خطأ حشر الدينِ في تطبيق القومية و العلمانية
بقلم : د . بهجت سليمان

1▪︎ عندما يقال بأن اعتماد العلمانية سوف يصطدم فكريّاً بالترابط بين القومية العربية و الدين.. وأن هذه اشكالية تحتاج إلى حلول.. وأننا نحتاج إلى فكر جديد و طريقة تفكير مختلفة.. في مقاربة المسألة .. فإن ذلك يستدعي التصويب و القول بأن :
2▪︎ مشاعية و عالمية الثقافة اليوم تصطدم بمجازر تستهدفها بدراسةٍ و ممارسةٍ و تنظيم و تنظير ، ليس أهمها الاعتداء المسلّح بالجهل على مضمون أو مضامين الثقافة في كياناتها الرسميّة أو الاتفاقية ، و ليس آخرها تنطح الهواةِ على اختصاصات الفلاسفة و المفكرين و قادة الرأي و الساسة و منظِّري السّياسة و الفكر السياسيّ المعتبرين في الواقع و في التاريخ.
3▪︎ أمسى عصرنا اليوم، “عصر الفوضى” المنظّمة ، التي لم نأخذ نحن منها سوى الفوضى و اختلاط المفاهيم و النظريات و الانطباعات الغائمة على أفكار و مقولات و مفاهيم و نظريات و حقائق و تجارب ، غنيّاً و حافلاً بهزالاتٍ تكاد تكون صارت ثابتة يقينيتها العملية و قوّتها التطبيقيّة ، بإثبات نجاحها و فاعليّتها على مرأى و احتقار من قبل جميع أمم و مجتمعات و دول العالم التي سبقتنا بعصور و عصور و أجيال و حضارات ، نقف أمامها وقفة الخنوع و التبعية و الدونيّة ، و نتسابق للتّعلّم السّطحي منها ، و الاستفادة المبتورة من منجزاتها ، و اقتفاء آثارها بانتقائية سرّيّة و تلفيقية و ترقيعية و همجية و رعونة و “محدوديّة فلّاحيّة”.. و “جلافة رعوية” في كلّ غفلة و صحوة في التاريخ.
4▪︎ ” الثّورات الحضارية ” ، كما عاصرناها في العالم و في الكتب ، لم تكن لتتجزّأ بانتقائيّة مزاجيّة تتْبعَ تقاليد و أمراض الشّعوب المهزومة حضارياً ، و إنما باعتماد منهج “الحريّة” الشّاملة القائمة على تفعيل مبدأ الإرادة الاجتماعية و السياسية إلى حده الأقصى الممهور بالإيمان بروح الشّعب الحيّة ، الذي يُبدع النظريّات و الأفكار و يُطورها و يتجاوزها هي نفسها في الممارسة و التطبيق.
5▪︎ نحن نخطئ كثيراً و نجافي الحقيقة و الواقع إذا تصورنا أن الثورات الحضارية هي نتيجة رد فعل على ظرف أو واقع قائم أو حالة مستعصية تحتاج إلى خلخلة و انفراج.
الثورة الحضارية فعل تراكم وجداني و معرفي و ثقافي و “فوقي” تظهر مقدّماتها في التّنظير الملح و الصادق من قبل أناس سبقوا عصرهم و كانوا رواداً في الحاضر و فاتحين للمستقبل ..
و ما أداة الحريّة في الثورة الحضارية الشاملة سوى تلك المتمثّلة في طبقات و فئات شعبية أدركت موقعها المتخلف و المجحف حضارياً ، و أرادت أن تغيّر مُستلهمة أفكار التغيير ، باحثة لها عن موقع في خريطة العدالة الاجتماعية و تساوي الفرص أمام جميع القادرين.
و بالمقابل فثمّة من الفئات الاجتماعيّة المنظوميّة و الهيراركيّة من هم لهم المصلحة المستمرة و الأبدية ، إن استطاعوا ، في أن يجعلوا محيطهم البشري في أدنى درجات بهيميّته على إيقاع معتقدات كاذبة ، و بتشغيل أحطّ ما عند هؤلاء من أسلحة هوجاء لمعاداة “الفكرة” ، التي هي وليدة العقل الإنساني الذي جعله الله سفيراً له في الإنسان ؛ و ذلك ليجعل “الأسياد” الهزليين في مواقع التحكم المُحكمةِ خنقاً على رقاب البسطاء الذي تأخذهم ، عادة ، أقاويل “العيب” و “الحلال” و “الحرام”، و ليست هي من ذلك بشيء.
6▪︎ يخلط ، عادة، و بقصد و غرض و هدف و غاية ، هؤلاء “الأسياد” المزوّرون ، أمام عامة الناس و أمام كثير من المثقفين الذين لم يتمايزوا عن العامة بطرائق تفكيرهم أو بغبائهم أو بارتباط مصالحهم ، مباشرة، بمصالح “الأسياد” ؛ يخلطون بين ” العقيدة ” ( الإيمان ) و بين “العلم” أو “المعرفة” الإنسانية و الفلسفات المؤسّسة لها ، و التي جاءت ، كلها ، وظائفها ، عبر الإلهام الإلهيّ الذي يحدب بطبيعته على الإنسانيّة و يُلهمها طرق الانعتاق.
و على رغم ذلك ، فما يزال بعض البشر من العامة و الخاصة و ملحقاتهم من المثقفين ، يُفاجئون الشّعوب الطّيبة بتهويلات و إرهابيات و تكفيريات و “أصوليات” و “سلفيات” و مُنغَلقات عقلية تُعمي البصيرة و البصر ، بمضامينها التي صارت بديهيّات في الرّعب من “الحضارة” التي تتقدم و تكاد ، وشيكة ، أن تكنس هؤلاء و أولئك من دربها ، حيث مجرى التقدم البشري هادر الأفكار و المؤونة و الأفعال و الأشياء ، و مُدمّر لمن يُخالفه أو يعترض عليه.
7▪︎ و سِيان إن كان الخلط المقصود أو الغبيّ غير المقصود ، أو كلاهما معاً ، هو ما نعاصره اليوم في أمرٍ كنّا خضناه في مناسبات لا تُحصى ، و قد اتّصل في حينها أو في أحيانها بمفاهيم أخرى من مثال قبيل إثبات البديهيّات كمفهوم “عروبتنا” المُطلَقَة أمام من يُريد التعري الكامل أمام الحقيقة و قوى الحضارة الوطنية المعاصرة في عالم اليوم ، بعد أن باشر ، للحقّ ، مشروع التعرّي و العريّ ، إذ راح يخلع عنه ثيابه القومية في غابات العراة ، فيعلن أنه “سوريّ” فقط !! ، قبل و بعد كل شيء ؛ و هذا ما لا معنى أو قيمة له على درج الارتقاء.
8▪︎ و إذا كان النّاس “يعتقدون” بتأثير العاطفةِ لا بتأثير “الدّليل”، وفق ( باسكال ) ، و بتأثير تجارب و خبرات شخصيّة محضة أخرى مقصورة الأثر و المفعول على أصحابها من “المؤمنين”، في إطار ” الدّين” ؛ فلأنّ ” الدّينَ” ممارسة وجدانيّة خاصّة و شخصيّة تتخلّلها عبادات و طقوس و عادات و سلوكات فردية ، قلّما تقبل التّعميم و التّأطير في منظومات عامة “صادقة” ، بدليل أن طرائق الإيمان عند البشر مختلفة و متنوعة و لا جامع فيها سوى العبادة الإلهيّة ، التي تتنوّع هي الأخرى بحسَبِ التّصوّرات الفرديّة و الشخصيّة حول “الله” و ما يتّصل بمبادئ الإيمان من صنوف و ألوان تتعدّد بتعدد “المخلوقات”.
فالدّين ( و بالأحرى ” الإيمان ” ) ليسَ ” مؤسّسة ” تنموية أو نظاماً وضعيّاً تحدّده القوانين الوضعية و الدّساتير السياسيّة و القرارات الرسميّة و المراسيم و اللوائح التنفيذية و الأوامر الإداريّة في معرض إجراءات التّطبيق.
الدّين علاقةُ حرّيّة خالصة بين الخالق و المخلوق ..
هذا ، ناهيكَ عن الممارسات الفرديّة للدّين و الطّقوس في الأبعاد القيميّة التي تتباين بين الأفراد ، حتّى لَيبدو للمراقب الحيادي الموضوعي و العادل أنّ لكل شخص من الأشخاص “دينه” المختلف عن “أديان الآخرين” ، على رغم ما يجمع الكثير من “الأديان” و طرائق “التّديّن” من العنف و التّنمّر ، و حسب ، ذلك الذي يوجّه عادة إلى غير “المتديّنين” ؛ و بالمقتضى إيمانه أيضاً و طريقة أو طرائق هذا “الإيمان”؛ و هذا إذا تجاوزنا بعض الاتفاقات و التّواضعات الشخصيّة التي تجمع زمر المتديّنين في بعض الطقوس الظّاهريّة ، التي لا تدخل عادة في صدقيّة “الإيمان” أو الإخلاص في “الدّين” و “التّديّن” الفرد يّ، بحسب ما يُشاعُ، عادة، من مقتضيات “الإيمان”.
9▪︎ تاريخيّاً، و عندما أخذ “الدّين” شكل “المؤسّسة” الاجتماعيّة و السّياسيّة ، و أحاط نفسه بمظاهر “التّحريم” و “التّبجيل” السّلطويين ، لإخضاع “القطيع البشريّ” و استغلاله و استخدامه و استثماره ؛ و “القدسيّة” الانتهازيّة التي تهدف إلى الاستيلاء على طريقة القرار العامّ و التّفكير اليوميّ في مناسبات مبادلات العلاقات ، و المشاركة الثّأريّة في الحاكميّات المختلفة ..
كان من الضّروريّ أن تظهر الاختلاطات التي توحي بتقديس العاديّ و اليوميّ و ضرب أسوار التّحريم و التّكفير حوله ، لتتمكّن من إرهاب العواطف و عقول العامّة من الشّعوب ، احتكاراً لها وتسخيراً لقواها الاجتماعيّة في خدمة طبقات “اللاهوت” الهيراركيّة الصّارمة.
10▪︎ يقول (جون لوك) : “من يشك في أمور حياته العادية التي لم تؤيدها الأدلة والبراهين ، لا بد من هلاكه في وقت قصير ؛ لأنه بذلك لا يجرؤ على الاغتذاء بطعام ولا بشراب” ..
هذا مثال حيوي على “المعتقدات” و لكنّه من الأمثلةِ غير الضّارة لأنه يتناول “عادات” الحياة البيولوجيّة التي تكررت حتّى غدت معتقداً ؛ مع أنه يحمل في طياته نوعاً من التّحليل النقدي لكيفيات تكون و استمرار “المعتقدات” التي تطمح إلى مصافّ “المقدس” ، في سيرورة تكديس و تكريس المعتقد على أنه “بديهيّة” و ضرورة خالصة.
و يضيف ( غوستاف لوبون ) معلّقاً على نصّ ( لوك ) :” إن المجتمع لا يعيش بتحليل آرائه و معتقداته تحليلاً انتقادياً ، و ليس شأن المعتقد سوى كفاية المجتمع مؤونة ذلك التحليل”. [ غوستاف لوبون – المعتقدات و الآراء ].
فمن أكثر الأمور إشكالية و أعقدها تكويناً و أصلبها مقاومة ، هو مواجهة “المعتقدات” على مختلف مضامينها ، لاهوتية كانت أم يومية ، و محاولة التأثير بها ، ناهيك عن مقاومتها الموضوعية التي غذّتها العهود و العصور.
و غالباً ما يحتلّ ” المعتقد ” ، كآليّة نفسية ، مفاهيم أخرى و يختلط بها نتيجة صناعات “المؤسسات” التي ذكرناها أعلاه ، لنجد تلك المفاهيم و قد تقعّرت و تشوّهت و تحدّبت لتكون موائمة لطبيعة و روحانية المعتقدات نفسها ، فتختلط بها ، ليصبح من الصعب فصلها إلى ما كانت عليه قبل هذا التداخل ، هذا إن لم يكن “المعتقد” المكوّم مع التاريخ قد أخذ مكان “المفهوم” نفسه و حلّ محلّه.
هنا نحن أمام أكبر تشوّه يُصيب “المفاهيم” و يلغيها و يُظهرها بمظهر غير المشكوك فيه و غير القابل للنقاش.
إن التّقدّم الذي أصاب البشريّة ، و هي ما زالت ، و ستبقى ، تعتاش عليه و تغتذي من ضرعه ؛ لم يكن ليحصل في العقول المبدعة و المجتمعات الحيّة التي استقبلت أفكار الفاتحين ، لولا أنه تمّ الفصل بين “المعتقدات” و بين “الحاجات الحيويّة” للثبات و الاستمرار و الانتقال و التقدم و التغيير ، الذي بفضله نما العالم المتقدّم ، و بسبب غيابه تخلّفت المجتمعات المقهورة اليوم.
11▪︎ من الأمثلة الحيّة المعاصرة التي نعيشها في مجتمعنا اليوم بوصفه نموذجاً من نماذج المجتمعات العربية الإسلاميّة ، هو تحريم “المفاهيم” ذات الطابع السياسيّ و الاجتماعي و الحيوي ، و خلطها الشّنيع بالمعتقدات ، بغض النظر عن قدسية أو عدم قدسية هذه المعتقدات ، و لكنْ التي تعمل دوماً على الظهور بثوب المقدس و صولجان “السلطان”.
و مع تقدّم الظّروف المؤهِّلةِ للتغيير الاجتماعي و السياسي في سورية نتيجة لآثار الحرب التي أعادت خلط المفاهيم و الأوراق و الأفراد و الزمر و الجماعات ، إلى الدرجة التي أصبحت فيها هذه المجموعات مؤهّلة لتتغيّر و تتقدّم ، في غالبيتها ، و تنتقل من عصر إلى عصر ، كان ثمن هذا الانتقال الكثير من الآلام و الهزائم و الفواجع و المآسي و المآثر و البطولات . كان كلّ ذلك كفيلاً بإدراك الجميع أننا كنّا و ما نزال بعيدين كلّ البعد عن “الحضارة” في أجلى مظاهرها و أعني القوة.
12▪︎ كان الضعف الذي ظهرت آثاره في هذه الحرب هو وراء معتقداتنا ، و كانت هي الأخرى معتقداتنا وراء ضعفنا هذا بالتأكيد . هكذا أكّد التاريخ الاجتماعي لهذه الحرب التي تنهي عقدها الأول و تستمرّ و ستستمرّ، من دون أدنى جدال أو أي عنت أو نقاش أو حوار.
و حيث تنطرح الأفكار النقدية بموضوعيّة حول أسباب تخلفنا و سبل تقدمنا ، و يعلو الصوت المعاصر المتحضّر الذي تلمّس آنية الظّرف الذي يجب أن يكون قد غدا مؤهَّلاً ليستوعب أفكار التغيير و مفاهيم التقدم و المعاصرة ، نجد في المقابل “حُرّاس الهيكل” الاعتقاديّ القديم ، ينبرون ليقيموا الدنيا و لا يُقعدوها احتجاجاً على أفكار “التّنوير” العقلانية ، التي ترغب في استدامة قهر البشر و شقائهم و ضراوة مرارات ظروف تخلّفهم و انهيارهم الحضاري المطلق ، و مصائرهم الدامية و جوعهم الذي لم يسمع أحدٌ به، و انطوائهم على أجسادهم الطاوية في صقيع العَوَزِ و نيران الحرمان.
و لقد كان كلّ شيء على ما يُرام لو أن مصالح أولئك المتاجرين بدماء العباد تنسجم مع أفكار التنوير و التطوير و التقدم و الانعتاق من المظالم و كل هذا الموت غير المجازي ، و لكنّهم يواجهونها ، أبداً ، بضراوة و شراسة و تنظيم لأنها تخلخل مواقعهم الاجتماعية و السياسية ، و هم السّابحون في محيطات الأموال و “التّبرّعات” و “الأوقاف” و “النّذور” و الليالي الحمراء.
13▪︎ إذا عدنا إلى مسألة المقولات و المفاهيم و استخدامها المحموم بكيفيّات زائفة ، لم نلحظ و لا نلحظ سابقاً قبل هذا العصر المدمّر من الحرب الطاحنة بهذا الشّكل من الهمجيّة و الاستغباء و الاستخفاف بالعقول و التّضحية بالأرواح ، أو بمثل هذه الرعونة و الحماقة في قلب و تشويه المفاهيم و خلط و تزوير المقولات و إقامة العلاقات غير الشّرعية بين مقولات السماء و مفاهيم الأرض ، سفاحاً ، نهاراً ، جهاراً ، بحيث يُضربُ الطوقُ على عقول البسطاء من العامّة ، فينساقون وراء “حرّاس الهيكل” الضّاربين جذورهم في “العادات” و “المؤسسات” ، فإذا بأولئك كالببغاوات يردّدون وراء هؤلاء ، الآراء و المواقف و الصّراخ ممّا هو ليس له معنى في ميزان النقد و التفكير.
14▪︎ أكدنا مراراً ، و نُعيد ، أن “الإيمان” ، و في سياقه ، أو في غير سياقه ، أيضاً ، “الدّين” أو “التّديّن” ، هو علاقة ضمنيّة تجاوزيّة و خلاصيّة فرديّة تفترض قيماً فردية و شخصية ؛ و حبذا لو كان لها بعدها الاجتماعي ، مع نَدرةِ هذه الحالات ، كما تؤكد التجربة حولنا و “الاجتماع” و “السياسة” ؛ و هو علاقة وجدانية صرفة ، من حيث الأساس ، بين “المخلوق” و “الخالق” وفق ما يتصوّر كلّ منّا ، نحن المخلوقات ، هذا “الخالق” و ينسب الصّفات و غير ذلك إليه.
فهي بهذا علاقة “متعالية” الفضاء ، مفارقة لليوميّات ، و ترانسندنتالية و تسليميّة في وضعها التّقديريّ النفسيّ لما يفترضه “المخلوق” من “الخالق”.
إلى ذلك فهي علاقة محفوفة أبداً بالأمل و هذا عندما يؤدي “المخلوق” الطاعة للخالق حسَبَ ما يعتقد كفرد أو في نظام جمعي أو فئوي أو اجتماعيّ للاعتقاد.
إنها علاقة تبقى أبداً غير ناجزة ، حيث يتحتّم إنجازها ، وفق الإيمان ، في عالم ” الما وراء “. فالإيمان أو الدين “مقولة” كلّيّة و ناجزة أصلاً و لا تحتاج إلى تجربة أو برهان أو إثبات تحفّه التجربة و الخبرة من جميع أطرافه ، اللهم باستثناء بعض الخبرات التأمليّة و الإيمانيّة التي تعزّز أو توهن طبيعة العلاقة بين “المخلوق” و “الخالق” ؛ و لكنّنا لسنا هنا في مناسبة تحليل “الدّين”.
15▪︎ و أمّا “القوميّة” فهي كما هو معروف ضرورة تاريخيّة
و سياسيّة و اقتصاديّة و ماليّة للقوة و الحضور النوعيّ ، و شعور نفسيّ و أنثروبولوجيّ ، و حاجة وجوديّة اجتماعيّة و سياسيّة ، تجمع “الأمّة” أو “الشعب” أو “المجتمع” أو الزمرة أو “الجماعة” ، إلى ضرورات المعاصرة للزّمان في المكان.
فهي “مفهوم” سياسيّ تاريخيّ نشأ بدافع وعي الضّرورة عن التّجمعات التوسّعيّة للجماعات الأولى في منافستها مع “الآخر” و استجابة لتحديات المبادلات الموضوعيّة بين الجغرافيا و التاريخ.
إنها مفهوم تاريخي ، اجتماعي و سياسي ، لا يمتّ إلى “المقولات” الكلّيّة المتعالية و المفارقة بأيّة صلة ، سوى منها ما يُعزّز تسويغ حكمة السّماء في الأرض و مباركة الله للجماعة في وَحدتها على الأهداف و المصائر.
من حيث الجوهر لا ترتبط “المقولة” بالمفهوم إلّا وفق الانطباع الإنسانيّ على قصدية البشرية و غاياتها المتكشّفة في الطريق.
فالرابط الأصلي هنا لا قيمة له ، في المنهج و البرنامج و الاستراتيجيات السياسية الإنسانيّة في “القوميّات” ؛ و يبقى أثر ذلك الرابط الافتراضي المنوه به ، و هو خاضع بطبيعة الحال للمفهوم أكثر مما هو خاضع لطبيعة “المقولة” ، أثراً احتماليّاً في تحقيق أهداف “القوميّة” السّياسيّة في بناء الدولة الواحدة للأمة أو للمجتمع ، فيعي الشّعب الواحد ، بذلك، قيمته الإيجابية الفاعلة بين سائر الأمم و المجتمعات.
و “العروبة”، كقوميّة، على هذا الأساس، هي “مفهوم” تاريخي اجتماعي و سياسيّ ضروريّ الممارسة و التحقيق في إطارٍ ما من الأطر الكثيرة المتاحة أمام الشعوب العربية من مختلف أشكال الاتحاد و الوحدة و التكامل و التنسيق ؛ و هذا أمر لسنا، هنا، في وارد التوسّع فيه.
16▪︎ المهمّ أن نقول إنّ علاقة “العروبة” بالدين ليست علاقة “عضوية” بقدر ما هي علاقة ثقافية و تجريبية و تطبيقية و ضروريّة في إطار ضرورات عصرنا هذا الذي يتحدّانا بالوجود.
هذا لا ينال ، أبداً ، من القول إن ” القرآن” ، على الحصر ، كان له دور كبير و أساسيّ و جوهريّ في الحفاظ على أهم رابط من روابط القوميّة العربيّة في إطار مفهوم “الأمة”، و أعني اللغة بالتّحديد.
و لكنّنا نتحدث في جينالوجيا العلاقة بين “المقولة” و “المفهوم” التي تُحَدُّ و تنقطع حتماً في نحو من “الزّمان” و لو كان هذا الزمان يُقدّر بآلاف و آلاف السنين.
و أمّا إذا خامرت “زمرة” اجتماعية ، أو “جماعة” منّا أو “جماعات” فكرة الرابطة التي لا تنفصم عراها بين “الدين” و “القومية” ، فذلك وهمٌ مألوف و مفهوم لسبب عام مؤكّد و مدروس و هو ” أن الجماعات لا تتعقل ، وأنها تقبل الأفكار أو ترفضها جملة، وأنها لا تطيق المعارضة ولا تحتمل المناظرة..” كما يؤكّد ( غوستاف لوبون ) [ غوستاف لوبون – روح الجماعات ]. هذا ما تؤكده كذلك العلوم الإدراكيّة المعاصرة في دراستها للطقوس و العادات و المعتقدات.
17▪︎ الكثيرون ، في الآونة، الأخيرة، و مع “ديموقراطيّة” منابر “التواصل الاجتماعي”، انخرطوا في ما لا يفقهونه أو يفهمونه و ربّما لم يكونوا قبل ذلك قد سمعوا به أو عنه ، من أفكار و مفاهيم و آراء ، و لكنْ بحدْسٍ فطريّ أشعرهم بالتّهديد الوشيك الذي يُحاصر عاداتهم و معتقداتهم و آراءهم و سلطاتهم و مؤسساتهم و مصالحهم و مراكزهم و ثرواتهم و أموالهم و وجاهتهم و مصائرهم و تربيتهم المحدودة في إطار “المقدّسات التّناسليّة” ، فشعروا بأنهم على خطر محدق جرّاء الطّروحات النقيضة الأخرى التي تتواجه عبرها الآراء و المعتقدات و القناعات و الفهوم ، من مثل طرح مفهوم “العلمانية” كإحدى صفات الدولة المعاصرة في العالم التي لا تتبنى في دساتيرها أية إلماحة من الإلماحات إلى “دين الدّولة”، مع اعتبار ما أوسعناه كلاماً و تكراراً من أن “الدّولة” ليست لها دين ، بوصفها مؤسسة أو مؤسسات ، كائناً سياسيّاً اعتباريّاً . فيما الدين أو الإيمان يتبع “الشخص الطبيعي”، الفرد ، أو الشخص البيولوجي.
18▪︎ نحن ، هنا ، أمام إشكالين إثنين في وقت واحد :
□ الأول ، هو حشر ( ” دحش “) الدين بالدولة ، و الدولة بالدين ، أو القومية بالدين أو الدين بالقومية ، على رغم أن ما قلنا عليه أعلاه من تباينات أو وشائج بين هذه الأطراف ، لا يعدو أن يكون من قبيل ” الثقافة ” الإنسانيّة التي هي اختراع ” المفاهيم ” عن طريق التمثّل الفردي و الذّاتي أو الجماعي للمقولات.
نحن لا ندري عمق و جوهرية و واقعية و أكيديّة و حقيقية تمثّلنا للمقولة في مفاهيمنا الثقافيّة ، و إلا لما كانت الإنسانية تعترضها كلّ هذه الكميّة من المشاكل و كلّ هذا القدر من المآسي الأخلاقيّة التي تنتظم السياسة و الاقتصاد و القيم و الأخلاق في العالم و التاريخ.
□ و الثاني ، هو إلحاق مفهومٍ هو ظلٌّ أخلاقيّ من ظلال مفاهيم الثقافة العالميّة الحديثة و المعاصرة ، و هو “العلمانيّة” ، بطرف من أطراف مفهوم “الدولة” الوطنيّة و القوميّة ، و هو المفهوم الثقافيّ و السياسيّ الآخر في التاريخ الإنسانيّ ؛ ثمّ اعتبار الظلّ و الجسد بمقام الروح.
19▪︎ لن ندخل هنا في “تاريخيّة” هذه المفاهيم و غيرها من “تأريخ” لا يحتاجه ، هنا ، الحديث ، مع التّذكير بأننا خضنا هذا الأمر مراراً ، سابقاً ، في أحاديثنا المتكررة.
هناك سُعارٌ ذئبيّ جائع و ملتهم يتبدّى مُفزِعاً عند طرح مسألة “العلمانيّة” و ضرورتها في صفات الدول و الدساتير المعاصرة ، التي هي كما قلنا ليست عنواناً للدولة ، بقدر ما هو العنوان “مدنيّة” الدولة المعاصرة كما طرحتْها أفكار الحداثة و التنوير.
فإذا كانت الأمة أو الدولة القومية هي أهم نتاج أفكار “النهضة” ثم “التّنوير” العالميين ، منذ بدايات ذلك في القرن الرابع عشر الميلادي ، فلقد كان ذلك بداية لعصر “المدنية” العالميّة التي وضعت دول الحضارة العالميّة في موضع المقدّمة من البشرية و في موقع القيادة من الإنسانية المعاصرة ، و ذلك مهما تكن لنا من “الملاحظات” الأخلاقيّة على شكل النظام العالمي المعاصر ، و لكنْ الذي فرض نفسه على الجميع بالقوة ، قوة الأفكار و العلوم و الأخلاق و السياسة و الاقتصاد و المال و السّلاح و التجارة و الريعية و الاستهلاك . هذا أمر لا أظنّ أنّ عاقلاً يُماري فيه.
و تأتي ” العلمانيّة ” كطراز إنسانيّ رفيع من العدالات الفكرية السياسيّة و إتاحة المساواة الأخلاقية العملية – و لو للقادرين – في “الدّين” و “المعتقد” و “الجنس” و العلاقات الشخصيّة و “الجنسية” و “الجنسانانية” ( الجندريّة ) و الاجتماعيّة و السّياسيّة – و لو نظرياً – و العرقية و القوميّة و الوطنية و الإنسانية بأعم المظاهر و الأشكال ؛ تأتي كمفهوم ثانويّ و اشتقاقيّ تابع و مكمّل لمفهوم “الدولة المدنية” المعاصرة بأنواعها “الوطنية” ( القطرية ) و القومية الواحدة و المراحل الانتقالية بين هذين الكيانين.
20▪︎ ليست “العلمانيّة” وصفة دينيّة أو وصفة معادية للدين . ” العلمانيّة” هي النّسخة الأكثر تحضّراً و أخلاقيّاً للّيبيراليّة الفرديّة التي تنجذب باتّجاه الفرديّات و الحرّيّات الاقتصاديّة و السّياسيّة ، من دون وازع اجتماعي أو أخلاقي يُميّز الدولة الحمائيّة المعاصرة.
و “العلمانيّة” بهذا هي أقصى درجات الحريّات الاجتماعيّة و الثقافيّة و الاعتقاديّة و “المعتقديّة” و السّياسيّة التي ترتّب على أصحابها ضرورات الحريّة قبل أن ترتّب عليهم ضرورات و شروط الاعتقاد أو الإيمان أو الكفر أو الإلحاد.
إنّ أصحاب طروحات أن “الإسلام” ( أو غيره من الأديان ) هو منهج حياة متكامل” هم أحد صنفين : صنف من البشر يعيشون على هامش الحضارة في الإيحاء ، و أما في الحقيقة فهم من يمصّ دماء الشعب بالأتاوات الدّينيّة و الهبات و الوصايا و التبرّعات البالغة مليارت الدولارات في عصرنا هذا ، و لهم فيها ، وحدهم ، حقّ التّصرّف على “الرّقبة” ( وفق المصطلح القانونيّ الوضعيّ ) ، من دون أن يُسألوا ، و من دون أن تدخل هذه “الحسابات الجارية” الخاصّة و الشّخصيّة تحت أيّ بند من بنود “الموازنات العامّة” للدّول الدينيّة ، و من دون أن تظهر في نهايات الاستثمار و الاستغلال و النّهب و السّرقة في “الميزانيات الختامية” لحركة الأموال و الاقتصاد ؛ و صنف ثانٍ ، هو من الأغبياء و المحدودين و الموتورين و الحاقدين و “العصمنليين” و المُهمّشين ، و لكنْ أولئك الذين يشكلون الخلفيّات الجماهيريّة الأيديولوجيّة للصّنف الأول من اللصوص.
21▪︎ العلمانيّة لا تحارب الدين ، الأديان ، لأن منطلقها و هدفها عالمي . و العلمانية هي وحدها الكفيلة بالقضاء على “العنصريات” الدينيّة القديمة و المعاصرة التي أمست أسماؤها لا تُعدّ و لا تُحصى ، و كلّها تقوم على نفي و إقصاء و إعدام ” الآخر ” ، لا لشيءٍ ، و إنّما فقط لأنه “آخر”.
” العلمانيّة ” تُلغي العنف بسبب الانتماء و الوراثة ، أو الاختيار و الاعتقاد ، هذا مع أنّها لا تزال في عالم اليوم فكرة بعيدة عن التطبيق الحقيقي بالتزام مضامينها الإنسانيّة ، و هو ما ينبغي علينا أن نتصدّى له ، نحن ، أكثر المتضررين الحضاريين من هذه الحضارة البائسة ، بأن نعمّق فهمنا للعلمانيّة و نعمل على تطبيقها اجتماعياً و سياسياً بما لآثارها الاقتصادية ( و المالية ) و السياسية و الثقافية و الاجتماعيّة من كسب للجميع.
