طيب التيزيني.. من فائض التنوير إلى البكاء على الأطلال !!
بقلم : إسماعيل أبو البندوره

لم يجد المفكر العربي الراحل طيب التيزيني بداَ من البكاء في إحدى لحظاته الفكرية وأمام جمهوره وهو يرى وطنه يحترق ويقتتل وفيه من الغرائب والمفارقات الكثير المروع ، وعندما زاغ منه العقل وتلجللت الكلمات وفقدت معناها فتوقف في لحظة درامية ليبكي !
وأطلق بعدها أفكاراً تميل إلى اليأس وإنسداد الآفاق وفقدان الأمل ولكنه بقي بطريقة ما مفتتحاً لبدايات ومدشناَ لفكر مختلف ومبشرا بالحرية ومشهرا قلمه ضد الاستبداد.
أراد من داخل محنة وطنه أن يشتق أفكاراً جديدة وتأسيسات مغايرة وأن يستدخل مرافعات وتشخيصات إنقاذية لا يراد لها المناكفة السياسية والانغمار في الفكر اليومي بقدر ما أرادها تنبيهات عن أخطار ما هو آت ، احتج علنا وبجرأة فكرية على الفساد والاستبداد والدولة الأمنية وانعدام الحريات وغياب الديموقراطية ورأى فيهما البلاء وخراب الأوطان ومقدمات لهلاك العمران.
لم يجد لذاته كمفكر وفيلسوف وأكاديمي عريق مكانا وحيزا واضحاً ومتسعاً داخل هذا الاضطراب الفكري والتصادم الوحشي والانهيار المديد ، ولذا مضى ليؤلف مرافعات نقيضة حول ما يجري وما يضطرب وأسبابه ومآلاته لكن الآذان كانت قد أقفلت ولم تعد تسمع صوت الفيلسوف ولا صوت العقل الذي ينادي به تيزيني .
كان تيزيني مع التغيير ولم يكن مع التفجير ، وكان مع الثورة يقوم بها الناس ببراءة وطهارة وطنية وعنفوان شعبي ملحوظ ومن أجل أهداف تغييرية حضارية لا مكان فيها للعنف والاقتتال ، وبدا صوته هجيناَ وغريباَ لدى الأشرار من كل لون وحدب ، لم تصغ إلى صيحته السلطة العنيدة ولا أصغت إليه المعارضة الغاشمة ولذا لاذ بلوعته وحيرته أمام واقع يتبدد وأصبح خطابه يترنح بين هذه الغرائب والمفارقات المبكية .
وكأن درس التيزيني الماركسي المفتقد لراهنيته قد توقف عن النبض وحاصرته الجوائح والاكراهات المختلفة وتحول الأمر لدية إلى مفارقة والتباس وأسئلة مدببة.
هل يبقى جوار ماركس مجتراً لأطروحاته ومرددا لنبوءاته ومغتبطا بالانتماء إليه أم أنه لا بد من المضي إلى آفاق ومدارات ومراجعات نقدية جديدة ؟ لكنه كما أحسب لم يفعل وبقي هذا الدرس الماركسي العتيق مرجعاً لازباً وتراثاً يعتد به ويقلب صفحاته عله يجد جواباً لأسئلة هذا الحاضر العربي المشظى على الرغم من عدم الاحساس بالجدوى ولا بالقدرة على إعادة الإنبناء وقد يكون ساوره اليأس وطالته شرارات العدمية .
ما لم يقله طيب التيزيني في أواخر أيامه قالته تلك الدموع المنهمرة في حضرة اغتيال العقل واستقالته وفي لحظة انهمار عاطفي فاض من روحه وعقله فبدا غريباً مثلما كان غريباً وهو يتمسك بعقائده ومسلماته ويقيناته المستديمة التي لم تتغير.
لكل ذلك بكى ورحل في مدينته العريقة حمص وترك لنا أسئلة ومشروعاً فكرياً يستحق منا إمعان النظر في مفرداته وإعادة قراءته ومراجعة أطروحاته واستلهام درسه !!



