإنّه ينشأ في عالمنا المعاصر اليوم حالة من حالات الهذيان البشريّ الذي يتوزّع على الجميع بنسب مختلفة و كلّ بحسب موقعه في مراتبيّة التّأثّر أو التأثير.
3▪︎ نفهم ، جيّداً، أولئك “الغلاة” الذين يُحبّذون تسمية الأشياء بغير أسمائها طمعاً بإحداث الجديد من الأوهام ، في ممارسة استيهامات ثقافيّة ، هدفها المعلن و غير المعلن تنصيب أنفسهم كأساتذة على المولعين بنقص في التكوين التأهيليّ لعمليّة الإدراك ، في ما يتمنطق هؤلاء بما يُصدّر أولئك من “نظريّات” و أفكار ، هدفها إشغال البشريّة و إلهاؤها عن الحقيقة اليوميّة ، الممارسَة بأساليب بدائيّة من الفوضى التي تُنتج ذاتها و تضبط نتائجها بنفسها ، في عملية عالمية انتخابية “تُصاب” بالتّوازن الأخير إصابة الإنسان ب “الموت”!
4▪︎ يشهد على حديثنا كمّيّة “الحروب القذرة” التي قامت في التّاريخ و المستمرّة بتفاقم إيقاعيّ متصاعد و متنامٍ حتّى عصرنا هذا ، و التي تؤسّس لمستقبل من العنف ، قادم ، ربّما سيجعل كلّ ما نتحدث عليه اليوم من “عنف عالميّ” مجرّد تحضير و إعداد تجريبيين ، من أجل النّموذج المقبل من تلك الأشكال من الحروب التي لا يمكن تصورها اليوم ، سوف يشهدها العالم اعتباراً من منتصف القرن الواحد و العشرين على أبعد تقدير ، كما تشير مخطّطات الهندسة الاستراتيجيّة لصناعة السّلاح و تمويل هذه الصّناعة ، لجعلها تختلف جذريّاً عن كلّ ما عرفناه من الأسلحة حتّى هذه اللحظة من الزّمن.
5▪︎ لقد انقسم العالم فعلاً إلى قسمين منفصلين لا يرتبطان ، في الحقيقة ، بأيّ رابط فعليّ ؛ و أعني بين أصحاب المعارف الكبرى الذين يُريدون بالعالم مكاناً ل “الفكرة” ، و بين أولئك الذين ينشطون و يعملون بعكس ذلك الاتّجاه ، مع أنّهم لا يوفّرون فرصة في استثمار أيّة فكرة تخدم مشاريعهم الغوغائيّة ، فيستلبونها من أصحابها من أجل إضافتها إلى سياق مشروعاتهم المسعورة في التهام البشر و خنق الشّعوب ؛ فإذا بالفكرة نفسها تُفصح عن قابليات في تغيير مساراتها و انفصالها عن أرومتها المعرفيّة أو العلميّة ، لما للفكرة من طاقات معروفة و أخرى غير متوقّعة في إمكانيّاتها ، لإحداث الفارق التّاريخيّ في المعرفة و المعرفة العلميّة و الثّقافة و السّلوك و الأخلاق.
6▪︎ من جانب ثانٍ ، يُميّز هذا الانقسام وجهٌ آخر للتّمايزات البشريّة اليوم . ففيما تستأنف الشّعوب رحلتها المتعثّرة في وجوديّة كارثيّة و مُتعِبة ؛ و هذا أقلّه ؛ فإنّ ثمّة طبقة عالميّة تضمّ فيها جنساً من البشر المختلفين في التّكوين الشّعوريّ و الأخلاقيّ ، بحيث يظهرون كطبقة منفصلة عن الواقع ، بما هو هذا الواقع مأوى للبشريّة و الكمّ السّاحق من تعداد سكّان هذا العالم ، ترعى شؤونها الخاصّة بوصفها انفصالاً نوعيّاً عن الإنسانيّة ، تُجسّد مصالحها الشّهوانيّة في هذا العالم ، مع كلّ ما يعنيه الأمر من ممارسات غير حسّيّة و غير شعوريّة و غير أخلاقيّة ، في الوقت الذي تخلع تلك الطّبقة الانفصاليّة على ممارساتها و أهدافها صفات و أردية أيديولوجيّة و قوميّة و وطنيّة – و ربّما ، إنسانيّة، أيضاً! – متحدّيّة في ذلك كلّ قانون إنسانيّ أو أخلاقيّ ؛ فإذا بها فئة غريبة عن عالمنا المعروف بالعالم البشريّ ، و غريبة ، كذلك ، عن كلّ الثّقافات المعروفة ، فيما كان ( ماركس ) أعظم من توقّع هذا الشّكل من “العالم” في مرحلة “الطّور الأعلى للرّأسماليّة العالميّة” في شكل “الامبرياليّة”.
7▪︎ في جوهر “الإمبرياليّة” المعاصرة ، فإنّه يلتحق بها ركبٌ جديد من القاصرين و العاجزين في “العالم” ، كأفراد و زعماء سياسيين من الشّعوب الطّرفيّة في “الحظيرة الدّوليّة” ، يتغرّبون و يغتربون عن شعوبهم ، ليتحوّلوا إلى “مُلحقات” و أدوات و أدوار هزيلة في فوضى العلاقات الدّوليّة ، يتسابقون ، في تنافسيّة مُريبةٍ ، لينالوا صفة التّابعين الذّليلين في فَلك الإمبرياليّة ، في الوقت الذي يَصيغون فيه تسويغاتهم و تبريراتهم الضّمنيّة كمهارات تفوّقيّة و مختلفة تمكّنهم من النّظر إلى أحطّ و أقبح ما يقومون به على أنّه حسن.
8▪︎ و جوهر “الإمبرياليّة” المعاصر ، فيه الكثير من الاحتقار لهؤلاء ، من جهة أنّها لا تقبل في صفوفها من التّابعين الجدد ، إلّا ذلك النّوع من القوى و الأفراد الذين لا يتميّزون بأيّة ميزة سوى تلك التي تجعل منهم “مُبدعين” في المهانة الأخلاقيّة التي تدفع بهم ، أوّلاً ، إلى أن يمثّلوا ، بالنّسبة إلى شعوبهم ، أدوات قمع و تخريب و حرق و تنكيل و تشويه ، و قتل للشّعوب و للأرواح الآدميّة التي حوّلوها في السّياق إلى مقابر يَشيدون عليها قُصورهم (السّكنيّة) ، كما يُفصحون فيها عن “قصورهم” التّكوينيّ الذّاتيّ ؛ و هو ما يجعلهم مقبولين كمسنّنات في العتلة الإمبرياليّة هائلة الضّخامة و شديدة الظّلاميّة و كثيرة الظّلم للأفراد و الأشخاص و الشّعوب.
9▪︎ في هذا المناخ الأسطوريّ من تبادل و توزيع القهر البشريّ الذي شكّل و يشكّل فائضاً من الظّلم و المظلوميّة الإنسانيّة ، تنتعش أسوأ ما في الدخيلة البشرّية من مساوئ و انحطاطات و بقايا من الذّاكرة الأوليّة البدائيّة ، بما حوت من استئثار ذاتي و لكن على نحوه المختلف الآن ، بحيث بات صادرا عن الأنانيّة و الاحتكار في ما كان يقوم على الخوف و القلق في نفسنا البدائيّة ذات يوم ، عندما رافقت الإنسان في بدايات هذا العهد من الحضارة البشريّة التي نسير في ركابها اليومَ ؛ و في الوقت نفسه يعمل هذا المناخ الثقافي الحضاري المشوّه ( و المشوِّه ) على توزيع الانتباه الإنساني و تشتيته القهري في مجرى التشرذم الفرديّ ، في خضمّ الصيغة الاجتماعيّة التي تبدو واسعة و رحبة مع أنّها تتقلّص باستمرار.
10▪︎ و بازديادٍ متسارع اليوم ، تجري على قدم و ساق العمليّات الاستباقيّة للحروب من امتهان لكرامة الإنسان و تحديد مصيره ، في بوتقة الاضطهاد المزري للوجود الاجتماعيّ في إطار تجريد الصّيغة الاجتماعيّة لكلّ قابليّاتها ، من الذّود عن ذاتها المجتمعة على أهداف نبيلة ، لتجعل منها محتوى بائساً من القَحْل المرير ، تمهيداً لاجتياحات عنيفة تجعل من بيئة العالم واحة من الخراب الذي يزدهر في البؤس و التّفتّت التّكويني للإنسان ، ليتبعه التصاقٌ بالأوثان المُستحدثة من العمالة و الجاسوسيّة ، و عبادة المال المشبوه ، هذه المكمّلات التي تحوّل بيئة الدّول المعاصرة إلى بيئة حروب مزمنة ، تؤسّس لعالَمٍ ملتصق بالوهم و الخوف و فقدان غاياته الأساسيّة في تحصيل المعرفة و الخير و الجمال و الفضيلة و العدالة و الحقّ و الكمال.
11▪︎ يحتلّ هذا المشهد جميع دول العالم اليوم بتحويلها إلى مجتمعات خائفة و جاهلة ، و لكنّه يُمعن في ذلك أكثرَ فأكثرَ في الدّول الضّعيفة و الهامشيّة ذات البنية التّاريخيّة المتواضعة و المحدوديّة في القوّة و البنيان ، التي يحوّلها هذا التّصميم المعاصر في التّخريب إلى مجرّد شواهد على مصائرها المهدورة ، عبر استباحات قذرة ، مسعورة و متوحّشة ، بدءاً بصيغتها الآدميّة و انتهاءً بالوجود.
12▪︎ في هذا التّناقض المتفاقم بين الفوضى و النّظام ، يُحاول ضابط الإيقاع العالميّ تحديد مصائر جميع الدّول العالميّة اليوم بما فيها من بشر و مجتمعات و أمم و مقدّرات ، بالمزيد من الحروب التي أصبحت تبدو قدراً و لو أنّها لم تكن يوماً غير ذلك ، باستثناء أنّها اليوم تكتسي صيغة التّسارع و تبدو انعكاساتها أكثر إيلاماً بخاصّة للشّعوب و الدّول و المجتمعات الفقيرة ، و لا ينجو من ذلك سوى خونة و مرتزقة هذه الدّول و تلك البلاد ممّن هم عقدوا “العزم” الذّليل على التّخارج النّسبيّ لوجودهم من آثار هذه الحروب.. ومع ذلك تبقى نجاة هؤلاء مؤقتة وظرفية.
13▪︎ لقد أطنب وهم “الفكر” الجديد المُستحدث مع الحرب كثيراً ، حين بات يُردّد المصطلحات السّياسيّة المعاصرة التي أنتجتها الحروب و ظروف الحروب ، و تلك التي تُحضّر للحروب و أصحاب الحروب و أصحاب المصالح بالحروب ، من مفاهيم اعتباطيّة مختلفة مثل “الفوضى” و “النّظام” و “النّظام الدّوليّ” و “النّظام العالميّ” ، متجاوزين في ذلك الحديث الوصفيّ ، الضّروريّ أحياناً ، و المتعلّق بتحديد ما يُريد أصحاب هذه “المصطلحات” منها ، على سبيل التّنوير و التّثقيف ، و حسب ، دون أن ينطلي على الفكر السّياسيّ وهمُ كذبِ هذه المصطلحات ، و التي لا تعدو في مطلق الأحوال على كونها تمويهاً للحقيقة العالميّة الأخيرة التي نعيشها ، و المتمثّلة بالخراب المعاصر و التّخريب و الدّمار و التّدمير من دون أيّ رادع أو خجل أو حياءٍ ، أو حتّى، تصوّر ما ، مُحدَّدٍ ، حول مستقبل تطوّرات هذه الصّيغة اللاهثة اليوم في سبيل القتل و الإخضاع و السّرقة و النّهب ، في ما يُسمّونه زيفاً ، أيضاً ، ” الفضاء الجيوبوليتيكيّ ” للدّول و ” الفضاء الجيوسياسيّ” و ما شابه ذلك من خزعبلات تصلح للمتثاقفين المتعلّلين بمحدوديّاتهم ، الذين تركوا أمر عقلهم يقوده “الآخرون” لإنتاج الأفكار ، فيما وظيفتهم تحدّدت بالحفظ و التّرديد و الاستهلاك الفكريّ لمنتجات ضارّة بالحقائق الواقعيّة ، المجتمعيّة و الدّوليّة ، و ضارّة بتعليمها للآخرين ، و هو الأمر الذي يصبّ مباشرة في خدمة هؤلاء أصحاب الإنتاج الذين يُنتجون “التّفكير” – دون الأفكار – و طرائقه في تحديد حادّ و مغلق لكيفيّاته و مطاليبه و متطلّباته ، في “انضماميّة” حولاء إلى الإسهام السّلبيّ للذّات في ما يُريده “الآخر” لنفسه ، فيما يشكّل هذا إضافة عامدة و جاهلة لإفقار “الذّات”.
14▪︎ هذه هي طبيعة أخرى و ملازمة ل “الحروب القذرة” في حاضرنا العالميّ ؛ و لكنّ أهدافها الخطرة ، و الأكثرُ خطورة ، هو جانبها التّأسيسيّ لتجهيل العالم المعاصر بنفسه التّاريخيّة عن طريق استهدافها لأكثر المناطق في الأرض ، كانت رافعة لحضارة العالم و التّاريخ .
و تعمل آلة الحرب المعاصرة بذلك على حذف الذّاكرة النّفسيّة للشّعوب و المجتمعات ذات القيمة الحضاريّة التّأسيسيّة الموغلة في القدم ، لئلّا يكون لها بعد ذلك سبب من أسباب الوجود بكلّ المعاني و الأبعاد الممكنة ، و لو، حتّى ، وصل بها الأمر إلى القضاء على هذه الشّعوب و المجتمعات قضاءً نهائيّاً و مادّياً ، وجوديّاً بالحرف الواحد ؛ هذا و لقد كان لآلة هذه الحرب البدائيّة أخلاقيّاً ، كما هو معلوم عند الجميع ، أشكالٌ و تجارب شهيرة في التّاريخ من حذفِ شعوبٍ و حضارات بمجملها عن سطح هذه الأرض.
15▪︎ لا يستقيم الهدف الأكبر لمقاولي الحروب في العالم ، و هو التّمتّع بالانفراد بالسّطوة النّفسيّة ، من دون إذلال الآخرين في كلّ مكانٍ في الأرض ، و بخاصّة في أمكنة جذور الحضارات التّاريخيّة على هذا الكوكب ، و حذف هذه البنية الحضارّة العالميّة التي تُحافظ على القيم الأنبل في العالم باعتبارها مؤسِّسةً للمعرفة و العلوم و العقائد و الأديان و الفلسفات و النّبوءات.
و يجري على هذا من هو في عداد أولئك “المقاولين” من أبناء الجذور الحضاريّة الأولى عندما ترتبط مصالحه بمصالح أولئك ، و ذلك عندما يخرج الأبناء العاقّون للحضارات العريقة و الأكثر عراقة في الزمن ، ليلتحقوا بركبِ الفوضى المذلّة المعاصرة في سبيل المحافظة على “مكاسبهم” الزّائلة.
و في نظرة عجلى إلى مشهد منطقتنا كساحة حروب تاريخيّة لم تنطفئ ، نشهد واقعاً يُمثّل و يشخّص ما ذهبنا إليه من تجريدات تليق بالفكر قبل أن تليقَ بالسّياسة ، و هذا عندما ينفصل الفكر عن السّياسة كما هو الأمر حاصلٌ في واقعنا المباشر ، أو تتخلّى السّياسة عن الفكر ، أو ينسحب الفكر من واجباته السّياسيّة ، ليتركَ السّاحة لأصحابها ، كما هو حاصل اليوم ، من جماعات ” العرضعالجية ” التّجريبيين و غير المُلهَمين ، و “المثقّفين” المتورّمين بسرطانات قاتلة ، و نفر من الإعلاميين المنتفخين الذين يرون في أنفسهم “نَدرة” تاريخيّة في وسط من الخواء العقليّ الضّارب إلى البلاهة و العته و سوء النّهايات و سوء المصير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى