ليبيا.. من الذى جعلها خنجراً فى خاصرة مصر؟

بقلم : محمود الكومي*

 

لحظة أن ثار التراب الليبى , ينفض عنه بقايا الحكم الرجعى , وقواعد الأستعمار البريطانى والأمريكى , برقت عيون جمال عبدالناصر وفارق الكرى جفونه ولم ينم , فَظَهرُ مصر الغربى , كان مكشوفا حين تلقى الضربات من قواعد الاستعمار فى ليبيا آبان عدوان 1967- وهانحن الآن فى الفاتح من سبتمبر 1969فى أتون حرب الأستنزاف , وتأمين ظَهرُ مصر الليبى يجب أن يُصان حتى لايتم أجهاض انتصارات القوات المسلحة فى هذه الأثناء.

فى التو . كان فتحي الديب على أرض بنغازي بأمر من جمال عبدالناصر في مهمة مكونة من ثلاث كلمات‏:‏ حماية الثورة الليبية‏..‏ ولم يكن الأمر شفهيا او نظريا، فقد وضعت وحدات عسكرية مصرية تحت تصرفه بالقرب من السلوم تتزاحم فيها المدرعات والطائرات، وتبدو فيها كتائب المشاة والقوات الخاصة علي أهبة الاستعداد‏..‏ .
أصابع المخابرات الأستعمارية والصهيونية تلعب على اوتار الشرعية تحاول أن تعيد الملك السنوسى بالقوة الى حكم ليبيا , وأجهاض ثورة الفاتح فى المهد , لكن رؤية عبد الناصر الثاقبة أجهضت المؤامرات , وطار مندوب عبد الناصر الى سويسرا واقنع الملك السنوسى بالمجيىءالى مصر ’ بعد أن حقق له كل طلباته، وأقام الرجل فى قصر بالأسكندرية , وأمنت ثورة الفاتح فى ليبيا من مؤامرات الاستعمار..
صارت ليبيا عمقا استراتيجىا لمصر فى حرب الأستنزاف وحرب أكتوبر 1973 وغدا ظهرها فى مأمن من شرور قادتي امريكا وبريطانيا فى ليبيا بعد أن طردا منها وصار كل منهما فى خدمة المعركة مع أسرائيل .
رؤية أستراتيجية للزعيم ناصر تدرك مكامن الأمن القومى المصرى والعربى ومساعدة حركات التحرير , ومقاومةالقواعدالأجنبية على الأرض العربية .
جنح السادات الى أسرائيل ووقع معها كامب ديفيد , فصار العدو صديقا . وليبيا الشقيقة العربية وظَهرُ مصر وامنها من الجناح الغربى وعمقها الأستراتيجى غدت عند السادات من الأعداء , وشَنَ عليها بعض الغارات ,وتلك كانت بداية الضوء الأخضر , لأمريكا والغرب و الصهيونية , لينفردوا بليبيا الثورة ويفرضوا عليها الحصار ويحيكوا ضدها المؤامرات لحظة أن تخلت مصر عن دورها الأقليمى العربى , لحكام السعودية والبترودولار – ورغماً عن ذلك احتضنت ثورة الفاتح مليون مصرى على اراضيها , عرفاناً لدورجمال عبد الناصر.
لم يدرك الجميع بعدعبد الناصر أن حدود مصر الغربية بطول 1115كم هى أمن قومى مصرى بأمتياز ، وأنه يجب أن تكون القيادة الليبية فى تناسق وتناغم مع الحكومة المصرية , وعلى مصر أن تعقد من الأتفاقيات مايصون ويحمى حدود مصر الغربية وحدود ليبيا الشرقية من أجل أمن البلدين والأستقرار, بما يمنع تدخل أى قوى خارجية خاصة فى الشأن الليبى .
بيد أن العجب العُجاب ظهر جليا حين بدا المجلس العسكرى الذى تولى أدارة مصر بعد خلع مبارك ومن بعده الأخوان تهديد الأمن القومي المصرى , لحظة مشاركة مصر دول الخليج قرار وزراء الخارجية العرب الذى اعتمدوه اثر اجتماعهم الطارئ بالجامعة العربية بالقاهرة طالبين “من مجلس الامن تحمل مسؤولياته ازاء تدهور الاوضاع في ليبيا، واتخاذ الاجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي فوريا,بما يؤكد أن فرض منطقة حظر جوي على ليبيا يمهد الطريق لتدخل عسكري خارجي في هذا البلد , وهو ما استغلته بالفعل أمريكا وفرنسا ودول حلف الناتو التي شاركها طيران سعودى وقطرى وأماراتى فى تدمير البنيه التحتية فى ليبيا , وسرقة النفط الليبى وقتل وجرح ونزوح غالبية الشعب الليبى – بل الأدهى أنه تم الاعتراف بالمجلس الانتقالي ، ووضع علم الاستقلال الليبي بديلا عن العلم الحالي”.
لقد كان هذا المجلس مشكلا من قوى عميله للاستعمار والصهيونية ظلت مرابطه خارج ليبيا تحيك المؤامرات انتهازا لفرصة مواتيه تجلسها على عرش ليبيا من القوى الاستعمارية ,كما أن نسيج المجلس الانتقالى مغزول بخيوط التنظيمات الارهابية، وجماعة الأخوان المسلمين فيه لها الأغلبية .
من جماع ماتقدم يتضح ان رؤية من أدار مصر بعدمبارك هي رؤية قاصرة لم تدرك حقيقة الأمن القومى المصرى ’ بل أنها استباحت هذا الأمن وساهمت فى أشعال الحدود الغربية المصرية , وجر قوى ارهابية الى ليبيا حيث الحدود مع مصر, بل والسماح لقوى الأستعمار القديم والجديد أن تعود الى ليبيا من جديد ,تستعيد قواعدها المفقودة لتلهب ظهر مصر الغربى بنار مؤامراتها ,وتعكير صفو كل مصر من غربها الى شرقها .
أنقسمت ليبيا وتشرذمت بين حكومة عميله للغرب الأستعمارى فى طرابلس – معترف بها دوليا – وبرلمان بنى غازى الرافض لتلك الحكومة تعضده قوات من الجيش الليبيى يقودها خليفة حفتر العميل الأمريكى الذى فكت أسره المخابرات الأمريكيه من تشاد , وصنعته من جديد ليقود ليبيا لحظة أنهيار حكم القذافى .
فى جميع الأحوال صارت الحدود الغربية المصرية يجافيها الأستقرار ، وفى كثير من الأحيان تشتعل بالنار، ذلك كله من جراء صناع القرار الذين لم يدركوا الأخطار وتماهوا مع قرار مجلس الجامعة العربية لوزراء الخارجية بشأن ليبيا , بسبب عمى الألوان وأنعدام الرؤية الأستراتيجية التى سبق وتحلى بها الزعيم ناصر.
الحكومة المصرية الحالية أختارت أن تعضد قوات حفتر خاصة وانها على خط التماس مع الحدود المصرية لكن الرؤية البعيدة المدى وعلى فرض سيطرة حفتر على كل التراب الليبى , فأن ولاء حفتر للامريكان سيعيد قاعدة هويلس الى الآذهان بما يؤرق ظهر مصر من جديد ,لهذا ولأنها قد تركت سوريا لعبث أردوجان وسوريا هى أمن قومى مصرى ’ لذا تشجع أردوجان على ابرام معاهدة دفاع مشترك مع حكومة السراج فى طرابلس الغرب .
لو كانت الخارجية المصرية على رأسها الدكتور محمودفوزى أو محمود رياض لأنجزت الدبلوماسية المصرية المصالحة الليبية , ووحدت الرؤى بين الشرق والغرب الليبي، وقطعت الطريق بذلك على اردوجان في أن يجدله موطىء قدم على الساحل الليبي وبالقرب من حدودمصر الغربية – لكن الدبلوماسية المصرية فى زمن سامح شكرى تفتقد الى المبادأة والجسارة , وتنتظر أفعال الآخرين لتصير ردود أفعال سلبية – كما هو الحاصل فى موضوع سدالنهضه الأثيوبى – سرعان ماتتبخر فى الهواء .
لكن يبقى لجيشنا المصرى البطل قدرته فى جميع الأحوال على أن يصنع الفعل دون أنتظار للآخرين ، حماية لحدود مصر الغربية من كل أنواع الأرهاب الأردوغانى أو الأمريكانى أو الصهيونى , بل وأن يصون كل التراب المصرى من أى عدوان ، ويطهر البلاد من دنس الدواعش والأخوان , ويطرد الصهاينة من قدس الأقداس.
محمود كامل الكومى
كاتب ومحامى – مصرى

البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى