في ذكرى عيد العمال
بقلم : د. زيد احمد موسى المحيسن

يحتفل العالم في كل عام في اليوم الاول من شهر ايار بعيد العمال ، تقديرا وتكريما للدور الطليعي الذي يقومون به في بناء الحضارة الانسانية وتشييد صروحها المعمارية و الصناعية والزراعية والخدمية.. ويأتي هذا الاحتفال في كل عام من اجل لفت الانظار والتأكيد على دور العمال الفاعل في المجتمع وكرافعة اساسية في تشيد المرافق الوطنية وبناء الاوطان.
لقد ناضلت الطبقة العاملة عبر العصور من اجل تكريس وجودها في الحياه، واحقاق شرعية نضالها السلمي، وقدمت قوافل من الشهداء عبر مسيرة نضالاتها الطويلة وعُمدت هذه المسيرة بالدماء الزكية من اجل الحصول على المكتسبات العمالية والنقابية، ولا زالت صرخات العامل النقابي الشهيد “اوجست سيايبس” تدوّي في الافاق عندما قال كلمته المشهورة “سيأتي اليوم الذي يصبح فيه صمتنا في القبور اعلى من اصواتنا”، وهذه الرؤيا لهذا النقابي تحقق الآن على الساحه العالميه مزيدا من المكتسبات والانجازات للطبقة العاملة، ومزيدا من الاحترام والثناء.
لقد كافحت الطبقة العاملة في الماضي ولا زالت مستمرة حاضرا في نضالها السلمي في بعض الدول من اجل الاعتراف بها وبدورها التقدمي في بناء الاوطان، والسماح لها بحرية التنظيم النقابي والضمانات التقاعدية والصحية والاجتماعية. وكل هذا ما كان له ان ينجز لولا صبرالطبقة العاملة وتضحياتها المريرة والجسيمة مع جشع الراسمالية العالمية المتوحشة التي اطلقت من خلال سياساتها الليبرالية خفافيش الظلام من منظمات ارهابية للفتك بالانسان والعمران واشاعة الحروب والفتن، بحثا عن الثروة والطاقة والاسواق، ضاربة عرض الحائط بمبادى الحرية وحقوق الشعوب في الاستقلال ومنظومة القيم الاخلاقية لتعزيز احتكاراتها الامبريالية على حساب دماء الشعوب الفقيرة من خلال وصفات المؤسسات الاحتلالية الجديدة : البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وفتح الاسواق وعولمة ثقافة رعاة البقر ( ال cowboy ).
لقد تفننت الراسمالية العالمية في استغلال جهود الطبقة العاملة دون مراعاة للحالة الانسانية لهذه الطبقه، وفرضت سلطة الدولار على كافة الاعتبارات الانسانية والاخلاقية .. ولكن بمشروعية النضال السلمي والتمسك بالمبادئ الخالدة حققت الطبقة العاملة الكثير من الانجازات والمكتسبات الحقوقية، واصبحت قوة يحسب لها كل حساب في مشاريع الربح والخساره وكقوة فاعلة وليس مفعولا بها مهيضة الجناح.
ونحن في الاردن نشارك العالم في كل عام احتفالات العمال في عيدهم، ونثمن ونقدر انجازاتهم ودورهم الريادي في خدمة بلدنا ونهضته الصناعية والزراعية والمعمارية والخدماتية وفي كل مجالات العمل المهني واليدوي، وفي هذا اليوم نرفع لهم قبعاتنا ونحيي منجزاتهم الوطنية، فهم اصحاب الهمة العالية والعزيمة الصادقة، وهم اصحاب الانجاز اللامحدود فكل شارع معبد وكل مصنع يدور وكل شجرة تنمو وكل بناية تشيد تشهد لهم بهذا العطاء الموصول .. فهم الحاضر بكل انجازاته ومعانيه، وهم المستقبل بكل اشراقاته وصباحاته المتفائلة، وهم اولا واخيرا رواد العطاء والبناء المثمر.
لقد امنت الحركة الوطنية الاردنية اليعربية منذ اليوم الاول ومن خلال النضالات العمالية والنقابية باهمية بناء الانسان العربي علميا ومهنيا باعتباره محور العمليه التنمويه وصانعها في وطننا العربي، فتحقق له الكثير من المكتسبات من خلال سلسلة من التشريعات القانونية والتأمينات الاجتماعية والصحية وكلها تصب في صالح الحركة العمالية والنقابية الوطنية والعربية، تقديرا لدورها في بناء الاوطان والانسان معا، وفي هذه المرحلة العصيبة التي تجتازها امتنا نرى لزاما علينا ان نقف وقفة اجلال واكبار واحترام لجميع شهداء العمل في وطننا الاردن وفلسطين، ونشد على اياديهم وصمودهم لمزيد من العمل والعطاء، وفي نفس الوقت نطالب مؤسساتنا الرسمية بوضع القواعد السليمة لاخلاقيات العمل والانتاج، ورفع المستوى المعاشي والثقافي والمهني للعمال من اجل تحقيق العدالة والنهوض الاجتماعي لهم من ناحية، وزيادة الانتاج القومي للوطن من ناحية اخرى .