22▪︎ يُرجع الغالبيّة أصول صكّ مصطلح “العلمانيّة” إلى ( جون لوك ) ( 1817- 1906م ) ، الذي عُرفَ على يده ، و هو الذي يُعرّف “العلمانيّة” على أنها : ” الإيمان بإمكانيّة إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق الماديّة ، دون التّصدّي لقضية الإيمان ، سواءٌ بالقبول أو الرّفض.” ؛ هذا على الرّغم أنّ هذا “المصطلح” قد كان وليداً مع “الدولة القومية” الحديثة بعد نهاية حروب الدين في أور.با ، في متضمنات صكّ مؤتمر صلح ( وستفاليا ) ( عام 1648م ).
و على أهميّة مصطلح و مفهوم “العلمانيّة” في الفكر السياسي الاجتماعي الحديث و المعاصر ، فإنّها لم تستقرّ في مضمون المصطلح معانيه الممكنة ، على الرغم من أن “المصطلح” هو
ترجمة لمقابله الإنكليزي ( سيكولاريزم ) ( Secularism ) من “العالميّة” ( من العالَم ) ، ( أو “الدنيا” مقابل “الكنيسة” ) مع جائحة “سلطة الكنيسة” التقليدية الغاشمة.
و يذهب بعض المفكرين إلى أن “العلمانية” على نوعين جوهريين : “علمانيّة جزئيّة” و “علمانية شاملة” على اعتبار التمييز بينهما هو بالدّرجة ، و أعني بالعمق و الجذرية و الشمول ، و بالحزم و الصّرامة.
23▪︎ من الطّبيعيّ أن نأخذ على محمل الجدّ “خبث” الحداثة و تضليل بعض مصطلحاتها للعامّة من الشّعوب و للخاصّة و “المثقّفين” أيضاً ، و لكن من المُعيب و من التقهقر الحضاريّ ، أن نرفض كلّ ما أتى به الفكر الغربيّ الحديث.
و لكن السؤال : ألا نتنفس هواء حضارة الغرب؟
ألا نعيش على منتجات تَقْنِياتهم الحضارية ، نحن ، كمستهلكين؟
ألا ينتظر مبدعونا وكتابنا ، الغرب حتى اليوم درجات “الشّرف” و المراتب الفلسفيّة و الفكريّة و السياسيّة و العلميّة و الأدبيّة العالميّة ، وفق درجاته ، هو ، للتصنيف ؟
ألسنا نتطبّب باختراعاتهم؟
ألسنا ، بنسبة كبيرة ، متخلّفين و ثأريين و تقليديين ونمطيين و أصوليين و تكفيريين و منغمسين في الجهل والتعصب و الذّلّ الحضاريّ و النّفاق و الدّجل و الرّياء و الدّونيّة ، إلى درجة لا يحقّ فيها لنا أن نرفض “العلمانيّة” ، كما رفضنا من قبل و نرفض “العروبة” ، و كما رفض بعضنا في التاريخ الرسول ( محمّداً ) بل و ما زال حتى اليوم يرفض ” إسلام النبي محمّد” ؟!
24▪︎و أمّا قول الجهلةِ بأنّ ” قرار العلمانيّة ، سوف يصطدم فكريّاً بالترابط بين القومية و الدين” ، فلنا أن نقول في صاحب و أصحاب هذا القول و سواه من سويّته ، إنكم لستم من ” القانون الوضعيّ” بشيء ، إذ أنّكم لا تفرّقون بين “القرار” و غيره من مصادر السيادة ، فالعلمانية لا تحلّ بقرار ، و العلمانية ليست فكراً .
و أما عن ذلك الترابط بين القوميّة و الدّين ، فلا بد لمن يتحدثون عن الأمر أن يكونوا على بيّنة من مفهوم عصر القوميّات المعاصر “ما بعدَ ، بعدِ ، الحداثة” . وإلا فلن يكونوا في موقف يحسدون عليه من فهمهم للدين ، هذا إن لم يكونوا يروجون ، فعلاً ، لأصوليّات دينيّة معاصرة بكل أسلحتها الدّامية العمياء.
وأخيرا ، ليست ” العلمانيّة ” مع ” الدّين ” ، و ليست أيضاً ضدّ ” الدّين ” ؛ فالدين مع أصحابه ، و الإيمان أولى وأجدر مع الأخيار .



