البحث عن الذات

بقلم : اسماعيل أبو البندورة

هل تدفعنا حالة الاستعصاء والاضطراب السائدة إلى توليد وعي جديد عن الذات الغائبة والمنحسرة والمهمشة واشتقاق رؤى جديدة حول حالنا وحاضرنا ومستقبلنا ؟ هل نكون في هذا الخضم السياسي – الاجتماعي المتلاطم موضوعا للتاريخ فقط   والحريق فينا ومن حولنا ؟ وهل نكون مجرد مجتمع فرجة يعيش حالة لامبالاة ولاحسم  وحسب ؟

اسئلة تباغت وتحرج وعينا وتحملنا مسؤولية المراجعة والتفكير في مآلات سوء الحال والمصير وتلح علينا لكي نتدبر أجوبة عليها واستجابة جمعية حقيقية  لها لكي لانبقى  في دوائر السلبية والندب والالتهاء والاسترخاء المريض الأمر الذي سيبقينا في  ديمومة من الاستلاب والاغتراب  قد تأخذنا يوما إلى دوائر وقيعان تهدد وجودنا وتدمر جميع أحلامنا وأشواقنا الوطنية والقومية .

إذن علينا أن نبدأ باكتشاف طرائق ومناهج مغايرة للاستمرار وبذهنية ووعي مختلف ايضا  ولا بد من وضع اشكاليات الاستعصاء أمام عقلنا ووعينا بأدوات فكرية مبتكرة تسعى إلى التجديد والتغييير والتجاوز والانبثاق ، ولا بد من اكتشاف وتحريك هذه الذات الساكنة والمهمشة فينا لكي ننطلق على دروب جديدة من العمل والتفكير والانجاز .

علينا أن نفكر بأن العدمية والاعتقاد بانسداد الآفاق وانعدام البدائل ليس الخيار الاجتماعي المناسب في مثل الحالات المعقدة التي نمر بها في المرحلة الراهنة  لأن في ذلك ما يكرس الحالة النكوصية التي نحياها  ويعمق السلبية التي تكاد تصبح  من بعض أطوارنا وقيمنا الجديدة الارتدادية .

علينا في موازاة ذلك أن نكتشف ذاتنا وماهيتنا الوطنية بعامة من خلال تعريفات حافزة وذات دلالات نهضوية تسعى لاخراج هذه الذات من سباتها وغيابها وعماءاتها وتؤسس لها آفاق ومحددات  وأولويات جديدة ، وعلينا أن نعيد بناء هذه الذات الوطنية من خلال تصورات مستقبلية تحررها من الماضوية الالتباسية والانشغال بالاشكاليات الزائفة .

وعلينا أن نعرف بأن كل ذلك لن يتحقق بفكر التمني والأمنيات والينبغيات وإنما عن طريق فكر نقدي مستقبلي يسعى إلى تحرير هذه الذات المنحسرة من الغبار التشاؤمي والاضطراب وما تراكم على وعيها من مؤثرات عبر هذا الزمن القلق والمقلق ، فالمطلوب إذن مراجعات من نمط تاريخي وإرادة متعالية يطلقها الرسمي والشعبي لاشتقاق حالة تغييرية ايجابية للخروج من الازمات ومباشرة أدوار سياسية واجتماعية وثقافية تنطلق من فضاءات العودة إلى الذات الوطنية  بغية استنهاضها وتأهيلها لمواجهة هذا القلق والاضطراب الذي يتلبس كياننا وعقلنا .

اكتشاف الذات الوطنية وتحريكها في مسارات تاريخية صحيحة هو احدى الخيارات المتاحة أمام الشعوب لكي تنهض وتعيد بناء اوطانها وتحررها مع عسف التبعية واللهاث وراء السراب .. واكتشاف الذات وتحريرها وتحريكها نحو مسارات النهوض عملية تاريخية صعبة لابد من مباشرتها وإن طال الانتظار لأنها البديل الوحيد عن اليأس والاستعصاء وانعدام السيادة والوزن والتذيل للقوى الخارجية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى