أين تقع ” الحرب الباردة ” على خارطة ” النظام العالميّ “.. ؟!
بقلم : د . بهجت سليمان

1▪لغَطٌ إعلاميٌّ و تهافتاتٌ تصريحيّة في الدّبلوماسيّة و السّياسة و تصعيدٌ جادٌّ أيضاً في الّلهجة و المفردات و المصطلحات ، و تسابق محمومٌ للهيمنة والنّفوذ ( و الوطن العربي ، و أقصى شرق أوروبّا الغربيّة مثال! ) ؛ هذا هو الذي يبدو أنّه يجعل عالَم ” الأقوياء ” ، يدخل ، اليومَ ، من جديد في استعصاءاتٍ معاصرة ، من أجل اقتسام العالم و الطّموح و النّفوذ.
و مع أنّ الذي يجري يكادُ يكونُ تلقائيّاً ، إلّا أن البعض يفضّل استخدام الذّاكرة السّياسيّة التّاريخيّة ، بدلاً من استحداث المفاهيم الجديدة التي تناسب تطوّر العالم ، باستمرار.
2▪ يُرجِع هُواة تأريخ الّلحظة ، العلاقات المتوتّرة ، مؤخّراً ، بين روسيا و أميركا إلى العام ( 2014 ) ، بعد قيام روسيا باقتحام الأراضي الأوكرانيّة ، و ضمّ ( القرم ) من جديد إلى السّيادة الرّوسيّة بالقوّة المُستترة باستفتاء شعبيّ ، ردّاً على هيمنة أميركيّة عسكريّة استراتيجيّة للنّاتّو على مشارف ( الاتّحاد الرّوسيّ ) ، بالرّغم من تهديدات أميركا و أوربّا التي لم تلاقِ إصغاءًً عند الرّوسيّ.
3▪ وكانت ( أوكرانيا ) قد أصبحت ” دولة مستقلة ” منذ سقوط ” الاتّحاد السّوفييتي ” عام ( 1991 ) ، بينما بقيت روسيا تعتبرها جزءاً من المجال الحيويّ الرّوسيّ ، على المبدأ الرّوسيّ الرّاسخ ، منذ ( ليونيد بريجينيف ) ، الزّعيم السّوفييتي الذي شقّ أو رسّخَ طريق ” الحرب الباردة ” ، بكفاية ” السّيادة المحدودة ” لكلّ من ( أوكرانيا ) و ( بولندا ) و ( تشيكوسلوفاكيا ) و ( ألمانيا الشّرقيّة ) و ( بلغاريا ) و ( هنغاريا ) ، عندما كان ( الاتّحاد السّوفييتي ) لا يزال صاحب وجود و إرادة مفروضة على سياسات الغرب.
4▪ ما يُسَمَّى ” المجتمع الدولي ” و ” المنظمات الحقوقية ” العالميّة مثل ” منظمة العفو الدولية ” أجمعوا على ” إدانة ” ما قامت به ( روسيا ) ، حينئذ ، في ( أوكرانيا ) على أنّه ” خرق للقانون الدوليّ ” و انتهاك للسّيادة الأوكرانية..
إلّا أنّ ” إرادة القوّة ” الرّوسيّة حسمت الموقف و تركت للإتّحاد الأوربّي والولايات المتّحدة فرصة أو حريّة القيام بفرض” عقوبات اقتصادية ” على ( روسيا ) ، و على أفراد وشركات روسيّة.
و تفاقمت الذّرائع ( و الأسباب ) الغربيّة ، و بخاصّة الأميركيّة ، في سياسات العقوبات الاقتصاديّة على ( روسيا ) ، بعد التّفاهمات السّوريّة – الرّوسيّة بصدد الحرب على سورية ، و سياسة ( بوتين ) الصّريحة في دعم الدّولة السّوريّة.
5▪ اعتبر رئيس الوزراء الرّوسيّ ( ديمتري ميدفيديف) بأنّ ” العقوبات الجديدة ” التي فرضتهاحينئذ الولايات المتحدة على بلاده تبلغ حدّ إعلان ” حرب تجارية شاملة ” على موسكو ..
وأضاف أن الإجراءات التي ” وقّعها ” الرئيس ( دونالد ترامب ) تبيّن عجز ” الرّئيس الأمريكيّ ” التّام ، الذي قال إن الكونغرس أهانه عندما صادق على ” عقوبات ” لم يرغب بها هو كرئيسٍ للولايات المتّحدة.
وقال ( ميدفيدف ) : ” إن العقوبات تنهي آمال تحسين العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة “.
و أضاف أن ” آثارها ستظلّ باقية لعقود من الزّمن ، إن لم تحدث معجزة “.
و حذر ( ميدفيدف ) أيضاً من ” خطوات جديدة ” ستتخذ ، تهدف – ربّما – إلى الإطاحة بالرئيس ( ترامب ) الذي وصفه بأنّه ” لاعبٌ من خارج السلطة ” في أميركا ، قائلاً : ” لقد انزلقنا إلى مرحلة حرب باردة جديدة “.
6▪ بعد توقيع ( ترامب ) ” الاضطراريّ “(!) – في 2017 – 8 – 4 – على ” العقوبات الاقتصادية ” التي فرضها الكونغرس الأميركيّ على روسيا ، أخذت الّلهجة الإعلاميّة بالتّصعيد السّياسيّ و الدّبلوماسيّ بين روسيا و أميركا ، و بدا أنّ الأمرَ ليس مرهوناً بمناسبة ” العقوبات الأخيرة ” على ( روسيا ) ، التي تصرّح أميركا أنّها تهدف أيضاً ( العقوبات الأمريكية ) إلى عقاب روسيا على ” تدخّلها ” في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة في العام ( 2016م ) لصالح ” الرّئيس “!.
كان لأوربّا مواقف متباينة من فرض العقوبات الأميركية الأخيرة على روسيا ..و لقد صرّحت ألمانيا و إنجلترا بذلك بوضوح .
فيما كان للرّئيس الرّوسي ( فلاديمير بوتين ) موقفٌ صريحٌ و مُعبّرٌ عندما قام حينئذ بطرد ( 755 ) شخصاً من العاملين بالبعثات الدبلوماسية الأمريكية في روسيا ، ردّاً على إقرار الكونغرس الأميركيّ لمشروع العقوبات .
و قال بوتين : ” انتظرنا على مدى وقت طويل عسى أن تتّجه الأمور نحو الأفضل ، وكنا نأمل في حدوث تغيّر إيجابي في هذا الوضع ، لكنْ تبيّن أن ذلك لن يحصل قريباً ، و لذا قرّرت أنّه يجب إظهار أننا لم نعد مستعدّين لترك الأمر دون ردّ “.
7▪على أيّة حال.. فإنّ العلاقة الرّوسيّة الأميركيّة التي يبدو للبعضِ أنّها تنحدر إلى مستويات من التّناقضات و الخلافات المستعصية على الحلول ، يحكمها في الواقع عاملان سياسيّان تاريخيّان كبيران ، و هذا عندما لا ننظرُ إلى ” الأحداث ” السّياسيّة المتجدّدة دوماً في العالم ، على أنّها الأسباب الوحيدة لتشكّل مسارات الصّراعات و التّناقضات ، التي اختلفت في الأعماق عن المسارات السّياسيّة ، التي طبعت العالم بطابعها في زمن ” الحرب الباردة ” الماضية.
○ العامل الأوّل : هو اختلاف التّركيبة الأيديولوجيّة في عوامل الصّراعات و التّناقضات بين الكتلتين العالميّتين الرّئيستين ، و اتّجاهها إلى الواقعيّة و المباشرة في ” التّحدّي ” المؤسّس على عامليّ المصالح السّياسيّة ، على اختلاف مكوّناتها الاقتصاديّة و الفكريّة و الجيوسياسيّة المباشرة في استراتيجيّات التّفكير ، من جهة ؛ و على طموحات الأمجاد القوميّة المتجدّدة و المبنيّة على الشّعور بالتّفوّق.. و أصالة ” الهويّة ” ، على أساس ” الحقوق ” الوجوديّة ، و هذا من جهة ثانية.
○ و العامل الثّاني : هو التّخفّيف – وليس التحلل – من الالتزامات التّقليديّة التي تبنّاها الاتّحاد السّوفييتي ، سابقاً، في مسألة حقوق الشّعوب المضطّهدة في استعادة حرّيّاتها و نيل استقلالها و تقرير مصائرها التّاريخيّة ( مبدأ دعم حقوق الشّعوب الآيلة إلى التّحرّر في تقرير مصيرها ) ، بعد فقدان الأساس العالميّ لهذا الدّافع الذي كان يتمثّل في النّظريّة الماركسيّة – الّلينينيّة ، و هي الأيديولوجيا التي أسّست لعقيدة الاتّحاد السّوفييتي في المواجهة العالميّة في القرن العشرين.
منح الأمرُ روسيا حُريّة أكبر في التّحرّك الاستراتيجيّ المبنيّ عل أسس قوميّة حصريّة ، دون النّظر إلى متطلّبات الأعباء الأيديولوجيّة و العلاقات ” العالميّة ” المركّبة و المكلفة التي كانت تستدعيها.
8▪ هذان العاملان شكّلا أسباباً للطّموح الرّوسيّ المعاصر ، و لو أنّه ردٌّ على الطّمع الإمبرياليّ الأميركيّ المعروف كتقليدٍ في التّاريخ المعاصر.
في الحقيقة فإنّ العاملين، معاً ، يعتمدان على واقع عالميّ مُتهاوٍ أو متداعٍ ، من الشّعوب و الدّول التي غلّبت مصالحها المباشرة و الضّيقة على مبادئها التّاريخيّة ، الوطنيّة و القوميّة و الاجتماعيّة ، مع ظهور الأفكار الفارغة عن ” الحرّيّات ” و ” الدّيموقراطيّات ” و حقوق الإنسان ، و التي استطاعت أن تزرعها الإمبرياليّة الاستثماريّة العالميّة في ثقافات البلدان و الشّعوب المتخلّفة ، المتناحرة اجتماعيّاً على أساس الحقائق الفرديّة و الاجتماعيّة الضّيقة و الزّائفة!
9▪ و على رغم ما تقدّم ، فإنّ واقعيّة ” حربٍ ” باردة أو ساخنة بين العُظميين ، إنّما هي من الأمور التي يجب أن ننظرَ إليها في منظار استحالة كلّ أشكال الحرب العالميّة الشّاملة ، سواءٌ منها ” الحرب الباردة ” أو ” السّاخنة ” أيضاً.
و ما يجعلنا ننظر إلى ” الحرب الباردة ” كشكلٍ من أشكال الوهم الثّقافيّ ، الذي يعتاش عليه فئة من الكتَبة و المحلّلين متوسطي و ضعيفي المواهب ، هو واقع أنّ ” النّظام العالميّ ” نفسه ، بدا ، أكثرَ فأكثر ، أنّه محكومٌ بجملة من التّواضعات الضّروريّة و القسريّة ، و التي يُعتبر تجاهلها خروجاً من الّلعبة السّياسيّة العالميّة بأسرها اليوم.
10▪ هذا سبب آخر مهمّ لتجاوز أوهام ” الأيديولوجيا ” ، مع أنّه كافٍ للنّزعات الفرديّة و القوميّة التي ما يزال ” النّظام العالميّ ” يأخذ بها ، لعلّة عدم انتفاء أو انتهاء صلاحيّاتها الزّمنيّة و التّاريخيّة ، كما يُشيع بعضُ المبتدئين في فكّ طلاسم السّياسة العالميّة المعاصرة و ألغازها التّفصيليّة الدّقيقة.
11▪من الظّواهر الغريبة في السّياسة العالميّة ، و التي تؤيّد وجهة نظرنا هذه ، هي أنّ ( الصّين ) التي تشكّلُ التّهديد الاقتصاديّ و السّياسيّ العالميّ الأكبر، بالنّسبة إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة ( و غيرها ، أيضاً ) ، تبدو اليومَ خارج مجالات النّزاع العالميّ المباشر.
يتعلّق الأمر بسبب ألمحنا إليه ، و هو تعقيم المواجهات من الأيديولوجيات التّقليديّة التي حكمت صراعات و مواجهات القرن العشرين و حربه الباردة.
إنّه طالما بقيت الصّين لا تواجه مباشرة ” الكتل ” العالميّة الأقوى ، وخاصة أميركا ، فإنّها تستطيع حتّى الآن ، توفير” القوّة ” و ادّخارها كعامل من عوامل تبنّي فلسفة عن ” المستقبل ” لا يمكن أن تكون ذريعة لأيّة قوّة عالميّة لافتعال الصّراع معها و مباشرتها فيه.
و هذ أيضاً عاملٌ من عوامل الالتفات الذّاتيّ من قبل الكتل القوّيّة المختلفة ، إلى مصالحها و مبادئها الذّاتيّة في تعزيز القوّة ، بعيداً عن أيّ شكلٍ من أشكال الإحتراب الأيديولوجيّ و استقطاباته العالميّة التي ولّت مع القرن العشرين.
12▪ لا يبدو أن الحرب السّياسيّة و الإعلاميّة بين أميركا وروسيا ، واليوم ، بين أميركا وإيران من جهة ثانية تشكّل أيّ خطرٍ ” تقليديّ ” و مباشَرٍ على العالم.
و على العكس ، فإنّ من دواعي نجاح هذا التّحدّي و الثّبات و الإصرار على المواقف الدّاخلة في صراع ” الهّويّات ” التّاريخيّة و القوميّة ، ما بين الأطراف ، أنَّ هذه الأطراف كلّها مُضطّرةٌ إلى احترام الأسباب عند ” الآخر ” ، الذي دخلت معه في التّناقض و النّزاع.
نحن في الربع الاول من هذا القرن ، أمام خصومات عالميّة ، و لسنا أمام عداوات و اعتداءات كبرى ..
مع أنّ البعض كان – و مازال – يفضّل تسميتها بـ ” الشّراكات ” ( بوتين ، مثلاً ) على رغم ما تُبديه من ” حدّيّات ” مرحليّة أو مفصليّة في الصّراعات و المواجهات.
13▪ فمصطلح ” الحرب الباردة ” [ مع أنّ ( أندرو هاموند ) يذهب بحقّ إلى أنّ هذه التّسميّة هي أكثر من زائفة و مضلّلة.
[ انظر : أدب الحرب الباردة – أندرو هاموند – ترجمة طلعت الشّايب – المركز القوميّ للترجمة – القاهرة – الطّبعة الأولى – 2015م – ( ص10 ) ] ..
و هو مصطلح استخدم في أدبيّات السّياسة العالميّة ، لوصف حالة متوتّرة من الصراع و التنافس و التي كانت تتحكّم بعلاقة ( الولايات المتّحدة ) و ( الاتحاد السّوفييتي) ، وحلفائهم ، في النّصف الثاني من القرن العشرين ، حيث ظهرت ” التحالفات العسكرية ” العالميّة و الانقسام الإعلاميّ الثّنائيّ الحدّيّ ، و التّطوير الكثيف للأسلحة والتقدّم الصناعي و تطوير التكنولوجيا المرتبطة بالعسكرة ، و حرب الفضاء أو ما سمّي مع عهد ( رونالد ريغان ) ب ” حرب النّجوم “.
14▪ كان المتميّز و الشّاذ في ذلك ، هو إنفاق القوّتين العظميين السّرّيّ و المكشوف و الهائل على الصناعات العسكريّة و ” الترسانات النّووية ” ، و كذلك الحروب الواسعة بالوكالة الصّريحة و المُسمّاة ..
حدث هذا في ( كوريا ) و ( فييتنام ) و ( مصر 1956 ) و ( تشيكوسلوفاكيا ، سابقاً ) و أزمة الصّواريخ الكوبيّة عام ( 1962) ، و غزو ( الولايات المتّحدة ) ل ( بَنَمَا ) و اجتياح ( أفغانستان ) و نشر الدّرع الصّاروخيّ الأميركيّ في أوربّا على شُرفة ( روسيا – الاتّحاد السّوفييتيّ ) عام ( 1983 ) كأهمّ معلَمٍ من معالم سياسة ( ريغن ) المتهوّرة ، في إطارٍ من التّحدّي و الاستهتار بالعالَم و أمن العالم.
15▪ نحن اليومَ لا نعيشُ على إيقاع هذا الرّعب النّوويّ الذي حكم النّصف الثاني – حتّى تسعيناته – من القرن العشرين العالميّ.
في هذا السّياق من الفهم الواقعيّ ، فإنّ الصّعوبات الحاليّة أمام الإدراك العمليّ ، تنشأ كتحدّيات سياسيّة تاريخيّة ، غير مجرّبة ، أمام الدّول و الشّعوب غير المنخرطة في صراعات ” الشّركاء العالميين ” ( شراكات! ) الآخرين.
لقد ولّى القرن العشرون الذي كان يسمح بالتّراخي في فضاءات المتناقضات ، كبيئة تعيش فيها و تعتاش عليها و تستثمر فيها ، ايضاً ، الدّول و السّياسات التي كانت تُحسب على أحد طرفيّ قطبيّ الحرب الباردة.
لقد غدا التّحدّي الأكبر ، اليوم، بالنّسبة إلى ” الدّول الضّعيفة ” بمقوّماتها القليلة و شعوبها غير المتطوّرة ، هو كيف تتمكّن هذه الدّول من الحفاظ على استقلاليّاتها المختلفة و عناصرها الوطنيّة و القوميّة ، من عوامل ” الهويّة ” الاجتماعيّة و التّاريخيّة .. وكيف تتمكّن من المحافظة على ” كياناتها ” التّكوينيّة أمام إغراءات و عوامل التّفتّت و الذّوبان.. !؟
16▪ هذا هو السّؤال الأكثر أهميّة و الأخطرُ ، الذي على العالم الثاني و الثّالث المكوّن من الدّول الهامشيّة في العالم ، أن يجيب شعوبه و دوله عليه.
إنّ الإجابة نفسها هي عامل التّحدّي الأوّل و الأكبر ، الذي تليه جملة من العوامل المتعلّقة بإبداع مفردات أشكال و صياغات الأنظمة الاجتماعيّة و السّياسيّة والاقتصاديّة و التّنمويّة الشّاملة ، لتكون قادرة بها على مواكبة العصر متجنّبة بذلك الامّحاء و الانقراض و الاستعمارات متطوّرة الأدوات و الدّعاوى و الادّعاءات و الوسائل و الأدوات و المفاهيم و الإمكانيّات و الأفكار.
17▪ و تستعرضنا اليومَ أنماطٌ ، أو نستعرض أنماطاً من السّياسات التّابعة و الّلاحقة في العالم ، توحي بأنّها لا تدخل في تاريخ هذا الواقع المعاصر من التّطوّرات الحادّة.
و على هؤلاء وحدهم ، سيقع الّلوم التّاريخيّ ، عند المؤرّخين ، عندما لن يتمكّنوا من اجتراح الجرأة على ولوج حاجات هذا العصر.
و يكبر هذا التّحدّي كثيراً ، عندما يكون من المطلوب ، إضافة إلى ذلك ، تلك القدرة على مواكبة تطوّر العصر.
يستخفّ البعضُ بذلك.. و البعضُ لم يدرك ذلك ، بعد .. في حين أن ثمّة من هم يعيشون الّلحظة السّياسيّة و التّاريخيّة ، بأنانيّات استثماريّة خالصة ، غير مسؤولين عن المقبل القريب أو البعيد ، الذي يحتّم عليهم أشكالاً أخرى من أخلاقيّات السّلوك السّياسيّ التّاريخيّ.
18▪ قبل كلّ ذلك ، فإنّ النّظريّة السّياسيّة هي المسؤولة عن تحديد الفكرة و الواقع في التّشخيص و عن الجرأة في المواقف.
إن المواقف التّاريخيّة الرّائدة ، هي التي تحكم على نتاجات المعاصرين ، أمام مستقبل أوطاننا و أمام العالم من ساسةٍ مستقبليين و مؤرّخين.
و نحن ، بكلّ تأكيدٍ ، معنيّون بعلاقات الكتل العالميّة و لغاتها المعقّدة .. و لكنّنا أيضاً معنيّون بما نحن فيه أوّلاً من تراكمات تاريخيّة كابحة ، و ما تستلزمه من أجل فكّ الحصارات.
والأخطر ، بالنّسبة إلينا ، هو في أن ننتظر ” الآخر”- أيّاً كان- للقيام بما هو من واجباتنا نحن كأوطانٍ و دولٍ و أفكار و أخلاق و شعوب [ أو أن يقوم ” الآخر ” بدورٍ مُريبٍ في هذه الوجهة.. أنظر في ذلك ، مثلاً ، هاموند – المصدر المذكور سابقاً – ( ص. ص 18 – 20) ] .
19▪ و بينما نرى أمام أعنيننا ، كيف أنّ بعض الشّعوب و الدّول تخرج من لعنتها التّاريخيّة ، التي سبّبتها لها تفاوتات السّياسة و الثّروة و المعرفة و القوّة ، في هذا العالم ..
فإنّنا ، نحن ، كشعبٍ و أفكار و قوى اجتماعيّة أهليّة و مدنيّة ، ما نزال في طور الاختلاف على توصيف واقعنا و تعرية الحقيقيّ فيه من المزيّف ، و هذا ما ينطبق على الأخلاق و السّلوك و الأفكار و السّياسة و نظام الحكم و قواعد الإدارة و السّلطات.. نحن المهدّدون ، فقط ، من واقع الاستقطاب العالميّ المعاصر ، و ليس أطراف ذلك الاستقطاب المباشرين!..
و أود أن أنهي حديثي برأيٍ أردّده ، غالباً ( و لو بدوغمائيّة خالصة! ) ، و هو مضمون فكرة تكاد تكون من البداهة ، إلى درجة أنّها تغيب عن الكثيرين.
20▪ يُثبت تاريخ الحروب المعاصرة بعد صعود الرأسماليّة العالميّة و ” نضوجها ” الهائل في ” الإمبرياليّة العالميّة الأميركيّة – الغربيّة ” ، الذي طبع تاريخ العالم كلّه بالحرب الدّائمة الحيّة و المستمرّة.. أن تاريخ الحروب المعاصرة هو تاريخ الاعتداء ” الأميركيّ” على العالم.
و ما الحروب السّاخنة منها و ” الباردة ” – على زيف هذه التّسمية كما وجدنا أعلاه – في الزّمن المعاصر ، إلّا تاريخ الجشع الأميركيّ و التّكالب الأميركيّ على مقدّرات العالم!
يقول ( أود آرن ويستاد ) : ” إنّ تاريخ التّدخّلات الأميركيّة في العالم الثّالث ، هو – إلى حدّ بعيد – تاريخ تطور هذه الأيديولوجيا عبر الزّمن و تاريخ تشكيلها لسياسات النّخبة الموجِّهة للسّياسة الخارجيّة الأميركيّة. و رغم أنّه كان هناك فترات من المعارضة الدّاخليّة الشّديدة للسّياسات المتّبعة ، فإنّ فترة الحرب الباردة تمثّل فترة كان فيها إجماعٌ ملحوظ – وفقاً للمقاييس الأميركيّة – على الأهداف المباشرة و الوسائل المطروحة للسّياسة الأميركيّة في الخارج ” ..
[ أود آرن ويستاد – الحرب الباردة الكونيّة – ترجمة مَي مقلد – مراجعة طلعت الشّايب – المركز القومي للتّرجمة – القاهرة – الطّبعة الأولى – ( ص27 ) ].
21▪ و من الواضح اليوم ، أن هذه الظّروف التي يصفها ( ويستاد ) هي ظروف غير نموذجيّة في ” القرار الأميركيّ ” ، ممّا يجعل إجماع ” النّخبة ” الموجِّهة للسّياسة الأميركيّة ، أمراً متعذَّراً أو شبه متعذّر ، نظراً لتنامي مرجعيّات ” القرار ” الأميركيّ و انفراداتها و استقلاليّاتها المفضوحة في كثير من الأحيان .. وهذا ما بدا واضحا في التجاذبات ااشديدة بين الدولة الامريكية العميقة ( أو ” دولة الأمن القومي ” – كما يسميها البعض ) وبين ( طرامب ) بما يمثل ومن بمثل من قوى شعبية ” والأدق : شعبوية ” ” وقوى فاعلة ومؤثرة في المجتمع الأمريكي ..
وتتجسد قوى الطرفين المتجاذبين ، في ”
( البيت الأبيض ـ البنتاغون ـ الخارجيّة ـ الكونغرس ـ المخابرات المركزيّة الأميركيّة .. و باقي الأجهزة المخابراتية السبعة عشر – مجموعات الضّغط و الّلوبيّات المتعددة و بخاصّة منها “اليهوديّة” ـ و أخيراً المستشارون و المعاهد البحثيّة .. و لكنْ التي تخترق كلّ تلك ” الهيئات ” المختلفة، على الإطلاق – و أحياناً الشّرطة الفيدراليّة ، أيضاً.” ..و هذا ما لا يستوعبه بعض المحلّلين السّياسيّين ، فيصفونه بالتّناقضات! )..
22▪ و هو الأمر الذي يمكن أن ” تراهنَ ” عليه القوى السّياسيّة العالميّة ، لتجنّب عودة تلك الفترة التّاريخيّة الكارثيّة على شعوب العالم ، و التي أجمع ” المُهرولون ” في الأحكام على تسميتها بـ ” الحرب الباردة “.
و إذا كان هذا ممّا يبدو واقعيّاً ، فإنّه ليسَ من الحكمة أن يُترك الرّأي العالم الأميركيّ و العالميّ و إليه مفاعيل آثار السّياسة الخارجيّة ، رهناً بوقائعها الموضوعيّة ، و إنّما من الحاسم أن يُحاط هذا الواقع بالسّياسات و الدّراسات و البحوث الجدّيّة و الجادة ، كمتمّم لأفعال السّياسات الخارجيّة العالميّة المواجهة للطّغمة الأميركيّة الحاكمة.
و يبدو أنّ العالم بقواه الحيّة قد أدرك ، أخيراً ، هذه الأهمّيّات ..
و هنا تمثُّلُ سياسةُ روسيا ، حصراً ، هذا الاتّجاه في الوعي و ” القوّة ” المعادلة ..
و يبقى أن ينضمّ إليها جميع الفاعلين و المؤثّرين ، على مختلفهم ، في العالم من دول و هيئات و أشخاص ( اعتباريّة و طبيعية ) و أفراد.. وفي طليعة هؤلاء ( الصين ) و ( إيران ) ..
ولقد كان لسياسة الإستفزازات والتحرشات الإقتصادية والمالية الطرامبية تجاه هاتين الدولتين ، دور كبير في دفعهما ” أي : الصين وإيران ” ، ومن منطلق الدفاع عن النفس ، للإنضمام إلى ” معسكر ” المواجهة المباشرة للهيمنة الاميركية وإيقافها عند حدها .
23▪ إنّ اكتمال ” السّدّ ” أمام احتمالات طوفان ” الحرب الباردة ” ، على تلك الصّورة ، سوف يمنع الكثير من أهداف ” الإستبلشمنت ” الأميركي ( مركز القرار الأميركيّ التّقليديّ ، و الذي يضمّ عالم الأعمال و المال و الاحتكارات ، الصّلب ، في أميركا ، و المتحالف مع ” البنتاغون ” ) وكذلك الطرامبية الأميركية .. من تحقيق جرائمه التي يُعِدُّها و يحضّرها و يقتات عليها في العالم ، من دون تفريق أو تمييز بين شعب و دولة و أمّة و ثقافة أو دين.



